كنوز نت - د. منعم حدّاد


أوائل العرّافين من مصر!


ويقول هيرودوتوس "أبو التاريخ" إن المصريين أبلغوه أن كهنة جوبيتر (المشتري) في طيبة قالوا لهم إن امرأتين (حرفياً: كاهنتين) حملهما الفينيقيون من طيبة وباعوا إحداهما في ليبيا والأخرى في بلاد الإغريق وأنهما كانتا مؤسستي العرافة والكهانة ومواحي التنبّؤات في كلّ من البلدين حيث أورثتا علمهما للسكان المحليين! 

ويضيف أن أول من اكتشف طريقة التنبّؤ هذه كان راعٍ يرعى قطيع ماعزه عند فوهة كهف في جبل باراناسوس، ولاحظ قطيعه يتصرّف بشكل غريب، فاقترب ليتحقق من الأمر فأصيب بما يشبه "الجنون الروحاني"، وابتدأ يرقص وينطق بتنبّؤات، واشتهر وانتشر خبره فقام المسؤولون بتشييد معبد فخم في المكان، وأصبحت تمارس "الجنون الروحاني" هذا عذراء طاهرة فقط، إلى أن جرى تغيير ذلك فيما بعد واختيار كاهنات تجاوزن الخمسين من أعمارهن يصعب إغواؤهن وإغراؤهن، ويحفظن الأسرار الدينية والشخصية التي يؤتمنّ عليها...

وكانت تجلس الكاهنة صائمة عند فوهة الكهف، بعد أن تكون قد استحمّت في نبع كاستاليا الفوّار وربّما مضغت بعض أوراق الغار، ودخلت في شبه غيبوبة دينية عنيفة، وراحت تردّد تنبّؤاتها في أشعار خفيّة غامضة بليغة، تصدر بشكل مضطرب، ويقوم بتسليمها الكهنة المساعدون للناس!

وكانت التنبؤات تعطى مقفاة أولاً (شعراً) ومن ثم تحولت إلى النثر، عندما راح الناس يهزأون من قوافيها الركيكة، وراح الأبيقوريون يعيّرون أبولو إله الشعر بشعره الركيك الضعيف، وانّه أقل شأناً من هوميروس الذي يستوحي شعره من أبولو نفسه!

وكان هناك الذين قالوا بأن العرّافة هي مجرّد امرأة عادية، وشكّكوا في قدرتها على التنبّؤ، واتهموها بالابتزاز والاحتيال والدجل، ومن بين هؤلاء ثيموستوكليس وديموستنيس المتشكّكان!ا!

ووصل الأمر بأحدهم إلى أن واجه أبولو قائلاً: ما دمت تعلم المستقبل وتكشف الغيب، فلماذا كلامك كله مبهم وغامض وغير مفهوم؟ لماذا تلفّه كلّه بالغموض والغيبية؟ ولماذا تصرح به همساً مضطرباً ومرتبكاً؟


وبلغ الموحى من الثراء مبلغاً لا يصدق لوفرة ما يقدم إليه من هدايا وتقدمات، حتى أصبح محطّ أنظار الطامعين وهدفاً استهدفه الغزاة ليغنموا ثراءه العظيم!

وكان لكل إله وثنيّ عرّافوه، حقاً كان أبولو أكثرهم عرّافين، لكن لإيزيس وأوزيريس وسيرابيس عرّافوهم الذين ينقلون عنهم التنبؤات بواسطة الأحلام، وناب عن آمون كهنته في تقديم النصح والمشورة، وفي معبد جوبيتر (المشتري) جاءت التنبؤات من داخل ثقب في شجرة بلوط ضخمة (كما في الشجرة التي اختبأت في داخلها العزى؟) وفي معبد تروفونيوس استنتجوا الإجابات من خلال التوسّلات التي يطلقها قاصد المعبد الذي جاءه مستغيثاً، عندما ما يكون في شبه إغماءة أو غيبوبة، وفي ممفيس كان الجواب خيراً أو شرّاً بناء على قبول ثور آبيس ما يقدم له أو رفضه!

وكذا كانت التنبؤات تعطى بناء على ما مقدار ما يقدمه الناس للحصول عليها، ويبدو أن أحداً لم يكن يفهم المقصود من التنبؤات المبهمة التي يوحي بها الآلهة، ويقوم الكهنة أو السدنة أو الخدم بتفسيرها على هواهم، وبحسب ما يقبضون وما يتقاضون!

وعندما مرض الإسكندر المكدوني في بابل، سأل عرّافو الأرض آلهتهم في إمكانية إحضاره إلى بلدانهم لمعالجته وشفائه، وتتالت الردود مؤكدة انه من الأفضل أن يبقى الإسكندر حيث هو في بابل (كما تنصح الآلهة!) ولم يبدِ أيٌّ منهم استعداداً لاستقباله لمعالجته وشفائه، خشية الإخفاق في تقديم العلاج والنزول تحت طائلة العقاب، واحتلال جنود الإسكندر للبلاد!

ولا نرى في هذا أية نبوءة، بل مجرد ردّ يقدمه كل عاقل غير واثق من قدراته ويتجنّب المخاطرة!

ويقول أوسبيوس إن موحى دلفي ظل يجتذب الناس حتى بعد ظهور المسيحية وانتشارها في بلاد الإغريق واعتمادها ديناً رسمياً فيها!