كنوز نت - د. منعم حدّاد


مستقبل الثقافة العربية الفلسطينية(*)


حقّاً إنه لمما يثلج الصدر ويقرّ العين تخصيص هذا اللقاء لمناقشة مستقبل الثقافة العربية الفلسطينية، فهذه تباشير خير عميم، لأننا اعتدنا، على الأغلب، ألا ننظر إلا إلى الماضي، ولا نفكر إلا في الماضي بأمجاده الغابرة، وكادت ثقافتنا لا تستوحي ولا تستلهم سوى الماضي، ومن الجائز أننا عرّضنا الحاضر للخطر، وكدنا نغامر بالمستقبل، لشدّة تعلقنا بالماضي، وكلّ هذا في الوقت الذي توقف العالم بأسره، أو كاد، عن التفكير بالماضي، وجنّد كلّ طاقاته للتفكير في المستقبل، ولبناء المستقبل واستشرافه...

إستطلاع المستقبل

وكان استطلاع الغيب واستكناه المستقبل من هواجس الإنسان الأولى، حيث أن قلقه أو خوفه من المجهول، كما يبدو، ورغبته الملحّة في تأمين غده، حملاه على إبداع الوسائل والأساليب التي حسب أنها تسعفه في الاطّلاع على غده ومحاولة التأثير فيه، وكان هذا سبباً مباشراً في ظهور مختلف الممارسات “التنجيمية” والطقوس السحرية المختلفة.

وبرع العرب في هذا المضمار ولم يتخلّفوا عن سواهم، وكانت لهم وسائلهم وأساليبهم في استطلاع الغيب، وكتب التراث العربي ملأى بوصف لهذه الأمور، والتي تتلخص في الكهانة والزجر والفأل والطيرة والفراسة والذكاء وغيرها الكثير[1].
واستمرّت محاولة استجلاء المستقبل على مر العصور، منذ بدء الخليقة وحتى أيامنا هذه، وتلخصت في ثلاثة أنماط رئيسية هي:

ألنمط البدائي:

ويقسم إلى نوعين: ألأول: ألتنبؤ البدائي الذي يقوم إما على الاتصال بالآلهة أو بالأرواح أو بالجن أو سواها من قوى الغيب، والثاني هو الذي يدور على الاستدلال بالظواهر الطبيعية كمواقع النجوم وحركاتها وأحوال الطقس، ووجهات الطيور في طيرانها، والإشارات والعلامات في أحشاء الضحايا من الحيوانات والكتابات والخطوط وما إلى ذلك من ظواهر طبيعية أو بشرية[2].

ألنمط العقائدي:

هو النمط الديني، وقد ارتبطت النزعات الدينية للشعوب السامية بالآلهة والأرواح ثم تطورت إلى أن بلغت الإعتقاد بوحدانية الله، فنشأت الأديان الموحدة: أليهودية والمسيحية والإسلام، وتتفق هذه الأديان في الإعتقاد المبدئي بإله واحد هو مبدع السموات والأرض وكل ما فيها، وهو الذي خلق الإنسان وأبلغه تعاليمه وشرائعه بواسطة الرسل والأنبياء أو بتجسده إنساناً على الأرض ... على أن ثمة اختلافاً جوهرياً بين اليهودية من جهة، وبين المسيحية والإسلام من جهة أخرى: فالله في اليهودية هو يهوه، إله اليهود وحدهم وقد عاهدهم عهداً خاصّاً بهم، وجعل منهم شعبه المختار الذي يكوّن لبّ الإنسانية ومحور التاريخ ... أما المسيحية والإسلام فجاءا دينين عالميين للبشر جميعاً، لا لشعب متفرد متميز أو لفريق معين من البشر. فالله هو "أبونا الذي في السموات"، وهو "ربّ العالمين"، ومشيئته هي التي تحكم مصائر الأفراد والشعوب طرّا، وكلّ امريء خاضع لها ومسؤول عن أعماله، وهو ملاقٍ جزاءه العادل عن هذه الأعمال إن لم يكن في هذا العالم ففي العالم الآخر حيث الثواب الدائم أو العقاب الأبدي" [3].

ألنمط التخيّلي:

يعتمد على المحاولات الأدبية التي تتجه إلى المستقبل راسمة صورة عالم مثالي يتحقق فيه، ومن هذه المحاولات ما عرف ب"اليوتوبيا" أو "الطوباوية"، وكتب فيه كثيرون متخيلين كيف سيكون وجه العالم بعد فترة معينة من الزمن، ومن هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر: سير توماس مور في كتابه "يوتوبيا" في القرن السادس عشر، جان جاك روسو في كتابه "العقد الإجتماعي" في القرن الثامن عشر، فرانسيس بيكون في كتابه "أطلنطيس الجديدة"(ت 1626)،ثم مؤلفات عديدة مما عرف ب"القصص العلمي" فيما بعد، مثل مؤلفات جول فرن الفرنسي (ت. 1905): رحلة إلى مركز الأرض، من الأرض إلى القمر، عشرون ألف فرسخ تحت البحار، وغيرها.

ويعتبر زعيم هذا النمط من التخيل العلمي هـ. ج. وِلز (ت. 1946) وأهمّ كتبه: آلة الوقت، حرب العوالم، أوائل البشر على القمر، وغيرها، وأيضاً ألدوس هكسلي (ت. 1963) في كتابه: عالم جديد جريء، وجورج أوروِل(ت. 1950) في كتابه: "ألف وتسعمائة وأربعة وثمانون"[4].

وأخذ يبرز وينطلق قي العقود الأخيرة نمط رابع هو النمط العلمي الريادي (أو التحسبي) المعاصر، أو علم الريادة، أو علم المستقبل، ومن خصائصه العمل الجماعي أو عمل الفريق، لا العمل الفردي، وتعدد اختصاصات العاملين فيه والمتعاونين في نطاقه، ومحاولة أصحابه البقاء ملتصقين بالواقع، يتفحّصون المتغيرات الفاعلة في المجتمع وتفاعلاتها واتجاهاتها ويمدّون هذه الإتجاهات إلى المستقبل فيستقرئون تطوراتها ونتائجها المقبلة[5].

ويمتاز هذا العلم بـ: "اتبّاع الأسلوب العلمي في تقصي الأحداث ومراقبة التحولات. ويفيد من جمع الإختبارات التي اكتسبها العلم في حقول المعرفة المختلفة، دون التقيّد بعقيدة سابقة دينية أو فلسفية أو غير ذلك. ويؤلف علماً جديداً، أو نواة علم جديد، غايته التكهن والاستبصار المستقبلي، وهو علم شديد المطالب، صعب المراس، معقّد الأسلوب، ولكنه في الواقع خليق بأن يكون “علم العلوم” لهذا العصر المضطرب، وقد أصبح له رجاله المختصّون ومعاهده ومؤسساته، ومؤتمراته وندواته، وكتبه ومجلاته ونشراته، كما أن له آثاره في ما تعمد إليه الهيئات الرسمية والخاصة من تخطيط وبرمجة. ولكن أسسه وطرائقه لم تستقرّ بعد، كما لا يزال بمجموعه - غاية وأسلوباً ونتائج - مجالاً للتجاذب والتناقض بين المؤمنين به الحاملين لواءه والناقدين الشاكّين أو المنكرين"[6].

ولا بدّ لنا الآن من محاولة تحديد معنى الثقافة ومفهومها...

ما هي الثقافة؟


وترى ما هي الثقافة؟ وماذا تعني؟ وما هي عناصرها ومركّباتها؟

“تعرف الثقافة في علم الإجتماع بأنها البيئة التي خلقها الإنسان بما فيها من المنتجات المادية وغير المادية التي تنتقل من جيل إلى جيل آخر. فهي بذلك تتضمّن الأنماط الظاهرة والباطنة للسلوك المكتسب عن طريق الرموز والذي يتكون في مجتمع معين من علوم ومعتقدات وفنون وقيم وقوانين وعادات وغير ذلك"[7]

والثقافة هي:

"1 -رياضة الملكات البشرية بحيث تصبح أتم نشاطاً واستعداداً للإنجاز.
2 -ترقية العقل والأخلاق وتنمية الذوق السليم في الأدب والفنون الجميلة.
3 -إحدى مراحل التقدم في حضارة ما.
4 -ألسّمات المميزة لإحدى مراحل التقدّم في حضارة من الحضارات"[8].

أما الثقافتان ف"المقصود بهما الثقافة العلمية والثقافة الأدبية أو الإنسانيات. ومعنى الثقافة العلمية تلك الثقافة المبنية على الثورة الصناعية منذ منتصف القرن الثامن عشر وما نتج عنها من ثورة علمية حينما استخدمت النظريات العلمية في الصناعة منذ اوائل القرن العشرين. كما أن الثقافة الأدبية ليست مقصورة على الأدب بمعناه الخاص، بل يدخل فيها الكثير من العلوم الإنسانية كالتاريخ الإجتماعي، وعلم السكان والعلوم السياسية، والإقتصاد، وأصول الحكم، وعلم النفس، والفنون الإجتماعية"[9].


ولو حاولنا أن "نترجم" هذه التعاريف لوجدنا أنها تتلخص في ما يلي:


ألسلوك المكتسب، ويشمل: ألعلوم والمعتقدات والفنون والقيم والقوانين والعادات وغيرها، و:رياضة الملكات البشرية، ترقية العقل والأخلاق وتنمية الذوق السليم في الأدب والفنون الجميلة.

ومثل هذا المقصود بالثقافتين: العلمية والأدبية، أي: الثقافة المبنية على الثورة الصناعية، والثورة العلمية التي تلتها، أو بالإختصار: العلم والتكنولوجيا، والثقافة الأدبية بما في ذلك العلوم الإنسانية كعلوم التاريخ الإجتماعي، والسكان والسياسة، والإقتصاد، وأصول الحكم، وعلم النفس، والفنون والآداب.

و"...قد انتهينا إلى أنه لا التعليم ولا التربية، ولا العلم، ولا العادات ولا التقاليد، ولا الأديان، ولا المذاهب، ولا العقائد، هي الثقافة....وإنما تتكون الثقافة من كل ذلك،...وهي حصيلة ما يتجمع في العقل من معارف، وما يكمن في الوجدان من انطباعات، وما يستقرّ في الضمير من عقائد، وما يرسب في النفس من عادات وتقاليد.

وإذا كانت الحضارة هي المظهر المادي للثقافة، فإن الثقافة هي المظهر العقلي للحضارة.
ألحضارة تترجم الثقافة إلى تصوير ونحت ونقش وبناء وآثار فنية أخرى فتدل على الثقافة دلالة مادية تبقى على الزمن.
والثقافة تترجم هذه الحضارة المادية إلى مذهب عام في السلوك يعكس القيم المختلفة في الحياة العقلية والوجدانية والمادية والأخلاقية جميعاً"[10].

وفي تعريف آخر هي: "مجموعة مكتسبة من الخصائص والصفات، تحدد للإنسان نوعاً متميزاً من السلوك يقوم على مجموعة من القيم والمثل والمفهومات، يؤثرها، ويتمسّك بها ويحرص عليها، وهذه الخصائص والصفات تتوفر لديه، على مر العصور والأجيال:

نتيجة لتطور عضوي يتلاءم مع بيئته.
ونتيجة لتطور عقلي، يكسبه من المهارات الذهنية واليدوية، ما يحقق له التفوق والإمتياز.
ونتيجة لتطور وجداني، يحمله على الإنفعال بما في الحياة من قبح أو جمال، وما فيها من باطل أو حقّ.
ونتيجة لتطور نفسي، يقوي شعوره بالقيم، ويزيد من قدرته على التمييز بين ما هو شر وما هو خير، وما هو خطأ وما هو صواب.
ونتيجة لتطور إجتماعي يربطه بسواه، في وحدات تتفاوت، وتتخذ شكل الأسرة أو القبيلة أو الوطن أو الأمّة أو الجنس البشري كلّه"[11].


(يتبع)
(*) من محاضرة ألقيت في رام الله بتاريخ 12 تموز 1997

[1]ألنويري شهاب الدين بن أحمد: نهاية الأرب في فنون الأدب، ألقاهرة،د.ت. ألجزء الثالث ص. 151-128
[2] زريق قسطنطين:نحن والمستقبل،بيروت 1977،ص. 65 وما بعدها.
[3] نفس المصدر ص. 73-71
[4] نفس المصدر ص. 83-76
[5] نفس المصدر ص. 95
[6] زريق قسطنطين:مطالب المستقبل العربي:هموم وتساؤلات، بيروت 1983، ص. 24-23"
[7] "[7] أحمد زكي بدوي:معجم مصطلحات العلوم الإجتماعية،إنجليزي-فرنسي-عربي بيروت 1986 ص. 92)
[8] مجدي وهبه وكامل المهندس:معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب،بيروت 1984، ص. 129
[9] نفس المصدر ص. 130
[10]عبد المنعم الصاوي:عن الثقافة،دار القلم،ألقاهرة 1966، ص. 35-34
[11] تفس المصدر ص. 36