كنوز نت - القدس دوتكوم

الأسير ماهر يونس.. 38 رمضاناً خلف ستائر العتمة ووالدته تشتاق الإفطار معه



كنوز نت  "القدس" دوت كوم- علي سمودي–  عارة - "ماهر فنان ومتميز في تصنيع الطعام والحلويات الخاصة برمضان.. دوماً كان يلازمني ويساعدني في المطبخ وتحضير مائدة الإفطار. وما زلت أنتظره بأمل كبير رغم مرور 38 رمضاناً وهو بعيد عنا"، قالت المناضلة الصابرة الثمانينية وداد سليمان سعيد يونس، في مستهل حديثها لـ"القدس"، عن حياتها وأوضاعها وهي تستقبل رمضاناً جديداً محرومة من فلذة كبدها وبكرها ثاني أقدم أسير في العالم، ماهر عبد اللطيف يونس (58 عاماً)، الذي قضى زهرة شبابه في السجون الاسرائيلية.

وأضافت: "كلما سمعت صوت الأذان في رمضان، أشعر بمرارة ولوعة على فراق حبيب قلبي الذي طال، فأصعب اللحظات بحياتي فترة رمضان الذي يجتمع فيه شمل الأحبة، لكن كل عام يبقى مكانه فارغاً، لكني متوكلة على رب العالمين ولن أفقد الأمل".

ذكريات وصور..

لشهر رمضان المبارك، صور ومعانٍ وذكريات كثيرة ومختلفة في حياة الوالدة وداد، تمتزج فيها كل المشاعر، خاصة عندما تبدأ بالتحضير لمائدة الإفطار وسط صور وهدايا ماهر التي تناجيها وتتحدث إليها دوماً، ورغم صبرها وعزيمتها ومعنوياتها العالية، تقول: "كل المناسبات الجميلة سرقها الاحتلال من حياتي، خاصة في هذه الأيام .. ولم يبقَ لنا من طقوس رمضان سوى الوجع والألم والدموع التي تنهمر على كل مائدة إفطار وسحور. صبرت وصبرت، لكن أي أم في العالم تحتمل كل هذا العذاب والغياب والظلم الذي شطب اسم ماهر من كل الصفقات والافراجات.. كعقاب لدوره الوطني وحبه لأرضه وشعبه؟ قلبي دوماً حزين لشوقي الكبير لحضور ماهر معي كباقي الأمهات على مائدة الإفطار التي كنا نجهزها سوياً قبل اعتقاله، في كل يوم يسبقني للمطبخ ويساعدني ويطهو الطعام بيديه، وأجمل حلويات تناولتها طوال عمري كانت من صناعه يده. دوماً حرص على جمع شمل العائلة والاقارب والاصدقاء واقامة العزائم والموائد بروحه الطيبة وفكاهته الجميلة والمحببة للجميع. لكن أين ماهر اليوم؟ اختفت كل المظاهر من حياتنا، ونصلي لتتحطم القيود البغيضة ويعود لحضن والدته التي تعيش على أمل واحد، رؤيته حراً وعريساً".

المسحراتي ماهر..

تقاوم الوالدة أم ماهر الدموع بابتسامة ترتسم على محياها وهي تستعيد شريط ذكريات شهر رمضان المبارك في حياتها وبلدتها عرعرة في الداخل الفلسطيني، ومن أجمل الصور التي لا تفارق مخيلتها، كما تروي، حضور ماهر في الشهر الفضيل.. ليس على مائدة رمضان وانما بالتطوع للسحور.
وتقول: "الله يرضى عليه .. بعد صلاة التراويح، يستمر بالسهر حتى الفجر وموعد السحور، كان ينضم لمسحراتي القرية، ويحمل معه الطبول ويجوب الشوارع لإيقاظ الناس. تمتع بصوت شجي لن ننساه يوماً، ورغم مرور السنوات، ما زلنا نتذكر تلك اللحظات التي تعبر عن حب ابني لناسه وأهله الذين يفتقدونه دوماً. كلما سمعت صوت المسحراتي يزداد حزني .. فكيف لقلبي أن يفرح، وماهر مقيد ومحاصر وأسير ومحروم من كل شيء؟".

محطات من حياتها..

رغم مرور السنوات وتقدمها في السن ومعاناتها من عدة أمراض، ما زالت الحاجة أم ماهر تتذكر طقوس رمضان في قريتها "عارة" التي ولدت ونشأت فيها عام 1935، لأسرة مناضلة ومرتبطة بالأرض، مكونة من 8 أنفار بينهم 3 شقيقات.

وتقول: "في قريتنا.. عشنا حياة سعيدة وجميلة من خيرات بلادنا وأرضنا كون والدي مزارعاً، تفانى في تربيتنا ورعايتنا وعمل جنباً إلى جنب مع والدتنا التي كانت ربة منزل ومكافحة ومناضلة. بعد رحلة كفاح طويلة توفي والدي بسبب المرض قبل 15 عاماً، فيما لا تزال والدتي أم بديع على قيد الحياة، أكملت سن 115 عاماً، ولا تزال تتمتع بكامل قواها العقلية، ومثلنا تتمنى رؤية حفيدها ماهر بين أحضانها".

طقوس رمضان..

في حديثها عن طقوس رمضان، تقول الحاجة أم ماهر "في الزمن الماضي، وعندما كنت في سن 15 عاماً، أتذكر الفرحة الكبيرة التي كانت تعم الناس مع حلول شهر رمضان وسط الأمان والسعادة وهداة البال، نستقبله بطقوسه الدينية والعبادات وتجهيز لوازمه التي كانت والدتي تتفنن في طبخها، ورغم الظروف الصعبة.. كل شيء متوفر من خيرات الأرض. والدي رحمه الله.. كان يهتم كثيراً برمضان، فيحضر التمور والحلويات من الشام وعمان، نعيش جميع أيامه ولحظاته بفرحة العبادات والصلاة والزكاة والسهرات الرمضانية التي لم أنساها طوال حياتي. والدتي كانت تجهز الفطور من الأكلات الشعبية المشهورة.. المقلوبة والمنسف والمحمر والمجدرة، وتقدم لنا المشروبات التي تحضرها كالتمر هندي والليمون والبرتقال وقمر الدين الذي يحضره والدي خصيصاً من الشام. بعد الافطار، تبدأ السهرات الرمضانية فوق أسطح المنازل".

تغير الأحوال ..

تتحسر الحاجة أم ماهر عن ظروف وواقع الحياة قبل عدة عقود، وتقول: "في تلك السنوات الجميلة كانت قلوب الناس على بعض، العلاقات وطيدة وفيها التآلف والمحبة والتكافل والتراحم. تقام العزائم والموائد التي تجمع الجيران والاقارب ولا يحلو لنا طعام قبل توزيع أطباق منه على الفقراء والأهل والجيران، وقد توارثنا هذه القيم التي تعبر عن النسيج الحقيقي لمجتمعنا الفلسطيني. غالبية هذه الطقوس أصبحت ذكريات، الحداثة والتكنولوجيا وحياة الناس تغيرت، ما أدى للتباعد وغياب الكثير من العادات التي نتحسر عليها سواء في الطعام والشراب والعلاقات التي تأثرت أكثر في ظل كورونا.. ونسأل الله أن يغير الحال للافضل .. ويعود الجميع لما يرضي رب العالمين أولاً وأخيراً".

بين جدران منزلها، لا تزال أم ماهر تقاوم الامراض وتعيش حياة الصبر والأمل بعدما بدد الاحتلال فرحتها بشطب اسم ماهر من كل الصفقات وعمليات التبادل والإفراجات، خاصة الأخيرة التي أبرمت بين الرئيس محمود عباس والحكومة الاسرائيلية لإطلاق سراح القدامى، وعندما اصبحت حرية ماهر وشيكة تنصل الاحتلال وأوقف تنفيذ المرحلة الأخيرة.

وتقول: "كل حياتي لم يبقى فيها فرح أو طعم لحياة منذ اعتقال ابني في 18-1-1983، وتفاقمت معاناتي بعد حكمه بالسجن المؤبد ورفض الاحتلال الافراج عنه، ما زال خلف القضبان التي حرمته أعز الاهل والناس، فقد رحل والده وهو يردد اسمه ويتمنى عناقه. حتى مناسبات الفرح سرقها الاحتلال بزواج الأبناء والبنات الذين أنجبوا الأحفاد، وما زالت فرحتي مؤجلة، فأي مشهد أصعب.. عندما أرى حفيدي ابن شقيقه عبد الذي تركه بسن عام ونصف عند اعتقاله، كبر وتزوج ولديه أولاد.. وما زال عمه في السجن.

في سجن "النقب لصحراوي"، يستقبل الأسير ماهر يونس، رمضان الجديد. ومنذ انتشار فيروس "كورونا" لم تتمكن والدته من زيارته، لكن سلاحها الوحيد الصلاة والدعاء لرب العالمين ليكرمها بعناق ماهر في العيد المقبل. فبعده عني حرمني نكهة رمضان والعيد، لا توجد لحظة تمر دون التفكير بماهر وحياته خلف القضبان.. أتساءل عن طعامه وإفطاره وسحوره في رمضان. لا تزال أحصي الدقائق والساعات، فإلى متى سأبقى أنتظر حتى أجلس مع ابني حتى ولو لمرة واحدة على مائدة رمضان؟".