كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


البقيعة وتزوير التاريخ!


يبدو أن مزوّي – عفواً محاولي تزوير - تاريخ البقيعة لم يكنوا ولم يستكنوا ولن يفعلوا ذلك ولن يرتدعوا ولن يرعووا...وعلى العكس يخيل للمرء أحياناً أن تزوير تاريخ البقيعة أصبح سلعة رائجة ومربحة! 


فعلى لوحة إرشادية نصبت في حينه في أحد مداخل البقيعة كتبوا أن نسبة إحدى الطوائف الأربع التي تسكن في البقيعة هي 28% في إحدى اللغات الثلاث التي تحملها اللوحة تلك، أما ما كتب باللغة الثانية فقد بلغت نسبة هذه الطائفة 30%، أي أنه خلال كتابة اللوحة نفسها تغيرت النسبة باثنين بالمئة!

وعلى الشارع الرئيسي نصبت ذات يوم لوحة تقول إن شجرات الخروب تحمل اسم الراب شمعون بار يوحاي، وبلغة أخرى كتب أنها تحمل اسم أولاد يعقوب، فأيهما أصدق؟

وليس هذه فقط، فهناك روايتان مضللتان – إن لم نقل كاذبتان - أخريان هما سكن المسيجيين في البقيعة و"يهدوية البقيعة".

فبعض "عباقرة الباحثين" لا يحلو لهم إلا وصم المسيحيين بأنه أحفاد الصليبيين ويجهدون انفسهم في ذلك دون أن يقدموا الأدلة الثابتة والبراهين الأكيدة التي تثبت هذا الزعم الخاطيء، متجاهلين أن هذه الجليل كان يسمى جليل الأمم، وقد سكنته أقوام وشعوب كثيرة على مر العصور، وأن قدماء المسيحيين كانوا متأكدين – كما قالوا لأكثر من رحالة – إن أجدادهم سمعوا بآذانهم تعاليم السيد المسيح على هذه الأرض بالذات!

وينسى أو يتناسى هؤلاء أن السيد المسيح عليه السلام عاش في هذه المنطقة ومرّ بها أكثر من مرة في طريقه إلى لبنان ومنها، وأن هذه المنطقة شكلت جزءاً من مملكة الغساسنة المسيحية التي ازدهرت في جنوب غرب سوريا وشمال شرق فلسطين.

أما عن الزعم أن البقعية يهودية منذ أقدم العصور فأين هذا من الحقيقة التي اكتشفها الباحثون في موجودات المغارة التي اكتشفت في تسعينيات القرن الماضي، والتي يعود تاريخها إلى ما قبل سبعة آلاف وخمس مائة عام؟



فأين ذهب أحفاد أولئك السكان؟ ومن هم؟


أما عن يهودية البقيعة من أيام الهيكل الثاني وربما قبله فحدث ولا حرج، لأن لكثرة ما رددوا هذا الزعم الباطل أصبح يبدو وكأنه حقيقة ناصعة!


فالأكثرية الساحقة من الباحثين اليهود الجادين ينكرون هذا الزعم وينفونه ويؤكدون أن سفر الزوهر ألفه شخص يدعى موشيه دي ليوؤن في إسبانيا... وليس شمعون بار يوحاي...


كما يؤكد هؤلاء أن الحاخام شمعون بار يوحاي عاش في جنوب البلاد بين يبنه واللد ولم تطأ قدماه هذه البقعة قطّ!


وكما يؤكد هؤلاء أن الاستيطان اليهودي في هذه المنطقة من البلاد لم يبدأ إلا بعد طرد اليهود من إسبانيا في العام 1492 وهجرة أثرياء منهم إلى الإمبراطورية العثمانية والتي احتلت فلسطين في العام 1517، وبعد ذلك بسنوات قليلة حصلوا على فرمانات لإقامة "أوتونوميات" يهودية في منطقتي طبريا وصفد...


لكن ما لهؤلاء وللحقائق التاريخية؟ فنهجهم "أبحاثهم" هو "عنزة ولو طارت"...فكما الادعاء أن فلسطين أرض بلا شعب وأعطيت لشعب بلا أرض فكذلك الادعاء بأن البقيعة يهودية منذ أيام الهيكل الثاني!