اللّغة العربيّة ترثي حالها

لغتنا العربيّة باتت في وضع لا تحسد عليه، لغة القرآن الكريم ( إنّا أنزلنا قرآنًا عربيًّا) ترثي حالها بين أهلها، لغة الأنبياء والصّحابة، لغة الشّعر، لغة عنترة 

العبسيّ، امرؤ القيس، عمر بن كلثوم، زهير و غيرهم الكثير، اللّغة الّتي منحت الغيمة عدّة أسماء فهي مزنة و ديمة و غمامة و غيمة و سحابة و غيره، الّتي 

منحت الأسد حوالي ثمانين اسمًا من الحيدر إلى الهزبر إلى الضرغام، الخطار، الهموس الرئبال، حمزة الفرناس و الفرهود و غيرها الكثير من الأسماء، فهو 

سيف و حسام وصمصام وبتّار ومهنّد و هندي و غيرها العشرات، و كلّ واحدة منها عني حالة ن حالات الغيمة أو الأسد أو السّيف، بينما في لغات أخرى لا 

نجد مثل هذا الغنى و التّنوّع.

اللّغة الّتي عُلّق الشّعر المكتوب بها على جدران الكعبة منذ قبل الإسلام، وطافت العرب حولها، الّتي يقال إنّها لغة ابينا آدم، و لغة أهل الجنّة، هذه اللّغة 

أصبحت في حالة تثير الحزن، كيف لا تحزن و قد عبث بها أبناؤها، و لا أتحدّث هنا عن الأخطاء الإملائيّة و القواعديّة، بل وصل الأمر إلى كتابتها بأحرف 

ليست عربيّة، صارت تكتب لدى البعض بأحرف أجنبيّة وبأرقام و شارات، أضف إلى هذا المفردات و المصطلحات الأجنبيّة الّتي تغلغلت فيها

 كما المرض الفتّاك.

هذه اللّغة الّتي قال فيها المستشرق جرمانوس:-"إنّ في الإسلام سندَا هامًّا للّغة العربيّة أبقى على روعتها و خلودها فلم تنل منها الأجيال المتعاقبة على 

نقيض ما حدث للّغات القديمة المماثلة، كاللّاتينيّة حيث انزوت تماما بين جدران المعابد"

و قال المستشرق جوستاف جروينباوم:" عندما أوحى الله رسالته إلى رسوله محمّد أنزلها "قرآنًا عربيًّا" و الله يقول لنبيّه "فإنّما يسّرناه بلسانك لتبشّر به 

المتّقين و تنذر به قوما لدًّا" و ما من لغة تستطيع أن تطاول اللّغة العربيّة في شرفها، فهي الوسيلة الّتي اختيرت لتحمل رسالة الله النّهائيّة، و ليست منزلتها 

الرّوحية هي وحدها الّتي تسمو بها على ما أودع الله في سائر اللّغات من قوّة و بيان، أمّا السّعة فالأمر فيها واضح، و من يتبع جيع اللّغات 

لا يجد فيها على ما سمعته لغة تضاهي اللّغة العربيّة، و يُضاف جمال الصّوت إلى ثروتها المدهشة في المترادفات". 

و قال فيها أراغون شاعر فرنسا" اللّغة العربيّة هي لغة الشّعر".

و هذه أمثلة قليلة من كثير قيل في لغتنا.

"أيّها النّاس ألا تعرفون أنّ اللّغة العربيّة هي الّتي تجمع بينكم، هي الّتي جعلتكم أمّة تفرون بها من المحيط إلى الخليج".

كيف سيفهم التّونسيّ و الجزائريّ و المغربيّ شقيقهم العربي في بلاد الشّام أو شبه الجزيرة العربيّة بغير اللّغة العربيّة الفصيحة، و كيف يمكن للمغربيّ أن 


يفهم لغة اللّبنانيّين المحكيّة الّتي صاروا يقدّمون بها البرامج و حتّى نشرات الأخبار الّتي يقولون فيها "الوائع" بدلا من الواقع، 

و هيدا بدلا من هذا!! هل يبقى الشّقيق العربيّ شقيقًا بدون لغة مشتركة تجمعهما ، لغة تحمل مشاعرهما تجاه بعضهما،

 لغة تعبّر عن أدقّ ما يختلج في نفوس العرب شعرًا أو حديثا أو آية قرآنيّة. 

اللّغة هي الإنسان، و بدون لغة يكون هذا الإنسان ضائعا، لقد سعى أجدادنا ليجعلوها لغة الكمال، فكانوا دقيقين في اختيار المفردة المعبّرة بصورة تحسدها 

لغات العالم. لغتنا الّتي قيل فيها الكثير من الشّعراء و مفكّرين و باحثين من شتّى أرجاء الأرض و من مختلف الحضارات و اللّغات بإعجاب و عرفان، تحدّثوا 

عن قدرتها على استيعاب متغيّرات العصر، ومرونتها، و موسيقاها و ملاءمتها للشّعر أ:ثر من أيّ لغة أخرى على وجه الأرض، وسهولة الاشتقاق فيها من 

الكتاب و المكتبة و الكاتب والمكتوب وغيرها، لقد بتنا عبئًا عليها كأنّما نخجل بها، وكأنّنا ننبذها و نحملّها مسؤولية فشلنا ، صرنا نتعامل معها كخصم بعدما 

كانت لألوف السّنين مصدر فخر واعتزاز وايحاء وعزّة و كبرياء. حتّى بعض الصّحف العربيّة الكبرى نراها في عداء بغير وعي للعربيّة، فها هي صحيفة 

"المصري اليوم" تقول في إعلان لها "المصري اليوم جورنال كلّ النّاس" جورنال؟؟ هل أنت جورنال يا صحيفة المصري اليوم؟ أتفي كلمة صحيفة 

بالغرض! هل نحن نتصحّف الصّحيفة؟ أم (نُجرنل الجورنال)؟؟ هل جاء هذا في الجورنالات الأولى، جورنالات إبراهيم و موسى! 

أنّه في الصّحف الأولى صحف إبراهيم و موسى؟

لقد لعبت شبكات التّواصل الاجتماعي دورًا سلبيًّا في ما حدث لغتنا، فقد صار من السّهل أن يطبق أحدهم على نفسه لقب شاعر على الرّغم من كلّ الأخطاء 

الإملائيّة و القواعديّة، و رغم ذلك يجد كثيرين يمتدحون ما يكتب، و عندما تقدّم له ملاحظة لا يهتم لها أو يستهتر أو حتّى يحزن، كذلك كتابة المنشورات فهي 

غير مراقبة لغويَّا، ناهيك عن العرب الّذين يتعاملون بالعبريّة في موقع التّواصل الاجتماعي و عندما تسألهم لماذا! يقولون لك إنّهم يستطيعون التّعبير عن 

أنفسهم بالعبريّة بصورة أفضل, أو أنّهم يستسهلون اللّغة العبريّة أكثر، أضافة إلى كثير من دول عربيّة يكتبون بالفرنسيّة أو الانجليزيّة ، كذلك فإنّ الكثير من 

بلديّاتنا و مجالسنا المحليّة تتكاتب داخلها باللّغة العبريّة، أضف إلى هذا اللّغة المخلوطة عربيّة و عبريّة،

 حتّى إذا تحدّثت بها أمام عربي من قطر شقيق لما فهم شيئا.

بالله عليكم ما الّذل يحدث للغتنا، بل ما الّذي حث لنا؟

لماذا خذلنا العربيّة، إنّني أحذّر وأنبّه و أدقّ ناقوس الخطر أقول والغتاه.