كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني


نِظامُ حَياةٍ فاشلٍ مَا أنْزَلَ اللهُ بِهِ مِنْ سُلطانًٍ سادَ وَأبْعَدَنا عَنْ أَوامرِهِ وَأحْكامهِ!




السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ :

إِنَّ مبْدأَ الوُجُودِ عَلىَ الكُرَةِ الأرضِيَّةِ يَبعَثُ الإحْساسَ والدَّوافعَ الَّتي تَجْعَلَنا نُغيِّرُ أَو نَختارُ مَساراتٍ مُغايرَةً وَمُختلِفةً بَعْضَ الشَّيءِ، فَنَخْطُ بَيْنَ الحِينِ والأَخَرِ إسلوبَاً أخراً، وَبِِرؤوسِ أقْلامٍ هَذا يُنيرُ بَصيرَتَنا وَيُقدِّمُ لَنا مَشْهَدَاً شامِلاً واضِحاً كَيْفَ كَانَ العَيْشُِ يَجْرِي فِي كَنفِ حِيطانٍ لِبُيُوتٍ بَسيطَةٍ، رَبَّتْ، عَلَّمَتْ، وَكبَّرتْ أَبْناءً على الأَخْلاقِ والإحتِرامِ، وَكدَّتْ فِي ساحاتِ بُيُوتِها وإسْتغَلَّتْها فَجعَلَتْها جِنانً، وَزَرَعَتْ وإعْتنَتْ بِالطيُّورِ والحَيواناتِ والأغْنامِ إلى أَنْ أَصْبحَ عِنْدَها إكْتِفاءٌ ذاتِيًّ، ثُمَّ سَعَتْ مُجْمِعَةً مُتَكاتِفَةً سَوِيَّاً لِتُقايِضَ وَتُتاجِرَ وَتُسافِرَ مَسافاتٍ طَويلَةٍ، لِبلادٍ أُخْرَى فتَتَعاملَ مَعَها مَهْما بَعُدَتْ أو قَرُبَتْ، حَيْثُ قَدَّمَتْ لَهُمْ مَا عِنْدَها وأخَذَتْ مَا لَهُمْ مِنْ مَعالِمِ التُّراثِ، وَبادَلَتْهُم المُعامَلاتِ مَا يَخدِمُ مَصالحَ أمَمِها، وهَذا الَّذِي تَجلَّى بِكامِلِ ألْوانِهِ عِنْدَ كَثيرٍ مِنَ القَبائِلِ والأُمَمِ الَّتي تَعِيشُ بأقْطارٍ مُتَباعِدَةً.

هَذِا أيُّها الشَّعبُ العَزِيزُ! نَمُوذَجٌ لِرواياتٍ كَثيرةٍ كُتِبَ عَنهْا فِي كُتُبِ التَّاريخِ، خَلَّدَتْ ذِكرى شُعُوبٍ تَركَتْ بِصَماتِها بَيْنَ سُطورِ الماضي، فَفادَتْ مِنْ جَاءَ بَعْدَها بِكُلِّ مَا أبْقَتْهُ مِنْ مَعالِمٍ وإبْتكِاراتٍ سَهَّلَتْ عَليْهِمْ حَياتَهُم، وكُلُّ جِيلٍ تَبِعَها وَلَحِقَ بِها أَخَذَ مَا وَجَدَ مُطابق لِمَبادِئهِ، وَتَبنَّى مَا يَهِمُّهُ وَغَيَّرَ وأضافَ مَا يَتنَاسَبُ والعَصْرُ الَّذِي هُوَ فِيهِ.

هَذِهِ الحَياةُ أعِزائي، فِي حالَةِ تَجَدُّدٍ وتَجْديدٍ وأخْتِراعاتٍ وإكتِشافاتٍ....، "واللهِ يَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُون"، وَيَبْقَى الأَمْرُ دينامِكِيَّاً وَلا يَنتَهِي علىَ أَمْرٍ واحِدٍ، إِنَّما مَا كانَ عاظِيمَاً قَبْلَ فَتْرَةٍ، أصْبَحَ بَعْدَ أَيَّامٍ وَعُقودٍ يُصنَّفُ بِدَرجَةٍ ثانِيَةٍ وثالِثَةٍ و....، وقَدْ جَاءَ وَحَلَّ شَيْءٌ أحْدَثُ مَكانَهُ مُسْتَبْدِلاً إِيَّاهُ.


يوماً مَا أَيُّها الأَعزاءُ، لا نَنْسى.... كَيْفَ كانَتْ وَسائِلُ النَّقْلِ، البِغالُ والحَميرُ والخَيْلُ وَالجِمالُ ومَا دَبَّ علىَ الأَرْضِ، وَعاماً بَعْدَ عَامٍ مَعَ التَطَوُّرِ ظَهرَتْ وَسائِلٌ أُخْرَى فِي البَرِّ والبَحْرِ و.....،طَوَّرَتْها الشُّعوبُ لِيَكونَ مِنْ السَّهْلِ التَّواصُلَ مَعَ بُلْدانٍ نائِيَةٍ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَصِلوا إلَيْها إِلاَّ بِسُلْطانِ التَغْيِّير والتَجْديدِ والعِِلْمِِ، حَتَّى أصْبَحَ البَعيدُ قَرِيْباً، إِذْ شَرَعَتْ الأُمَمُ تَقْتَبِسُ وتَتَبادَلُ الأفْكارَ والمَعْلُوماتِ وتَأْخُذُ بِمَا يَتَناسَبُ مَعَ قُدِراتِها الجَديدَةِ وتُطَوِّر ُ، وَتَمِدُّ، وَتُطَوِّدُ حَضاراتٍ ذاتَ مَعالِمٍ وَزَخْرَفَةٍ بِها تَبِغِي التَّسابُقَ بالتَّحْصيلِ وإثْباتِ المَعْرِفَةَ بِتَفْعيلِ قُدراتِ رِجالِها ومُفَكِّريها ومُبْدِعيها، لِتَحْقيق رَغَباتِ شُعُوبِها وحُكَّامِها.

إِنْ اللِّقاءَ هَذا بينَّ سُكانِ البِلادِ المُخْتَلفَةِ وَسَّعَ المَعْرِفَةَ وَحفَّزَ الطُّمُوحَ وَأسَّسَ طُرُقَ التَّعامُلِ والجُسورِ فِي مَجالاتٍ كَثيرَةٍ، تَرْبَوِيَّةٍ، أدَبيَّةٍ، إجْتِماعِيَّةٍ وإقْتصادِيَّةٍ ولا سِيَّما تَحالُفاتٍ سياسِيَّةٍ أوْجَدَتْ التَّبادُلَ الصِّناعِيِّ، الزِّراعِي وَالتِّجارِي، وَمعَ زِيادَةِ نِسْبَةُ السُّكانِ عَلىَ الكُرَةِ الأرْضيَّةِ وإرْتِفاعِ نِسبَةُ الإسْتِهلاكِ وَتَعَدُّدِ الشُّعوبُ المُنتِجَةِ، إخْتلطَ الحابِلُ بِالنابِلِ وأُفْرِغَتْ الرِّسالَةُ مِنْ مَعْناها وَمَضامينِها، وأصْبحَتْ الأراءُ والأُمُورُ والمَصالِحُ مُتَضارِبةً، فأُوْقَدَ الشَّرُ وكُلُّ هَذا لأَنَّ الغالِبَ مِنْهُمْ يُريدُ لِنَفْسهِ مَا يُريدُ الأَخَرُ، وكُلُّ يُريدُ التَوسُّعَ ولَوْ علىَ حِسابِ الأَخَرينَ، فإشْتعَلتْ الحُروبُ بِالكَلامِ والتَّهْديدِ وَالوِكالةِ ولا سِيَّما البارِدَةَ أَوْ الحَقيقيَّةَ على الأَرْضِ، حَيْثُ شرَعَتْ الخِلافاتُ وَزادَ الإحتكاكُ والدَّمارُ مَكانَ البِناءِ والعُمْرانِ والتَطوُّرِ المُشْترَكِ كَما كَانَ يُحَبَّذُ، فَأضْحَتْ الصِّراعاتُ تأخُذُ طابِعً ذُو مَنْحَى دِينِِيًّ وأشَدَّ حِدَّةً وَسُفكَتْ الدِّماءُ وذُبحَتْ الرِّقابُ وَبُتِرَتْ الأطرافُ ثُمَّ أَصْبحَ الوَضْعُ مؤسفً وبعيداً عَنْ التَعاليِمِ الَّتي بَعَثَ بِها اللهُ.

بإيجاز وَاضحٍ إخْوَتي، هَذا نَمُوذَجٌ مُختَصرٌ آلَىَ بِنَا وأَوْصَلَنا إِلى هَذِهِ الحَياةِ، فأمْسَتْ القَوانينُ تَخْدِمُ القَويَّ على حِسابِ الضَّعيفِ وتُقَدِّمُ الغَنِيَّ عَلَى الفَقيرِ وتُكذِّبُ الصَّادِقَ وَتَظْلُمُ المُحِقَّ وتُأْمِنُ للخائِنِ وتُنصِّبُ الفاسِقَ والمُتَلاعِبَ وَتَتْرُكُ الكَفُوءَ جانِباً، فَغابَتْ الإنسانِيَّةُ مِنْ قُلُوبِ البَشَرِ وَإسْتُبْدِلَتْ بِالتَعَصُّبِ والعُنصِريَّةِ والأنانِيَّةِ والتَّعاليِ والشُّموخِ والكَبرِياءِ، أَمَّا الإِسْلامُ فَمُنْذُ اللَّحظَةِ الأُوْلَى أعلْنَ المُساواةَ بَينَ النَّاسِ دُونَ إستثناءٍ، وَثبَتَ على ذَلِكَ حتَّى يَومِنا هَذا، فَقَالَ الرَّسُولُ: (كُلُّكُمْ سواسِيَةٌ كأسنانِ المُشْطِ، لا فَرْقَ بَيْنَ عَربِي وعَجَمي إِلاَّ بالتَّقْوَى) وَبِهذهِ الطَّريقَةِ أعادَ الإِسْلامُ إعتبارَاً لِمَخلُوقِ الإِنْسانِ مَهْما كانَ لَونُهُ وأْصلُهُ وإنْتِماؤُهُ، لَكِنَّ التَّاريخُ بَيَّنَ أَنَّ الَّذينَ حارَبُوا الأسلامَ كانُوا مِمَّنْ تَحدَّ وَإسْتَكبَرَ وَلَمْ يَخْنَعْ وَزوَّرَ لمَأرَبَ شَخْصيَّةٍ، بَلْ وَكَفَرِوا بِما جَاءَ عِنْدَهُم مِنَ العِلْمُ، "إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ".
بكلامٍ أَخَرٍ أَعِزائِي، الإنْحِرافاتُ مِنْ مَسارٍ إسْلامِيٍّ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ لمَصالحٍ شَخْصيَّةٍ مَصِيرُها أَنْ تُخَلِّفَ الفَسادَ والضَّعْفَ حتى تَكُونَ أُمَّتُنا لُقْمَةً سائِغَةً وكُلُّ هَذا وراءَها إبْليسُ، قَالَ الله: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ)، وقالَ سُبْحانهُ في كِتابِهِ: (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ، قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ، لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ).
هَذا هُوَ الِفعْلُ وهذهِ رَدَّةُ الفِعْلِ هِيَ تَحَدِّي! فأنْتُم مَا تُفَضِّلُونَ ...؟


لَكُمْ الخَيارُ السَّلِيمُ إِنْ شاءَ اللهُ!
وَفَّقَنا اللهُ تعالى لَنعُودَ لِطاعتِه ونُحَكِّمُ عُقُولَِنا وَنَفهَمُ الحَياةَ والسَّلامُ عَليكُمْ!