كنوز نت - بقلم : جميلة شحادة


هنيئا لصفورية بابنها الأمين، أبو عرب




لم أُخلِف يوما وعدا وعدت به نفسي أو وعدت الآخرين به، لكن عندما يحاصرك عدو غير مرئي، حتما تختّل كل الموازين. نحن اليوم في زمنٍ أطلقنا عليه " زمن الكورونا" بعد ان انتشر فيروس كورونا (كوفيد 19) في سائر بلدان المعمورة فأغلقنا أبواب بيوتنا علينا، وسجنا أنفسنا داخلها إما طوعا لنحمي أنفسنا بعد أن تملَّكنا الخوف من الإصابة بهذا الفيروس، وإما مُكرهين على تنفيذ تعليمات السلطات المسؤولة والتزاما بالتقييدات التي تفرضها. كنت في أواخر سنة 2019 قد وعدت البروفيسور فاروق مواسي، رحمه الله، بأن أزوره في بيته بعد أن أرسل لي إصداره الأخير ووجّه لي دعوة لزيارته، ووعدت الشاعر سعود الأسدي، أطال الله بعمره، أن أزوره بعد أن وجّه لي الدعوة هو أيضا لأزوره وأحصل على عدد من إصداراته، وكنت قد وعدت نفسي أن أزور أبا عرب، أمين محمد علي، لإجراء مقابلة معه والحصول على معلومات تخدمني في كتابتي دراسةً عن صفورية. لكني أخلفت وعدي للبروفيسور فاروق مواسي، وأجّلت إيفائي بالوعديْن الآخريْن الى حين خروجنا من عهد الكورونا. غير أن (أبو) عرب سبّاق لفعل الخير كعادته، حيث فاجأني يوم الثلاثاء الماضي الموافق الثاني عشر لكانون الثاني من سنة 2021 بزيارته لي في بيتي حاملا لي أغلى الهدايا. كانت زيارته قصيرة، لكنها مؤثرة؛ أما الهدف منها فهو توصيل رسالة.


- هذا كتاب الأعمال الكاملة للشاعر طه محمد علي. قال لي وهو يقدمه لي. فأخبرته، وأنا أشعر بسعادة كبيرة تغمرني، أنني قرأت الكثير من قصائد الشاعر طه محمد علي، رحمه الله. فناولني نشرة بعنوان "صفورية حقوق ومظالم" التي هي نشرة لمرة واحدة، من إصدار "جمعية تراث صفورية". ثم؛ تبِعها بكيس قماش صغير، مستطيل الشكل، ورديّ اللون، رُسم على جهته الأولى قلعة صفورية، وجهته الثانية قسطل صفورية. ناولني إياه وهو يقول:

- في الكيس حفنة من تراب صفورية.


تأثرتُ كثيرا، وتأثّر الحاضرون. شكرته على الهدية التي لا تُقدّر بثمن عندي، وعند كل صفوري/ة حر /ة. وتابع يقول:


- أبحث في جريدة الاتحاد كل أسبوع عن شيء تكتبينه، اليوم قرأت لكِ في الاتحاد... ولم يكمل جملته بعد أن تدخل أخي مشاركا بالحديث.


إذن، ربما هذا ما دفع أبو عرب لزيارتي العاجلة والمفاجئة، قراءته لما كتبته في جريدة الاتحاد والتي تصدر في نسختها الورقية يوم الثلاثاء من كل أسبوع. وأنا اعرف أن (أبو) عرب قارئ نهم للجريدة منذ عقود.

- سعيد انا بما تكتبينه، لكن لي عتب عليكِ. قال.

ابتسمتُ، وقد حسبتُ أن عتبه يتعلق بمضمون أو أسلوب ما كتبته أو أكتبه، لكنه استطرد قائلا:

- أنتِ توقعين كتاباتكِ بجميلة شحادة، الناصرة؛ وأنا بدّي تكتبي: جميلة شحادة، صفورية.
- لكني لم أولد في صفورية. قلتُ له، وهدفت بقولي هذا، استفزازه لتوسيع دائرة الحوار.

صحيح أن والدي، علي محمد عبد القادر شحادة، وُلد في بلدة صفورية وهُجر منها فتى في سنة ال 48، لكن جدّي لأبي ولد في طيرة حيفا ثم انتقل الى صفورية وعاش فيها. وجدير بالذكر، أن حمولة حسن وهي من طيرة حيفا وتسكن اليوم مدينة الناصرة وقرية المشهد، هي بالأصل من حمولة شحادة، لكن بعد أن اختار بعض الأفراد من حمولة شحادة اسم جدهم "حسن" ليكون كنيتهم، نتج عن ذلك حمولة حسن فيما بعد. أما أصل حمولة شحادة، حمولتي، (وأحدد ذلك لأن هناك أكثر من عائلة في فلسطين وبالذات في الداخل الفلسطيني تحمل ذات الاسم، شحادة) فهي أصلا من بلدة دورا الخليل وهي من عائلات السادة الأشراف (د. كمال الحوت، 2003). على أي حال ليس هذا ما يهمني أو يشغلني الآن؛ وإنما يشغلني السؤال: هل تذييلي للمادة التي أكتبها باسم بلدي، أو أي يلد كان، يضيف لإنسانيتي؟ هل أفهم من طلب (أبو) عرب لي بأن أرفق لاسمي، صفورية، أمر يدل على عنصرية؟ أم على الانتماء؟ أم الاعتزاز؟ أم هو الأمل والتمسك به؟


لم أناقش (أبو عرب) بالأسئلة التي شغلتني؛ فقد أسرع ليقول لي:

- اقرأي قصيدة "حريق في مقبرة الدير". قال ذلك وأخذ يقص متى قرأ الشاعر طه محمد علي قصيدته هذه، وأمام مَن و... وبينما كان يحكي عن ذلك بتأثر بالغ، لاحظت لؤلؤة قد لمعت في كل عين من عينيه الخضراوين، وقاومها لئلا تسقط على خده. هل كان أبو عرب يبكي اخاه الراحل الشاعر طه محمد علي؟ أم كان يبكي بلده صفورية؟ أم كلاهما معا؟

- سأفعل، وسأكتب أيضا. قلت له بتأثر.

لكن ما أن انتهت الزيارة، حتى قررتُ أن أكتب عن أبو عرب نفسه، لا عن أخيه الشاعر طه محمد علي. فالشاعر طه محمد علي قد كَتب عنه وعن أشعاره غيري، وربما أكتب عنه مستقبلا انا أيضا، أما اليوم فسأكتب عن أبو عرب، فهو أيضا جدير بأن يكتب عنه.

أبو عرب، امين محمد علي، المولود في بلدة صفورية سنة 1935 ميلادية، يقيم في حي الصفافرة في الناصرة، بعد أن هُجِّر من بلده صفورية سنة ال 48. أبو عرب يقيم كما الكثيرين من الصفوريين، في حي يشرف على قلعة صفورية وقسطلها وبساتينها، ويبعد عنها مسافة تقل عن ال 3 كيلومترات، ولكم أن تتخيلوا معاناته ومعاناة سكان الحي الصفوريين، وهم ينظرون الى بلدهم، صفورية، صباح مساء، ولا يستطيعون العودة اليها ولا الى أراضيهم وبيوتهم. فهل هناك معاناة تعادل هذه المعاناة؟!

لأبو عرب ستة من الأبناء، 4 بنات وولدان اثنان، وكنيته أبو عرب نسبة لاسم ابنه عرب. في أوائل الثمانينات قامت بلدية الناصرة، آنذاك، ببناء مبنى مكونًا من ستة طوابق على أرض تعود ملكيتها لأبو عرب. سكن أبو عرب وأسرته في الطابق الأول والواقع تماما على الشارع الرئيسي المؤدي الى شفا عمرو، وكانت أيضا دكانه في نفس الطابق أو للدقة، دكان ابنه عرب. كان أبو عرب يتواجد في الدكان حتى التاسعة أو العاشرة صباحا، لينطلق بعدها الى دكانه الآخر في سوق الناصرة. أما الخمسة طوابق المتبقين من المبنى فقد استخدمت كمدرسة حتى سنة 2000ميلادية. كان اسم المدرسة "القشلة أ*، ثم تغيّر هذا الاسم في سنة 1996 ليصبح "القسطل* (عن تفاصيل تغيير اسم المدرسة سأخصص مقالا آخر).

وتشاء الأقدار أن أُرسَل، وأنا في سن التاسعة عشرة، الى مدرسة القشلة أ كمركزة لمشروع "بيرح" الجامعي، لأجد نفسي فيما بعد، معلمة في المدرسة ذاتها. وهكذا كنت كل يوم ولمدة عشر سنوات متتالية أرى أبو عرب في الصباح باشًا بوجه الجميع وبنشاط مميز. لقد ذكرت ان اسم المدرسة كان رسميا القشلة (أ) قبل أن يتغيّر الى القسطل، لكنه في الواقع، كان الجميع يعرفها بمدرسة أبو عرب، فكان من عادة سكان الناصرة في التسعينات إطلاق أسم مدير المدرسة على المدرسة متجاهلين اسمها الرسمي. وهنا؛ أتذكر يوم دخل الأستاذ خليل عليمي، مدير المدرسة آنذاك، الى غرفة المعلمين وقال: كل سكان الناصرة تطلق أسماء مديري المدارس على المدارس فيقولون: مدرسة الزيبق، مدرسة سليم التوفيق، مدرسة أولغا، مدرسة وديعة، مدرسة العمري، مدرسة ريما، مدرسة الجدي مدرسة نمر الخطيب... الا مدرستي، يطلقون عليها: مدرسة أبو عرب. فضحكنا، لكنها كانت الحقيقة.

أبو عرب أمين بكل معنى الكلمة، فهو أمين على بيته وأسرته حيث أنشأ أسرة صالحة، وهو أمين للناصرة حيث احترم وأخلص لها ولناسها وبنى علاقات طيبة مع الجميع، وهو أمين لأصله الصفوري، ويُظهر الولاء لمسقط رأسه، صفورية، والتمسك به كل يوم. وهو من مؤسسي جمعية "المهجرين" ومن مؤسسي جمعية "تراث صفورية". أبو عرب عندما لاحظ أن مهجري صفورية في الناصرة لم يعودوا يهتمون بالحفاظ على القطع الأثرية والأواني والأدوات المنزلية القليلة التي خرجوا بها من صفورية حيث كانوا يبيعونها أو يتخلصون منها برميها الى سلة المهملات، عزّ عليه ذلك. وقد صرّح في إحدى المقابلات معه: "إن وراء كل قطعة من هذه القطع حكاية تستحق أن تروى، لتكون بمثابة الحافز على التمسك بكل ما يجمعنا بأرضنا، ويذكرنا بمحطات من طفولتنا ومراحل عمرنا". ومن هنا جاءت فكرة أبو عرب بإقامة معرضٍ ليحفظ هذه القطع. لقد جعل أبو عرب الدخول الى المعرض (الذي فيما بعد أسماه القسطل) مجانيا للجميع، لطلاب المدارس، للمجموعات السياحية ولكل من يرغب بزيارة المعرض. فهدف أبو عرب لم يكن ربحي (مع أن مثل هذا المشروع يحتاج الى الدعم المادي كما المعنوي)، وإنما لحفظ تراث بلده وحفظ الذاكرة، فزائر المعرض لا يشاهد محتويات المعرض ويلتقط الصور التذكارية وحسب، وإنما يستمع أيضا لشاهد حي يحكي تهجير سكان صفورية في ال 48، والحياة فيها قبل التهجير، ثرواتها، معالمها...


أبو عرب لم يفرض احترامه على الآخرين من باب المظهر والتفاخر، حيث لم يسعَ مثلا للتفاخر بسيارة موديل سنتها، فسيارته ما زالت ذاتها منذ أن رأيتها معه أول مرة قبل عشرات السنين، ولربما هو أيضا أمين ومخلص لسيارته. أبو عرب فرض نفسه على الآخرين باحترامه لذاته وللآخرين، وبتمسكه بأرضه وأرض أجداده. أبو عرب الذي تخطى سنوات الثمانين ما زال أمينا ومحافظا على صحته ونشاطه، ومنتظرا عودته الى صفورية.
عذرا أبو عرب لم أوفيك حقك بالقليل الذي كتبته، ولكن اعلم أنك ستكون إحدى شخصيات روايتي القادمة. دمت بخير وصحة وعافية، وهنيئا لنا ولصفورية بابنها الأمين، أمين محمد علي، أبو عرب.


جميلة شحادة
14.1.2021
* أجزتُ كتابة (أبو) بالواو في حالة نصبها وجرّها أيضا، وهذا في الكنية جائز في اللغة.
** القشلة؛ هي كلمة تركية تعني الحرش.
*** القسطل؛ هو أشهر ينابيع بلدة صفورية.