كنوز نت -  د. منعم حدّاد 

الخوري عيد!


يروى أن بعض الوشاة من الحصن (القريبة من مدينة اربد الواقعة في شمال الأردن) مثلهم مثل الوشاة في كل مكان وزمان وشوا بالخوري عيد إلى البطريرك المقدسي، لأن الخوري عيد يعمل في الزراعة، فلاحاً ابن فلاح، ويتناول فطوره قبل أن يقوم بمراسم الصلاة والقداس...

فاستدعاه البطريرك للمثول أمامه للتحقيق معه ومعاقبته على ارتكابه مثل هذه "الجرائم"، ولما مثل أمامه وكانت نوافذ الغرفة مغلقة، وينبعث من خلال ثقب فيها "خيط" من شعاع الشمس، وكانت عينا الخوري عيد قد عشيتا بعد أن هرم وشاخ، نظر الخوري عيد إلى حبل الشعاع فحسبه حبل غسيل أو ما شابه، فتناول جبته وألقاها على هذا "الحبل"، وهو يردد كدأبه "باسم يسوع المسيح"... وفوجئ الحضور بأن الجبة تعلقت على شعاع الشمس...

وتملكت الجميع الدهشة...
سأل البطريرك عن سبب استدعائه فقال هذا: اشتقنا لك يا أبونا...

فقال الخوري: يا حضرة البطريرك، قال يسوع ليكن كلامكم نعن نعم ولا لا... فقل لم دعوتني وعطلتني عن عملي والموسم موسم حرث وزرع؟
قال البطريرك بعد\ تردّد: لأسألك لماذا تتناول طعام الفطور قبل القداس؟ فردّ الخوري قائلا":

في بلادنا عندما يحل ضيف عندنا نفرش له فراشاً وثيراً، وإن كان عزيزاً جداً ضاعفنا له الفراش... وهل أعزّ من جسد المسيح عندنا؟ فإني أفرش له الفراش الوثير لكي أتناوله لاحقاً...

ولماذا تعمل فلاحاً وتحرث وتزرع وتحصد وتدرس؟

ألم يقولوا لنا بعرق جبينك تأكل خبزك؟ أو تريدني أن أتسول رزقي من المحسنين وأدور على الأبواب، فما الأشرف: العمل في الزراعة أم التسول؟
حسناً قال البطريرك، بقي فقط أن تباركني...

أنا اباركك وأنت البطريرك...؟


وعند ذلك فقط لاحظ الخوري عيد تعلق جبته على خيوط الشمس...
وصرفه البطريرك ليعود أدراجه، لكنه قال له: لقد تمزقت جبتي أثناء مجيئي من الحصن إلى هنا ولن اعود قبل حصولي على جبة جديدة...
وكان له ما طلب...

وترى، من أين لنا في هذه الأيام بخوري عيد جديد؟

باع مذهبه!

ويحكى أن ثرياً إقطاعياً أرستقراطياً اعتدى على أرض جاره الفقير، وكان هذا الارستقراطي قد غيّر مذهبه وانتمى إلى مذهب تبشيري جديد زاعماً أنه هو هو المذهب الصحيح، وذلك كما كانوا يقولون ليس إيماناً وتقوى، وإنما لقاء ما دفعه له المبشرون القائمون على المذهب الجديد، وفعل تماماً كما فعل الملك آخاب وزوجته ايزابيل مع نابوت اليزراعيلي، عندما "صادرا" كرمه وضمّاه إلى أرضهما، ورفع الفقير الأمر إلى القضاء، واستغل الغني علاقاته ومكانته وقربه من ذوي الشأن وأصحاب القرار...

وانعقدت المحكمة وقدم كل من الطرفين المتخاصمين شهادته، وأطنب الثري في وصف علاقاته ومكانته وما إلى ذلك...
وكاد القاضي ينطق بالحكم، وكان واضحاً أنه إلى جانب الثري لا الفقير، فما كان من هذا إلا أن صاح بالقاضي قائلاً:

هل يا سيدي من يبيع مذهبه وربما دينه أيضاً بشروى نقير ولا يؤتمن على مذهبه ودينه ودين آبائه وأجداده يؤتمن على شهادته؟ أرجو أن ترفض شهادة هذا المارق الدجّال...

واستفسر القاضي عن جلية الأمر، ولما وقف على الخبر واطلع على الحقيقة، حكم لصالح الفقير وخرج الغني يجرّ أذيال الهزيمة والخيبة...

وترى، لو حدث مثل هذا الأمر في أيامنا هذه، وفي بعض المحاكم الدينية المعينة والمعينة جداً، فلصالح من كانوا سيقضون؟ وهل كانوا سيأخذون بعين الاعتبار تغيير المذاهب؟ أم كانوا سيتوّجون الذي يبيع مذهبه كما يغير ملابسه وينتقل من مذهب لأخر حسبما يكسب ويرتزق من ورائه ويرقّونه إلى درجات عالية ويضمونه إلى صفوفهم، لأن بعضهم لا كلّهم ليس بأفضل منه كثيراً، فهم مرتزقة ومتكسبون ودجالون ومحتالون وهمج رعاع يميلون مع كل ريح ويستجيبون لكل ناعق شريطة أن ينالوا بعض الفتات، ليس إلا...؟