كنوز نت - بقلم : نبيــل عــودة


فلسفة مبسطة: جولة في بعض المفاهيم الفلسفية

  • بقلم : نبيــل عــودة


  1. أهمية الفلسفة

اهتممت بشرح وتبسيط هذه التعريفات، من رؤيتي انها ضرورية خاصة لأبناء جيل المستقبل. هذه نصوص استغرقني العمل على صياغتها وقتا كبيرا. هدفي منها ان افتح اطلالة هامة على المضامين الفلسفية، لعل ذلك يدفع البعض للاهتمام الجاد بالفلسفة، ولعل العالم العربي يقر هذا الموضوع ضمن برامجه التعليمية، والأهم بتحرير الفلسفة من أي مركب اسطوري او خرافي او ايماني مغلق. وما أعرفه ان تونس فقط، ومنذ عهد الحبيب بورقيبة، جعلت موضوع الفلسفة ضمن برامج التعليم، بينما دولا اخرى لا تعطي للموضوع نفس القيمة التي سادت التعليم التونسي.
شهد عالم الفلسفة تفسيرات كثيرة منها ما قاله ابيقراط (المشهور بأنه أعظم الأطباء وصاحب القسم الطبي) قال ان الفلسفة فارغة من المضمون إذا لم تساعد على شفاء ما يعانيه الانسان من ضيق، ولا قيمة للفلسفة إذا لم تبعد عن الانسان الأمراض النفسية.
اما ارسطو فيقول إذا انت قلت انه توجد ضرورة للفلسفة فعليك ان تتفلسف، وإذا قلت انه لا ضرورة للفلسفة اذن عليك ان تتفلسف لتفسر رأيك، بأي شكل كان انت يجب ان تتفلسف.

الفيلسوف وليم ديلتي (1833 -1911) قال ان القيمة الحقيقية لكل فلسفة جادة ومضمونها هو التربية حول المعنى الأوسع للغاية لنظرية تكون الانسان.
يقول كارل ياسبرس (فيلسوف وعالم نفس 1883 -1969) ان كل تاريخ الفلسفة الممتد منذ 2500 سنة هو لمحة بصر فقط لوعي الانسان لذاته”
موضوع الفلسفة هو أكثر المواضيع التي يقف امامها الجيل الناشئ، واكثرية الأجيال بما فيهم الكثير من المثقفين، موقفا سلبيا بظن انه موضوع بلا مضمون وبلا ارتباط بواقع الحياة. وان الفلسفة أقرب للثرثرة التي لا تغني ولا تسمن، ربما مجرد ابحاث لا تزود الانسان بأي جديد، أو بأي أثر ايجابي على تفكيره وتطوير قدراته الذهنية.

المؤسف ان الكثيرين من اصحاب المقدرة العقلية لا يألون جهدا في فهم المضامين الفلسفية وأثرها على التفكير وتطور كل مجالات الحياة في المجتمع الانساني. هل هي التربية الخاطئة، هل هو اسلوب التعليم الذي يفتقد للكثير من المركبات الضرورية لخلق انسان المستقبل؟

مختلف دول العالم المتنور اقرت الفلسفة ضمن برامجها التعليمية. نحن في الشرق نصر ان الدين هو المركب الفكري الضروري للتعليم. لا بأس من فهم مضمون الدين، لكن المضمون الأخلاقي والانساني وليس المضامين التي ترى بكل مختلف دينا وطائفة وفكرا عدوا يجب القضاء عليه.

تاريخ الدين في القرنين الأخيرين، العشرين والحادي والعشرين، هو تاريخ مليء بالدماء والآلام لبني البشر. بحساب بسيط، شكل الدين بالأسلوب الذي ساد كارثة للشعوب العربية والشرقية وطال العديد من الدول الأجنبية. لا أحد ينكر ان الغرب الاستعماري ترك بلادنا قفرا من التطور. عمق التطرف القومي والديني. ترك لنا دولا هي مهازل، وانظمة حكم تعمق أزمة الشعوب العربية، تنهب ثرواتها، وهذا سينعكس بطريقة لا يمكن توقع مدى مأساويتها الكارثية على مستقبل المجتمعات العربية.
  1. الماركسية
عانت الماركسية من عدم وضوح وقصور فكري لقادة “المجتمع الجديد” (الاتحاد السوفييتي) ينبع أساسا من عدم تطوير الماركسية لمفهوم الدولة الاشتراكية، الدولة التي ستبني المجتمع الجديد. وظلت الدولة الرأسمالية (العتيقة) هي الجهاز الذي كلف ببناء النظام الاشتراكي الجديد. كل ما جرى ان السيد تغير ولم يتغير نهج الدولة او النظام.

تقوم نظرية الثورة الماركسية على مبدأ يقول ” على الثورة ان تستمر حتى القضاء على الطبقات المالكة بشكل عام”، فيما بعد طور ماركس نظريته بقوله إن “الكلام لا يدور حول تغيير الملكية الخاصة او القضاء على قسم من قوانين البرجوازية، بل إنشاء “المجتمع الجديد”. طبعا هذا التعريف عقلاني ومتزن، لكن للآسف جرى تجاهله والالتصاق بمقولة القضاء على مجمل القوانين والملكيات التي تسود المجتمع الرأسمالي.

ماركس طرح في فلسفته رؤية هامة بقوله “لقد اكتفى الفلاسفة بفهم وتفسير العالم، أما الهدف فهو تغييره”. هل كان يريد تغييره بالعنف بأساليب التنظيمات المتطرفة حسب النهج الذي اعتمده ستالين أيضا بعد القضاء على الأعداء البيض في الداخل؟ او ربما يصح القول ان فلسفة ماركس كانت تبريرية لفرض نظام ديكتاتوري بالغ القسوة والعنف والتدمير بدون حدود؟!

لا يمكن انكار ان الماركسية كانت من أكثر الفلسفات تأثيرا على المجتمعات البشرية. والبعض يسميها فلسفة القرنين التاسع عشر والعشرين. كان حلم ماركس انسانيا، وطرح رؤية لبناء نظام انساني عادل. رؤيته الانسانية كانت تتناقض تناقضا جوهريا مع الحكم الاستبدادي، القمعي والدموي لنظام ستالين.
  1. فلسفة العلوم
أصل كلمة العلم هو من اليونانية “لوجوس” (Logos) والتي فسرت تفسيرات مختلفة منها “السبب”، “الفكر”، “الافتراض” والبعض فسرها ب “علم المنطق”. القفزة الكبرى في فلسفة العلوم كانت في القرنين التاسع عشر والعشرين. طبعا قرننا الحادي والعشرين أحدث قفزة هائلة في فلسفة العلوم. مطلقا العقل البشري والوعي الإنساني إلى عوالم لا حدود لها. من المذهل ان نقارن بين مجتمعات تعيش على هامش الحضارة العلمية والعالمية، ومجتمعات جعلت من العلوم رافعة للتقدم الاقتصادي والاجتماعي، لأن العلوم في جوهر أي حضارة ولا تقدم حضاري بدونها.

تبني فلسفة العلوم الكثير من دراساتها على ما يعرف ب “علاقات الاستدلال” بين الفرضيات أو النظريات المختلفة. نجد هنا ان “الأبستمولوجيا” التي هي فرع من فروع فلسفة العلوم وتعني “دراسة العلم” اثارت اهتمام العديد من العلماء العرب والمسلمين بنظريات المعرفة ومن أشهرهم المعتزلة والأشعرية وابن سينا وابن رشد والغزالي.

قيمة النظريات العلمية، أو ما يعرف بفلسفة العلوم يمكن تلخيصه بان الوعي الإنساني يفقد فائدته بدون ان تؤكده النظريات العلمية. نحن لا نتحدث عن ميراث فكري ينقل بالوراثة ويجعل الأكثرية المطلقة من البشر منغلقون فكريا ووعيا عن فهم أي معيار خارج موروثاتهم، حتى الأرض رفض بعض “علمائهم” كرويتها واعتبروا المسألة فكر استعماري. ويرون بكل محاولة لنقض ما نقل إليهم بالرضاعة، أو بالتلقين الذي يشل التفكير ويقمع العقل، خروجا عن الصحيح وضلال ما بعده ضلال.
مجال القوانين العلمية هو دراسة بيولوجيا الحياة كشكل خاص لحركة المادة، كما يتناول قوانين تطور الطبيعة الحية، وكذلك الأشكال المتشعبة للكائنات الحية: بناؤها ووظيفتها وارتقاؤها وتطورها الجزئي وعلاقتها المتبادلة بالبيئة.
  1. بروليتاريا
انتشر تعبير البروليتاريا لوصف الطبقة التي لا تملك أي وسائل إنتاج وتعيش من بيع مجهودها العضلي أو الفكري، تاريخيا ظهر هذا الاصطلاح بالامبراطورية الرومانية القديمة لوصف الفئات السكانية الأشد فقرا والتي ليس بقدرتها دفع الضرائب. لكن الأمر الأساسي ان هذه الظاهرة انتشرت في اوروبا مع بداية صعود وتطور النظام الرأسمالي. واستعملت كوصف للفئات الأشد فقرا من النخب العمالية، ومن المعروف ان الطبقة العمالية آنذاك لم تكن متطورة مهنيا وتكنولوجيا كما هي اليوم، وجذور هذه الطبقة تعود الى فئات من المزارعين والرعاة الذين دمرت الرأسمالية مراعيهم وحقولهم وسيطرت عليها لبناء الصناعة الرأسمالية وحولتهم الى عمال غير مهنيين في صناعتها، لكن هذه الظاهرة لم تنشأ خارج اوروبا، وتلاشت مع التطور والتحولات الاقتصادية العميقة في المجتمع الرأسمالي. لدرجة انه يمكن الملاحظة ان مفهوم البروليتاريا أصبح غير ذا شأن مع التحولات الاقتصادية العميقة التي انعكست على الواقع الاقتصادي للعمال وعلى واقعهم الاجتماعي أيضا.

استعمال هذا الاصطلاح اليوم لوصف الفئات الاجتماعية المختلفة من موظفين ومهندسين واطباء ومدراء شركات وعمال مهنيين خبراء بالتكنولوجيا المتطورة، وعمال مهنيين مشغلين لأدوات عمل تحتاح الى خبرات علمية ومهنية، أصبح مضحكا وبعيدا عن المنطق. وكل مفهوم الصراع الطبقي التناحري (حسب نظرية المادية التاريخية لماركس) تلاشى من عالمنا، طبعا هناك نضالات عمالية مختلفة، لكنها ليست صراعا تناحريا لقضاء طبقة على طبقة.
مثلا قادة الطبقة العاملة اليوم أصبحوا من النخب السياسية الذين لم ينجزوا غير ارباحهم المادية. مثلا في إسرائيل حيث أعيش وانشط، كوادر العاملين الحزبيين تحسب ضمن ال 1.8 مليون فقير في اسرائيل، أما الزعماء السياسيين، مهما تميزوا بالغباء والتصرفات الهوجاء، فهم ضمن اغنياء اسرائيل، بتجاهل كامل لواقع الفقر والإملاق الذي تعاني منه “البروليتاريا” الحزبية (رفاقه بالنضال). نجد مثلا ان الزعيم (عضو كنيست او رئيس سلطة محلية) يعتاش من دخل بقدر بعشرات الاف الشواكل شهريا عدا الخدمات الهامة والكثيرة التي يحصل عليها بحكم منصبه. أما الموظف الحزبي الذي يقوم بالعمل الأسود، يحصل بصعوبة على معاش الحد الأدنى او أكثر قليلا. طبعا انا كنت في هذا الفلم لعدة سنوات ولي تجربة مؤلمة تأثيرها السلبي قائم في نفسي حتى اليوم. للأسف لم يتغير الوضع بل يزداد سوء. ما أعرفه تمام المعرفة انه يوجد تقص بكوادر الموظفين الحزبيين، الوضع الاقتصادي هو السبب؟ حجة مضحكة!! يمكن توظيف كوادر اخرى للعمل إذا تنازل “الزعماء” عن حصة من دخلهم بصفتهم ممثلين لتنظيم سياسي، انتدبهم وزعمهم.

مثلا ممثلي الحزب الشيوعي الفرنسي في البرلمان الفرنسي يدفعون 50% من معاشهم ومن تعويضات عملهم البرلماني للحزب، الحزب كلفهم بدور سياسي ولم ينصبهم وجهاء ومخاتير ليغتنوا على حساب الحزب. لكننا لسنا فرنسيين. السؤال: متى تنتفض “البروليتاريا” الحزبية في بلادنا أيضا تنفيذا لتعاليم ماركس نفسه عن الصراع الطبقي بين “البروليتاريا” – فقراء الحزب والبرجوازية اغنياء الحزب، ربما تكون انتفاضتهم تمرينا للثورة الاجتماعية التي تنبأ بها ماركس في ماديته التاريخية. هل تصرفات من يدعون انهم على نهجه هي سبب فشل نظريته عن الصراع الطبقي؟
  • قصة فلسفية من الفلسفة الاغريقية
ديميتري: توجد الكثير من الفلسفات المنافسة، كيف اعرف أي فلسفة هي الصحيحة من بينها؟
طاسو: من قال انه توجد فلسفة صحيحة؟
ديمتري: لماذا تجيبني دائما بسؤال؟
طاسو: هل لديك مشكلة بذلك؟
ديميتري: صدقني لا اعرف حتى لماذا سألتك أصلا. توجد أشياء ببساطة صحيحة، مثلا: 2+2=4
طاسو: كيف تستطيع ان تكون متأكدا من ذلك؟

ديميتري: لأني أثيني ذكي جدا.
طاسو: كونك أثيني هذا موضوع آخر. لكن السبب الذي يجعلك متأكدا من 2+2=4 ان الجواب يعتمد على قوانين العلوم التي لا يمكن الشك بها.