كنوز نت - د. منعم حدّاد


  • مستقبل الثقافة العربية الفلسطينية (4/2) دوائر انتمائنا 


ونحن الفلسطينيين مثلنا مثل غيرنا من شعوب الأرض، ندور في فلك عدة دوائر انتماء مختلفة، لكلّ منها مميزاتها وخصائصها، وتداخلاتها وأحياناً تناقضاتها، وكل هذه تنعكس على تصوّرنا لمستقبلنا الثقافي، وتؤثر فيه قليلاً أو كثيراً.

فنحن جزء من هذا العالم الكبير الذي نعيش فيه، ونتأثر بما يتأثر به من أخطار وتغييرات بيئية وطبيعية ومناخية وإقليمية، ونحن ننتمي إلى الإنسانية بمشاكلها المعقّدة وخلافاتها والسعي الحثيث لأجزاء منها للسيطرة على أجزاء أخرى، ونحن ننتمي للشرق الأوسط بما فيه من مشاكل وتعقيدات، ومن تدخّلات أجنبية لا تعود على الأكثرية بالخير، ونحن جزء من العالم العربي، وجزء من العالم الإسلامي، ونحن مسيحيون من طوائف مختلفة، من عرب أرثوذوكس يرزحون تحت نير الإستعمار البطريركي اليوناني، الذي ينكر عليهم جُلّ حقوقهم، أو كرسي البابوية الغربية في روما...إلى انتماءات جغرافية وإقليمية واجتماعية وعشائرية وحمائلية مختلفة كثيرة، وكل انتماء من هذه الإنتماءات ليؤثرن على مستقبلنا الثقافي، وعلى تصورنا إياه، وعلى سعينا لبنائه واستشرافه.


ومن المشاكل العامة التي تؤثر في مستقبلنا ثقافياً، كجزء من هذا العالم الذي نعيش فيه:

الانقسامات الإنسانية:


فالعالم يتكون من عالم أول وعالم ثانٍ وعالم ثالث...، ومن دول غنية ودول صناعية ودول متطورة وأخرى نامية وأخرى فقيرة، ومن دول غربية وأخرى شرقية، ودول إسلامية ودول مسيحية، ودول أوروبية وأخرى أسيوية وأخرى أفريقية وأخرى أمريكية...

وفي كل مجتمع من مجتمعات هذه العوالم الاستقطاب والانقسام العامودي، بين متدينين وعلمانيين، وبين طبقات غنية ثرية متخمة وبين طبقات فقيرة معدمة، وبين أرباب صناعة وأرباب مال يريدون استغلال الآخرين وزيادة ثرواتهم على حسابهم، وبين عمال كادحين مناضلين يريدون مشاركة الأوائل في ثرواتهم، لأنهم يدّعون حقّاً فيها، وبين مستهلكين يرون أن الجميع يحاولون استغلالهم.

ومن مشكلات التقدّم: ألتفجر السكاني الذي ينذر بكارثة، وتناقص الموارد الطبيعية، وتلويث البيئة، وتضاؤل الريف وتضخم المدن، وتزايد الانحراف والعنف والإجرام، وهناك مشكلات التخلّف، والحرية والمسؤولية، وغيرها من الأمور التي تقلق بال الباحثين[1].

وتواجهنا، كجزء من هذا العالم الذي نعيش فيه، تحدّيات المستقبل كالبقاء او الاندثار، إزاء الترسانة الضخمة من الأسلحة المدمرة التي يختزنها العالم، واختلال التوازن الدولي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي السابق، ومنها: الحروب الموضعية، والمنازعات والمنافسات بين الدول، والموارد الهائلة التي تغدق على التسلح، وأثر تضخم الأجهزة العسكرية في حكم الشعوب، وخلل النظام السياسي العالمي، وخلل النظام الاقتصادي العالمي، وسيطرة الطبقات والفئات المستغلة أو المتحكّمة في داخل المجتمعات، وأمراض التقدم وأمراض التخلف الأخرى[2].

وكل ما سبق يؤثر على مستقبلنا الثقافي، فكيف سنفلح إذن في تصوره؟

ماذا نريد؟

أجل، هذه هي الوسائل التي يتبعها "علم الريادة" أو "علم المستقبل" التحسبيّ، وهذه هي الثقافة كما يعرفها العارفون، وها هي المشاكل والتحديات والمعوقات التي تعترض السبيل وتثبط الهمم، وها هو المستقبل يقرع أبوابنا، دون أن ينتظرنا، فإن لم نسرع للتهيّؤ له فقطعاً لن ينتظرنا...لذا، كيف نجمع بين كل هذه الأمور؟ وكيف نزاوج بينها لتوصلنا إلى ما ننشده وما نصبو إليه؟

هل نجلس ننتظر الوحي في زمن انقطع فيه الوحي، معللين النفس بالأمثال التي تقول "إجري جري الوحوش غير رزقك ما بتحوش"؟ و"كل شيء قسمة ونصيب"، ونؤمن أن قسمتنا ونصيبنا في الفوضى والتخلف؟ أم نعتمد مبدأ "اعقلها وتوكّل"، ولا يصلح الله ما في قوم حتى يصلحوا ما في نفوسهم"؟ و"قوم يا عبدي تَ اقوم معاك"؟


أرى أن "نعقل ونتوكّل"، وأن نسعى إلى ما قسم الله سبحانه وتعالى لنا، إيماناً أنه لن يقسم لنا إلا ما فيه خيرنا وصلاح حالنا واستقامة أمورنا!

وأول ما علينا أن نفعله هو أن نحاول استشراف الشخصية أو الصورة التي نريدها للعربي الفلسطيني العادي المتوسط في المستقبل الذي نتحدث عنه، وأن نقوم بمحاولة تحديد ملامحه بشكل عام، وملامحه الثقافية بشكل خاص!

فأي مثقف نحن نريد؟ وما هي الشحنة الثقافية التي سيحملها هذا المثقف؟ ومن يقرر ذلك؟ وكيف؟ والمثقف جزء من مجتمعه، ووجه من وجوهه، لذا فالسؤال الأهم هو: ماذا سيكون وجه المجتمع الذي نريد؟

إذن لا بدّ من محاولة رسم معالم شخصية المثقف المستقبلي ورسم خطوطها الرئيسية وتعيين سماتها الأساسية التي نريد أن تتوفر في هذا المثقف، أولاً وقبل كل شيء

وبعد ذلك نقوم بتحديد "الشحنة" الثقافية التي نريد أن "نشحن" هذه الشخصية بها على امتداد فترة زمنية محددة قادمة.

ثم نسعى بعد ذلك للبحث عن السبل والأساليب العلمية المختلفة الكفيلة بإيصالنا إلى هذه الأهداف التي نضعها نصب أعيننا، ونسعى السعي الحثيث للوصول إليها.

وما أسهل الإجابة النظرية على هذه التساؤلات، لكن الأمر في الجانب العملي مختلف تماماً!

فمن الذي سوف يحدد هذه الأمور كلها؟ ألسلطة السياسية؟ ألسلطة الدينية؟ السلطة الاجتماعية؟ أم من؟ وكيف سيتمّ تحديدها؟ وبأية وسائل؟

(يتبع)
[1] زريق قسطنطين: نحن والمستقبل، بيروت 1977،ص. 172-139
[2] نفس المصدر ص. 189-139