كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


  • هذا الكتاب "من الغلاف إلى الغلاف":

"المشرفيات الحداد في تاريخ بني الحداد"

  • د. منعم حدّاد

علم الأنساب هو "علم يتعرف منه أنساب الناس وقواعده والغرض منه الاحتراز عن الخطأ في نسب شخص ما، والعرب اعتنت في ضبط نسبه إلى أن أكثر أهل الإسلام قد اختلط أنسابهم بالأعاجم فتعذر ضبطه بالآباء فانتسب كل مجهول النسب إلى بلده أو حرفته أو نحو ذلك".

وكثر التأليف في علم الانساب بسبب اهتمام العرب بأنسابهم وبآباءهم وأجدادهم، والذي بلغ حد التقديس والعبادة لدى البعض، وكثيراً ما نرى الشخص يهمل اسمه الأول ويعرف ويشتهر بأنه (إبن فلان)...مثل ابن هشام، وابن النفيس، وابن حزم، وابن زيدون، وابن هشام، وابن بطوطة، وابن رشد، إبن عبد ربه، إبن خلدون، وغيرهم الكثيرون.

واستمر البحث والتأليف في علم الانساب في العصور الحديثة أيضاً، رغم المشقات والمشاكل التي تعترض سبيل الباحث، من ذلك ندرة الوثائق التاريخية، وعجز الذاكرة الشعبية عن العودة إلى الوراء لأكثر من ثلاثة أجيال، فمن يعرف يا ترى أسماء آبائه وأجداده لأكثر من ثلاثة أجيال، أو ربما أربعة أو خمسة، وحتى لو عرف من أسماء الأجداد أسماء الأربعة أو الخمسة فمن المرجح ألا يعرف عنهم سوى الاسم، دونما أية تفاصيل أخرى تذكر.

وكان للعرب – كما تقول المصادر المختلفة - اهتمام بالغ في حفظ الأنساب وتعليمها، وكانوا يقسمون النسب على درجات عرفت بطبقات النسب، إن من يطلع على تاريخ العرب قبل الإسلام يدرك مدى اهتمامهم بحفظ أنسابهم وأعراقهم، وانهم تميزوا بذلك عن غيرهم من الأمم الأخرى، ولا يعزى ذلك كله إلى جاهليتهم، كما لا يعزى عدم اهتمام غيرهم كالفرس والروم إلى تحضرهم، وقد عزى ابن عبد ربه سبب اهتمام العرب بأنسابهم لكونه سبب التعارف، وسلم التواصل، به تتعاطف الأرحام الواشجة. وإذا كانت جاهلية العرب قد أساءت إلى علم النسب أحياناً بسوء استخدامه، فإنها قد اساءت اليه أيضاً من ناحية عدم التدوين الذي تميز به العصر الجاهلي، ولذلك فقد تأخر تدوين الأنساب، ولم يبدأ الا مع بداية العصر الإسلامي. وبسبب غياب التدوين اضطر العرب إلى حفظ انسابهم والعناية بها عن طريق الحفظ والمشافهة، فاشتهر بذلك عدد من أبناء العرب، ينقلون هذا العلم، وينقل عنهم إلى أن جاء عصر التدوين فأخذ عنهم علماء النسب الأوائل.

  • وتتلخص الأساليب أو الطرائق التي ينهجها علم الانساب في ما يلي:
سرد أنساب القبائل العربية في مصنف.كما فعلابن الكلبي، وابن حزم وغيرهما.
سرد أنساب قبيلة معينة في مؤلف مستقل.
الاهتمام بنسب الأمهات. كما فعلابن حبيب في كتابه ((أمهات النبي))، وصاحب ((جمهرة أنساب أمهات النبي))، العلامة مرتضى الزبيدي في رسالته عن العواتك أمهات النبي صلى الله عليه وسلم، ويذكر أن الإمام الشافعي كان مبرزاً في هذا الجانب.

تبيين المؤتلف والمختلف في النسبة، والمتفق والمفترق، وهذه طريقة علماء الحديث، الذين كان لهم منهجهم في التصنيف في الأنساب وضبطها".
  • ومن أسباب الاهتمام بعلم الأنساب في العصر الحديث:
الأسباب الغريزية أي غريزة الإنسان التي تدفعه إلى البحث عن اصوله وجذوره لمعرفتها،وأسباب حضارية أي أنه "كلما زاد تحضر المجتمعات وازدهرت العلوم فيها فإن الاهتمام بعلم الأنساب يزداد، والبحث في هذا الموضوع يزدهر نتيجة للازدهار العلمي الذي تزداد معه الدراسات والأبحاث لكل مجالات الحياة بما فيها دراسة أحوال السكان وتاريخهم، والتعمق في معرفة جذورهم وسلالاتهم وعلاقة الجماعات بما فيها الافراد والاسر والقبائل والطوائف ببعضها... وهذا بخلاف ما يعتقد البعض من أن الحضارة تقضي على موضوع الاهتمام بالأنساب.
* * *
والكتاب الذي نحن بصدده الآن هو كتاب "المشرفيات الحداد في تاريخ بني الحداد" والذي يعتبر أحد اهم كتب الأنساب التي صدرت في السنوات الأخيرة، ومؤلفه هو المرحوم الأستاذ ماجد عيادة الحداد، إبن مدينة إربد الأردنية، وحامل بكالوريوس علوم عسكرية وبكالوريوس علوم سياسية، وماجستير علوم سياسية وماجستير علوم عسكرية، وشغل مناصب رفيعة: ضابط في الجيش السوري حتى العام 1969، قيادي ميداني في فصائل المقاومة الفلسطينية، ضابط في الجيش العراقي، مدرس في كلية القيادة في بغداد، وغير ذلك (كما على الغلاف الأخير للكتاب).

وليس من قبيل الصدف أن يكتب المرحوم ماجد عن تاريخ عشيرته، فهو إبنها البار، وعشيرة الحداد ترفع الرأس وتبعث الفخر والعزة في النفوس والقلوب والأفئدة، ويكفيها فخراً أنها إحدى أكبر عشائر الأردن المسيحية، وأن أحد أجدادها ويدعى الشيخ راشد الحداد وهو من الكرك كان قد قام بتأسيس مدينة رام الله الحديثة، و"جسد تماثيل الأسود الخمسة الواقعة في ساحة المنارة وسط مدينة رام الله تاريخ المدينة، التي تأسست على يد مهاجر من الكرك يدعى راشد الحدادين، حيث أقام هذه الاسود الخمسة رمزا لأبنائه".

ويقع كتاب المشرفيات الحداد في 432 صفحة من القطع الكبير.

ويعتقد البعض أن أصل الاسم جاء من مهنة الحدادة، بينما ربما أنه من الأصح أنه ليس كذلك لأن الحداد كان يسمى في اللغة العربية الفصحى بالقين،( قَانَ الرَّجُلُ: اِحْتَرَفَ الْحِدَادَةَ قَانَ الْحَدِيدَ : صَنَعَهَ، سَوَّاهُ)
  • والحداد هو السجان أو القاضي والذي يقيم العدل...
ومن يدري، فقد يكون أصل التسمية تعديلاً وتحريفاً للاسم هدد / حدد وهو اسم أكثر إله سوري قديم شهرة، خاصة وأن الهاء والعين متشابهتان إلى أبعد الحدود ,ה ח

ويستهل المؤلف كتابه القيم بالإهداء إلى شباب وشابات بني الحداد، ومن الرائع أن يختتم الإهداء ببيت الشعر القائل:
إن الفتى من يقول هأنذا
ليس الفتى من يقول كان أبي!
مشجعاً على العصامية لا على الاتكال على الآباء والاعتماد عليهم!
يلي ذلك "شكر وتقدير للأستاذ سليمان موسى، والأستاذ المتمرس حسين علي محفوظ (بروفيسور اميريتوس)
ولآخرين كثيرين رافقوه بالدعم والدعاء والاستشارة وشحذ الهمم وأولهم زوجته أم معن.

يلي ذلك مدخل يعرض فيه أسلوبه في العمل وفلسفته في البحث والتأليف والهدف من كل ذلك!
وناقش في المدخل كذلك مسألة البحث الأكاديمي النظري، ومسالة فرضية البحث للدراسة المنهجية، وموجودات البحث التي توصل إليها خلال عمله البحثي الرائد!

تلا ذلك تقديم للأستاذ الدكتور محمد عدنان البخيت، ثم الفصل الأول المكرّس لبحث المفاهيم السائدة لمعني النسب والقبيلة والعشيرة ومفرداتها...انتقل بعده للغساسنة ونسبهم وتاريخهم وأبرز شخصياتهم، والعشائر التي ترجع في نسبها إليهم، ومنهم بنو الحدّاد والذين كرّس لهم الفصل الثالث من الكتاب:


 نسبهم، قبيلتهم، وبنو الحداد في الأردن وخصوصية بناء شخصيتهم الاجتماعية، ثم الروابط التي تربطهم بأبناء عمومتهم في بقية بلاد الشام. ويبدو هنا نقص في الاهتمام بهم في فلسطين فيما بعد الحرب العالمية الثانية، ربما لنقص المصادر بل حتى وانعدامهما...

ثم ينهي البحث بدراسة بني الحداد في لبنان وسوريا وفلسطين والمهجر، ونلاحظ هنا توقف البحث عن بني الحداد في فلسطين بعد الحرب العالمية الثانية، ربما لانعدام المصادر والوثائق!

  • ويختم بدراسة طبيعة العلاقات بين بني الحداد في بلاد الشام.

ويتبع كل ذلك خاتمة وملاحق مفصلة تشمل قائمة المصادر التي اعدها المؤلف مشكوراً، وصوراً لملفات جمعيات وجامعات آل حداد التي توفرت لديه، وقائمة بإصلاح بعض الأخطاء المطبعية.

ولا بد هنا من الثناء على المؤلف والإشادة بجهده الجبار، وإزجاء الشكر له على المجهود الجبار الذي قام به، وللذين رافقوا الكتاب حتى صدوره بشكله الأنيق، بذلك، خاصة في ظل انعدام الوثائق التاريخية الكافية للقيام بمثل هذه الدراسة.

وليت الآخرين يحذون حذوه ويقومون بدراسات مشابهة ومماثلة، مع التشديد على المشترك بين كل هذه القبائل والعائلات خاصة في زماننا هذا، زمن التشرذم والانقسام والنزعة الفردية...