كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


رجال دين أم أبالسة وشياطين؟




الدين رسالة سامية لا تضاهيها رسالة، هي رسالة الخالق جلّ شأنه لمخلوقاته، والدستور القويم الذين أوحى لهم به، لتنتظم حياتهم ومجتمعهم وكل شؤونهم...هو القانون الأخلاقي والاجتماعي والنظامي قبل كل شيء.

ونحن نحترم رجال الدين ونجلهم ونقدرهم ونرى فيهم ممثلي السيد المسيح عليه السلام على الأرض وحاملي شعاره ورافعي رسالته السماوية المقدسة...وموصليها للبشر، ومحاولي التقريب بين العابد والمعبود ورفع شأن العابد ليستحقّ التقرّب طاقته من المعبود.

رجل الدين الذي يعرف معنى رسالته ويحترمها هو الراعي الصالح، والقائد الرائع، والأب الحنون، والأخ الشفوق العطوف، والمصلح الاجتماعي، ومعزّي الحزين، ومواسي الكئيب، وعاضد المُعاني، وداعم المعوز.

لكن وللأسف الشديد بين جمهور رجال الدين الصالح والأمثل يتسلل أحياناً دون أدنى شكّ بعض رجال السوء، وهذا ليس غريباً، فهذا المضمار لا يختلف عن غيره، وستجد حتماً بين الصالحين الأبرار وهم الأكثرية، قلّة قليلة من الكذابين والدجالين والمشعوذين والنمامين والفاسدين والمفسدين المتاجرين بالدين وبالأخلاق الكريمة والضاربين عرض الحائط بكل القيم والنواميس والشرائع والخلق الكريم والسيرة الحسنة.

فهؤلاء لا يرعوون عن كذب ودجل ودس ونميمة وإفساد وتضليل وتدليس ليصلوا إلى مبتغاهم والحصول على دريهمات قليلة، لجشعهم وطمعهم ودناءتهم، كما أنهم وكما يبدو يستمرؤون آلام الناس ومعاناتهم ويستمتعون برؤية شقاء الآخرين والتسبب به، لخلوّهم من الشرف والأخلاق والفضائل، ومن ثم يتباهون ويفاخرون أنهم هم هم الـ...

هم يفسدون منذ أقدم العصور، لأنهم نسل يهوذا الاسخريوطي الخائن، الذي باع سيده بثلاثين من الفضة، وها هم يبيعون سادتهم بل حتى أعراضهم بالنزر اليسير وبالفتات...

يقوم ما يقوم به الواحد منهم ويرتكب ما يرتكبه دون حسيب أو رقيب، ودون وازع من ضمير أو من خلق كريم، فهذه التعابير ليست موجودة أصلاً في قواميسهم وفي معارفهم ولا أمل في إدخالها إلى هناك.

لا يخجلون ولا يستحون بأعمالهم وافعالهم الحقيرة القذرة والتي لا يقبل بها أقل إٍنسان كرامة وأحطّ بشريّ قدراً، لا بل على العكس فإن بعضهم يفاخر بها علناً وجهاراً وعلى رؤوس الأشهاد، ودون أن يندى له جفن أو يخشى لومة لائم رغم ارتكابه ما يخجل به من الموبقات.


هؤلاء يتلبسون بعباءات الأكثرية وهي من الأوفياء والمخلصين، ويدعون زوراً وبهتاناً أنهم يتمثلون بها، وذلك فقط ليخدعوا ويضلّوا ويكذبوا ويعيثوا في الأرض فساداً.

كبروا وتكبروا، استعمروا واستعبدوا، وعلى مثلهم ثار الكثيرون جداً، فبسبب أمثالهم دعا كثيرون من المفكرين والكتاب والأدباء والشعراء إلى نبذهم، بل إلى ما هو أبعد من ذلك: حتى إلى ترك الدين والابتعاد عنه وحتى الإلحاد وليس هرباً من الدين السامي وإنما من أفعال هؤلاء الدنيئة واتخاذ أمثال هؤلاء من الدين الرفيع السامي أداة ووسيلة يتوسلون فبها إلى أهدافهم الدنيئة وتحقيقهم نواياهم القذرة المبيّتة.

وقد يستغرب المرء سكوت القادة والرؤساء المسئولين عنهم وعن أفعالهم وشرورهم المستفحلة، لكنه سرعان ما يفطن ويتيقظ إلى أن سكوت هؤلاء عن أولئك ليثبتن أنهم شركاء لهم في غيهم وضلالهم، ولا ضمان ولا تأكيد أنهم أفضل منهم حالاً في تعاملهم مع شعبهم، واهتمامهم به وحملهم همومه، وقد يكونون حتى أسوأ حالاً منهم وأدهى وأخبث، يؤيدونهم ويفرحون لضلالهم ويحملونهم المسؤولية الأخلاقية على الأقل لينجوا هم بأنفسهم وينأوا عن العقاب والحساب.

والدليل على ذلك هو استعلاؤهم والتزامهم بما صوروه وكأنه أبراج عاجية وحصون محصنة يقبعون خلف أسوارها العفنة ويخططون لخططهم الشيطانية المستمرة المتواصلة...

ولا يستغربن أحد مثل هذه الأفعال المنكرة التي يقوم بها هؤلاء الصغار وبتشجيع مباشر أو غير مباشر من كبارهم.

ولا غرو ولا استغراب ولا دهشة، لأن رياحاً غريبة حملت هؤلاء "الكبار" إلى هذا الوطن الحبيب، وأجلستهم فوق المقاعد الوثيرة القائمة على سواعد وحتى أعناق المحليين...


فتباً لكلا الفئتين، كبارهم وصغارهم، لأن هؤلاء أبالسة وشياطين، لا رجال دين!

أتراني ـأبالغ؟

من يحسبني كذلك فليتفضل وينظر حوله بعين ناقدة وبصيرة نافذة!