كنوز نت - بقلم : محمـد علوش


سنفتقدك دائماً شاعرنا وصديقنا الراحل



  • بقلم : محمـد علوش

كانت عنبتا حزينة في لحظة الغياب ، وأفول نجم الشاعر الفلسطيني المعروف أديب رفيق محمود .

خرجت الجموع الغفيرة في وداع شاعر عنبتا وحادي حروفها ، الذي ظل على الدوام شاعر الفرح والانتصارات ، مسكوناً بالقدس معشوقته الأبدية التي كان من أوائل الشعراء الذين كتبوا عنها ، وكتبوا لها أجمل القصائد في الزمن الجميل ، فقد كان شاعرنا الراحل ، أول شاعر عربي يكتب عن القدس في لحظة السقوط والفجيعة المدويّة ، يوم سقط الجدار الأخير للأمة العربية في القدس ، باحتلالها من قبل المحتلين الصهاينة .

لم يكن أديب رفيق محمود يوماً ، شاعراً عادياً أو عابراً بين الكلمات ، بل كان وظل شاعراً مكرساً ، بحضوره المميز في المشهد الشعري الكرمي ، وبين ثنايا الشعر الفلسطيني عموماً ، رغم محاولات التعتيم وفرض بعض الأسماء كعناوين للشعر الفلسطيني الحديث والمقاوم .

لم يحظى شاعرنا بحقه الطبيعي من قبل سدنة الثقافة ، فهل يعقل أن يكون هناك شاعر كبير بنصوصه وتجربته الشعرية الغنية التي تواصلت على مدار عقود طويلة دون أن يلتفت اليه أحد ؟

صحيح أن عنبتا وطولكرم باعتبارهما جزء من مناطق الأطراف ظلتا بعيدتين عن أضواء المدن الساحرة التي ضخت فيها كل الامكانيات لخلق مشهد ثقافي في ظل انسداد الأفق في المشهد الثقافي الحقيقي الذي مثلته طولكرم على مدار سنوات طويلة وفي كافة المراحل، انطلاقاً من عمً شاعرنا الراحل الشهيد الشاعر عبد الرحيم محمود الى آخر شاعر يتهجى حروف قصائده في السريرة .

عرفت أديب رفيق محمود ، منذ منتصف التسعينات وكان لاسمه هالةٌ كبيرة ، الى جانب صحبه الشعراء ومنهم الشاعر عبد الناصر صالح الذي شغل مهمة مدير عام وزارة الثقافة وقد لعب دوراً كبيراً في تجميع شتات الحركة الثقافية وايجاد منبر للمثقفين والشعراء والأدباء فكانت طولكرم منارة للشعر والشعراء من أبنائها ومن ضيوفها من كافة أنحاء فلسطين التاريخية .


وأذكر جيداً انني شاركت الى جانب الأديب أديب رفيق محمود والشاعر عبد الناصر صالح في عدة ندوات ثقافية وكانت مدرسة العدوية أول مسرح نصدح به بقصائدنا لنحلق من خلالها في لغة البوح وفي تجليات التمرد على كل الاشكال والقوالب الجاهزة ، لتكون قصائدنا حرة وتبشر بالحرية .

وكانت آخر مشاركة لي معه خلال الندوة التي نظمتها وزارة الثقافة بجهود مقدرة من مدير مكتبها في طولكرم الصديق منتصر الكم ، حيث كانت الندوة بمناسبة مئوية شاعرتنا الكبيرة المبدعة الراحلة فدوى طوقان ، وأذكر كلماته تماماً في الثناء على التجربة الشعرية لفدوى طوقان ، التي أثرت الأدب والشعر الفلسطيني، واستطاعت أن تترك بصمتها واضحة على هذا الصعيد ، حيث كان لشقيقها ابراهيم طوقان الدور الهام الذي لعبه في دعمها وتشجيعها ، حيث شاركنا أيضاً في ذات الندوة ، صديقنا المشترك الراحل الكبير الشاعر البروفيسور فاروق مواسي .

أنا هنا لا أرثي شاعراً أحببته ، بل أعيد من خلال هذه الكلمات اسمه ليظل شامخاً وحاضراً بيننا ، وهذا حقه علينا ، وقد كان سعيداً جداً بما كتبته عنه ذات يوم ، حيث كتبت دراسة مطولة عنت تجربته الشعرية ، ووضعت لها عنوان : ( أديب رفيق محمود .. شاعر من بلادي ) وقد تناولت فيها عمق تجربته ولغته وقدرته على التناص ، وتقديم القصيدة المتميزة بنكهة شاعرها الخاصة ، وقد وجت حينها بأن شاعرنا وعبر سنوات تجربته الشعرية لم يكتب عنه في ذلك الوقت سوى دراستين الأولى للصديق الراحل الشاعر والناقد فاروق مواسي ، وأما الثانية فكانت لصديقه الأديب واستاذ اللغة العربية القدير الراحل الصديق لطفي كتانة .

قلائل هم الكتاب والنقاد ، الذين تناولوا التجربة الشعرية لشاعرنا الراحل ، وهذا يتطلب اعادة الاعتبار لهذه التجربة وصاحبها ، والذي وان رحل جسداً ، فانه سيبقى فينا شعراً وابداعاً وموقفاً ، ومن حقه علينا أن نجمع ارثه الأدبي ونشره في اطار المجموعة الكاملة ، لتتعرف عليه الأجيال الجديدة ، وأن يتم تناول هذه التجربة بقراءات نقدية موضوعية وتسليط الضوء على خصائص ومزايا الثراء الشعري الذي امتاز به الشاعر أديب رفيق محمود على مدار تجربته الطويلة .

 وكما يقول الشاعر العراقي د. علي جعفر العلاّق : " الذاكرة تتحول إلى بئر طافح " ، ومن هنا فان الشاعر الفلسطيني أديب رفيق محمود ، بئرٌ طافحٌ بالمعرفة وذاكرته تشكل مخزون ثقافي ومعرفي هائل وظفه في بناء النص الشعري ، ولم يكتب الشعر- أو يكتبه الشعر ، بمعزل عن تلك الذاكرة / البئر ، وهذا ما يجعل شعره نسيجاً محكماً ، تشكله وتغذيه العناصر المشكلة لذاكرة الشاعر ، وما تحمله من رؤى ومواقف ، ومن هنا تكونت صوره الذاتية والوجدانية المقترنة بجغرافيا الوطن.

حزنا لرحيله عنا ، فقد كان لحضوره بيننا ، كامل البهاء وأناقة الحضور في ظلال التجارب المتدفقة وتداخل الأجيال ، فكانت لقاءاتنا مميزة ، يجمعنا الهم الوطني والثقافي ، وتجمعنا القصيدة بحمولتها الشعرية والشعورية وتدفقاتها وانصهارها في تجاربنا التي تحاول تكريس نفسها في أتون التجربة الجمعية للشعر الفلسطيني عموماً .

سنفتقدك دائماً شاعرنا وصديقنا الراحل .

• محمد علوش كاتب وشاعر فلسطيني