كنوز نت - بقلم : د.منعم حدّاد


تحمّم أم استحمّ؟

  • د.منعم حدّاد
لا لسنا من الذين يدعون أنهم أبلغ شعراً من امريء القيس والمتنبي معاً، أو أنهم لغويون أكثر من سيبويه والأصمعي وسواهما، لكننا نحاول طاقتنا الكتابة بلغة عربية فصيحة قدر الإمكان ومفهومة للمثقفين البلغاء واللغويين النبهاء والنجباء!

ونقول ذلك لأننا كثيراً ما نجد من "يتفصحن" ويحسب نفسه أهم من كل لغويي العرب والعجم(!) وينتقد هذا وذاك، رغم أنه لم يكتب في زمانه كله سطراً واحداً ولا دبّج موضوعاً موجزاً ولا أنشأ جملة فصيحة واحدة.، ورغم ذلك يتيه خيلاء وكأنه سيبويه والأصمعي والزمخشري معاً،
والخلافات والاختلافات – بل الفروق - رافقت اللغة العربية منذ نشأتها كما يبدو ورافقتها ولازمتها على مدى الأزمان، وليس أدقّ من شاهد على ذلك من اختلاف – وتعدّد – المدارس النحوية والتي يبلغ عددها أكثر من عدد أصابع اليد الواحدة.

ويكفي أن نشير إلى المدراس النحوية البصرية والكوفية والبغدادية والمصرية والأندلسية وإلى عشرات أساطينها وعمالقتها.

ويقول الأستاذ الدكتور عبدالله الدايل "كثيراً ما نسمعهم يقولون: تَحَمَّمَ واسْتَحَمَّ ومضارعهما وأمرهما وبعض اشتقاقاتهما ومعناها: الاغتسال والاستحمام، وهذه الكلمات عربية صحيحة: الجذر وما اُشْتُق منه، وبعضهم يرفض: تَحَمَّمَ ويتحَمَّم والحقيقة أنَّه اشتقاق صحيح قياسيّ، وقد ذكرته بعض المعاجم اللغويَّة ولعلَّه استعمال حديث، وقد ورد في شعر المُحدثين قال: جبران خليل جبران: هل تَحَمَّمْتَ بِعِطْر، فَتَحَمَّم مطاوع للفعل: حَمَّمَ بمعنى: غَسَلَ المأخوذ من لفظ «الحَمَّام» واستعمال: «تَفَعَّلَ» بمعنى «اسْتَفْعَلَ» كثير في لغة العرب؛ إذ يقال: تَحَمَّمَ فلان واسْتَحَمَّ بمعنى واحد."

ويحكى أن البعض انتقد استعمال جبران ل"تحمم" في رائعته الخالدة "أعطني الناي" والتي يقول فيها "تحممت بنور..." فردّ عليه من ردّ ما معناه: هل يحقّ لبدوي عاش قبل ألف عام وأكثر أن يقول استمح ولا يحقّ لجبران وهو من هو أن يقول تحمّم؟؟؟
ولن نجد فرقاً كبيراً بين اللفظين في المعاجم المختلفة، وهذا بعض ما تورده:
"وقد نجد المعاجم المختلفة تقول استحمّ الشّخص:
اغتَسَل بالماء أو دخل الحمّام ''استحمّ في البحر''.
  • أتحمَّم الشَّخصُ مُطاوع حمَّمَ:
أما استحمّ؛ فتعني: اغتسَلَ بالماء أو دخل الحمَّام" وليتفضل أولئك العبارقة ويناشون الفرق بين المعنيين!
ثم ألم تتعرض اللغة العربية على مر العصور إلى المزيد من التأثر باللغات الأخرى؟ ألم يدخها الكثير من غريب الكلام من اللغات "الأجنبية" كالفارسية (أستاذ، ديوان) واليونانية (قسطاس، قانون) ومن الآرامية والسريانية والكنعانية والعبرانية وسواها؟


ثم ألم تمتزج العربية بلغات البلاد التي فتحها العرب المسلمون خلال العصور وتستقبل الكثير من لغاتهم في جوفها، تماماً كما استقبل العرب الفاتحون الكثير من عادات وتقاليد وممارسات ومعتقدات البلاد المفتوحة والتي أثّروا فيه بنفس المقدار وربما أكثر؟
ولو اجتمع في أيامنا مغربي وتونسي ويماني وعراقي فهل يفهم أحدهم لهجة الآخر ويفلح في التفاهم معه بغير اللغة العربية الفصحى، لأن اللهجات المحلية السابقة للفتح الإسلامي والتي ظلت سائدة ومسيطرة بعده تكاد تختلف كلياَ عن العربية الفصحى!

وها نحن نشاهد في ايامنا هذه أن العربية تأثرت إلى حدّ ما باللغة العبرية في بعض مبانيها اللغوية والنحوية، واستوعبت العامية منها الكثير الكثير من الكلمات والتعابير العبرية التي تأقلمت وعربت، كما دخلت كلمات عربية كثيرة في اللغة العبرية واستقرت فهيا وأصبحت تعتبر وكأنها عبرية خالصة، ابتداء من أهلاً وانتهاء بصلحة وسواهما.