كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


طقوس العبور

  • د. منعم حدّاد


إن أول من استعمل تعبير "طقوس العبور" في علم الأنثروبولوجيا كان عالم الاجتماع الفرنسي أرنولد فان جينيب (A. Van Gennep) في كتاب له صدر سنة 1909 بعنوان "طقوس العبور".
وطقوس العبور مكرسة لتغيرات ذات طبيعة إرتقائية في حياة الأفراد، وذلك مثل صعود أحد الأشخاص إلى مرتبة زعيم القبيلة أو ملكها، وهي مرتبة ذات طابع قدسي. ومثل الانتقال من حالة إجتماعية إلى أخرى. وقد أطلق الأنتروبولوجي آرنولد فان جنيب - A.V. Gnneb على هذا النوع الثاني تسمية طقوس العبور لأنها تعبر بالشخص من مرحلة إلى أخرى جديدة تماماً. إنها مرتبطة بأحداث مثل الولادة، وإطلاق الاسم ، وبالخطوبة والزواج، وبالموت، وما إلى ذلك".


ويرى الباحث البروفيسور دوف نوي أن طقوس العبور في حياة الإنسان تتركز في "الأزمات" أو المفاصل الحياتية التي يمر بها الإنسان وتشمل الولادة، سن المراهقة والبلوغ، والزواج، وسن اليأس (لدى النساء)، والوفاة وما يتبعها.
كما أن للعام نفسه طقوس عبور كما يرى البروفيسور دوف نوي، وتستقطب "الأزمات" السنوية الكثير الكثير من العادات والتقاليد والممارسات، وتتمثل هذه "الأزمات" في أطول نهار وأقصر ليل في السنة، أقصر نهار وأطول ليل في السنة، وفي يومي الاعتدال: الاعتدال الربيعي عندما يتساوى الليل والنهار في أواخر الأسبوع الثالث من شهر آذار، والاعتدال الخريفي عندما يتساوى الليل والنهار في أواخر الأسبوع الثالث من شهر أيلول.
ولا بدّ لأي طقس من طقوس العبور من أن يتكرر، فالتكرار سمة بارزة وأساسية في كل طقس من هذه الطقوس.


وتستمد الطقوس خاصيتها بل قدسيتها من إيمان أو عقيدة دينية – حتى ولو كانت وثنية – وإلا فلا تعتبر من الطقوس!
وتتركز العادات والتقاليد والممارسات عادة في هذه الطقوس وحولها، والنماذج أكثر من أن تعد وتحصى!
ويكفي الإشارة مثلاً ما يرافق كل طقس من هذه الطقوس، كالولادة مثلاً: فالاستعدادات لاستقبال المولود الجديد وحتى قبل ميلاده متعددة، بدءاً بتحضير الملابس والحاجيات الضرورية لاستقباله، واختيار الاسم المناسب، والقيام بأعمال مختلفة لمحاولة معرفة جنيس المولود قبل أن يولد، وقبل وجود التصوير الأشعة الكهربائي، إذ كانت النسوة يمارسن الكثير من الأعمال والممارسات للتنبّؤ بجنس المولود.
ثم العادات والتقاليد التي كانت تمارس فور الولادة، مثل "تمليحه بالملح" ورشّه بمسحوق الريحان، وغير ذلك الكثير.


ومن تقاليد وممارسات المراهقة وسن البلوغ مثلاً للصبية البدء بإطلاق الشوارب وحلق اللحية واعتمار الكوفية والعقال فيما مضى من الزمان، والتدخين، ومشاركة الكبار في سهراتهم وأحاديثهم ورقصاتهم وسحجاتهم ودبكاتهم، وبدء الفتاة العناية بجمالها بالحناء والكحل وما إليها.
أما ما يرافق الزواج والوفاة من التقاليد والعادات والممارسات في كل مجتمع من المجتمعات فتعجز المجلدات الضخمة عن الإحاطة به!

ولا تقل التقاليد والعادات والممارسات المرتبطة بـ"أزمات" دورة السنة وطقوس عبورها عما في حياة الإنسان، ويكفي أن نشير إلى النظر إلى الأفق صيفاً مثلاً فإذا ما كان أحمر فيعني هذا أن نهار الغد سيكون حاراً شديد الحرارة.


ومنها محاولات التنبؤ بحالة الطقس في الشهور القادمة والتي دأب الفلاحون على القيام بها ليلة عيد الصليب، مستعينين بأكوام من الملح تمثل الشهور القادمة وفي الصباح التالي مراقبة أي منها ذاب الملح منه أكثر ليستنتجوا أن الشهر الذي يمثله سيكون ماطراً شديد المطر.
أما ما يرتبط بنهاية السنة وبداية السنة التالية فهو غزير وفير أيضاً، ويمكن في هذا السياق الإشارة إلى كل ما يرافق الأعياد المختلفة، ومنها ما زال ساري المفعول وجاذباً للانتباه وينتظره الكثيرون بفارغ الصبر، ألا وهو الأبراج والتوقعات للعام الجديد، والتي قد لا يخلو منها تلفزيون أو إذاعة أو صحيفة أو موقع إلكتروني!