كنوز نت - محمد زبيدات

انظروا إلى جمال القمر وليس إلى اعوجاج الأصبع


*بقلم: الشيخ كامل ريان *


هنالك مثل صيني قديم يميّز بين الإنسان السَّويّ وبين غيره، وذلك عندما يشار إلى القمر، فالإنسان السويّ ينظر إلى القمر وجماله وبهائه ونوره الذي يضيء الكون بأكمله، وأما الإنسان غير السّويّ فيجذب انتباهه اعوجاج الإصبع الذي يشار به إلى القمر، ويتجاهل وجود القمر وجماله وبهائه، وينشغل بطول الأصبع ودرجة انحرافه وقبح اعوجاجه ورداءة استقامته. 

 الذي ألاحظه في الآونة الأخيرة وكأنّ هنالك حملة مبرمجة ومسعورة، بل هجمة استعدائية متواصلة ومتلاحقة في حقّ الأخ العزيز الدكتور النائب منصور عباس، رئيس القائمة العربية الموحدة، ورئيس اللجنة البرلمانية لمكافحة العنف والجريمة في المجتمع العربي، والذي يكرّس ليله ونهاره من أجل مجتمعه، وخصوصّا بكل ما يتعلق بالسلم الأهلي ومكافحة وباء العنف والجريمة، الذي أصبح يقضّ مضجع الجميع، وأصبح يشكّل خطرًا كبيرًا على النسيج الاجتماعي لمجتمعنا، بل أصبح ناقوس خطر يطرق بوابات مستقبل أبنائنا وبناتنا في كل بلد وبلد، بل وفي كل حارة وحارة. وكل ذلك الهجوم الأرعن جاء بعد موقفه الشجاع، بل موقفنا، بل موقف شريعتنا الغرّاء، من موضوع "الشواذ جنسيًّا"، سواءً من حيث الموقف، أم من حيث المعاملة. وكأنّهم بذلك انجروا وراء مجموعة من المحرّضين والإعلاميين من الإسرائيليين الذين لم يخفوا موقفهم تجاه الدكتور منصور، بل جاهروا بتهديداتهم له وملاحقتهم إياه على موقفه الشرعي والأخلاقي والقيمي، والذي ينسجم انسجامًا كليًّا مع موقف غالبية جمهورنا العربي، من مسلمين ومسيحيين ودروز، وموروثه الحضاري وإرثه الديني والإنساني. 

حقيقة، أنا هنا لست بصدد إنكار أن الدكتور منصور شأنه شأن أي آدميّ على وجه الأرض، فهو إنسان يعمل ويجتهد، ومن الطبيعي أن من يعمل ويجتهد يخطئ أحيانًا، ويصيب أحيانًا أخرى، فهو ليس منزّهًا عن الخطأ كما أراد البعض للبعض، وليس معصومًا عن الخطأ كما يدّعي البعض لأنفسهم. ومعروف للقاصي والداني أن كل من قرّر ورضي لنفسه أن يكون في نقاط التماس وباشتباك دائم مع الخصم أو العدو لا بد وأن يضطر إلى خيارات متعددة، لا تنحصر بين الأبيض والأسود، أو بين خيار الخير وخيار الشر، وإنما عليه أحيانًا أن يختار بين ما هو سيئ وما وهو أسوأ، وبين ما هو أسود وما هو أكثر حلكة وسوادًا، وبين ما هو درء للمفسدة وما هو جلب للمصلحة، بعكس الذين يجلسون من وراء الشاشات يراقبون الأقوال والأعمال ويصدرون عليها الأحكام المسبقة من غير بصر ولا بصيرة، وإنما بدوافع غريبة لا تخلو أحيانًا من حسد أو بُغض أو حقد. 

ومن لطفه تعالى أن الدكتور منصور وصل إلى موقعه الذي وصل إليه، لا عبر طرق ملتوية، ولا من خلال سبل مجتزأة والتي تعتمدها نظرية "التقفيز"، ولا من خلال ثقافة "التصفيق"، ولا من خلال طرق "التلفيق"، وإنما وصل إلى ما وصل إليه بجهده وجدّه وجهاده واجتهاده، وتقدّم من خلال القنوات والمؤسسات الشرعية للحركة الإسلامية، وليس تعيينًا من أحد ولا تصويبًا من رئيس ولا أمرًا من شيخ ولا فرامانَ من أمير. 


وأقولها بكل صراحة ووضوح: إنه من حق أي مواطن أو أخ أن يوجّه النقد أو الانتقاد للدكتور منصور في كل موضوع، وفي كل اتجاه، وفي كل مكان، وفي كل زمان. ونتوخى بذلك الصدق والأمانة والمخافة من الله، ومراعاة أدب الاختلاف وأدب الحوار وأدب النقد، وتقديم مصلحة المجتمع وتكريس الوحدة الوطنية التي تجمعنا، من غير تلويح ولا تجريح ولا تكفير ولا تخوين ولا إخراج ولا تخريج، ولا أي شيء من هذا القبيل، وأن تكون نظرة المنتقد شاملة، بحيث حين ينظر إلى الإصبع حتى باعوجاجه، لا يتجاهل القمر في بهائه. 

لماذا؟

لأنه إن كان منطلق المناكفات هو المسّ بشخصه أو مصداقيته أو مستقبله، من خلال التشويه أو الحذف أو التحريف أو التخويف، فهذا باطل، بل غير مجدٍ؛ لأنه لن يحرّك الدكتور منصور من مكانه أو مكانته أو مواقفه إلا أولئك الذين عرفوه وتعرّفوا عليه ووضعوا ثقتهم به، من خلال شفافية مطلقة تمرّ عبر مؤسسات دستورية معروفة وموثّقة ومثبتة في دستورنا الذي نعتز به، ومن خلال ميثاق حركتنا الإسلامية الذي اجتهدنا أن يكون جامعًا وموحدًا وخادمًا لجميع أطياف ومركّبات شعبنا العربي الفلسطيني في الداخل، بما لا يتعارض مع ثوابتنا الوطنية العامة، ولا مرتكزات ديننا الحنيف الذي هو بوصلتنا الإيمانية وقبلتنا التوحيدية.  

لذا، الله يرضى عليكم، على رسلكم، لأن الأصابع التي أشارت إلى الدكتور منصور، والأيدي التي رفعته، هي نفسها التي تستطيع تحريكه أو إبعاده عن المشهد بعد عون الله وتوفيقه وليس التدليس ولا الكذب ولا الافتراء ولا التلفيق ولا التصفيق ولا ذر الرماد في العيون.  

وأقولها بكل وضوح: إنه كلما توالت عليه الانتقادات الجانحة، أو التهجمات الظالمة، أو الادعاءات المهترئة، أو السهام المصوّبة ممن ينكرون ضوابط الحق والخير لمجتمعنا، كلما زاده إخوانُه حبًّا، ورفدوه ودًّا، وأسقوه فراتاً، وظللوه محبة، ومنحوه عزًّا ورفعة ومعزة.

هنيئًا لك دكتور منصور بحب المحبّين، وأعاذك الله من حسد المبغضين، وهنيئًا لمجتمعنا بأمثالك، ولكن حبّنا أكثر لك إن اجتهدت وتجنّبت الخطأ وتمسكت بالصواب.