
كنوز نت - محمد سواعد- ابن الحميرة | مدير عام جمعية الأقصى:
كم ثمنك؟
1-معنى الثمن:
الثمن في اللغة العربية هو ما يقابل الشيء، يعني العوض المعروض مقابل أمر ما، سواء كان سلعة أو تجارة أو بيتا أو أي شيء يقتنى في هذه الحياة، ولعل أغرب ما في الكون أن الناس لهم أثمان مقابل أنفسهم ومواقفهم، فمن الناس من جعل ثمن نفسه جنة عرضها السموات والأرض: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) التوبة، 111، فالله تعالى اشترى من المؤمنين أنفسهم وأغلى لهم الثمن وجعل عوض النفوس جنة عرضها السموات والأرض، وهذا أعظم ثمن يمكن أن يكون للعبد المؤمن الصادق وليس بعد ذلك ثمن، وأي ثمن يريده المرء لنفسه غير الجنة، ومنهم من أبخس نفسه وباعها بأرخص الأثمان طمعا في دنيا يصيبها أو مركزا يصبو إليه فخسر وخاب.
2-رفع الثمن أو بخسه
عن أبي موسى رضي الله عنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابيًا فأكرمه، فقال له: «ائتنا»، فأتاه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سل حاجتك". قال: ناقة نركبها، وأعنز يحلبها أهلي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعجزتم أن تكونوا مثل عجوز بني إسرائيل؟!» قالوا: يا رسول الله وما عجوز بني إسرائيل؟! قال: «إنَّ موسى عليه السلام لما سارَ ببني إسرائيل من مصر ضَلّوا الطريق، فقال: ما هذا؟ فقال علماؤهم: إنَّ يوسفَ عليه السلام لمّا حضره الموتُ؛ أخذ علينا موثقًا من الله، أن لا نخرجَ من مصر حتّى ننقلَ عظامَه معنا»، « قال: فمن يعلمُ موضع قبره؟ قال: عجوز من بني إسرائيل، فبعث إليها، فقال: دلَّيني على قبر يوسفَ، قالت: حتى تعطيني حُكمي. قال: وما حكمكِ؟ قالت: أكونُ معك في الجنة، فكره أن يعطيها ذلك، فأوحى اللهُ إليه أن أعطها حكمَها، فانطلقت بهم إلى بحيرة موضع مستنقعِ ما، فقالت: انظبوا هذا الماء، فأنظبوه، فقالت: احتفروا، فاحتفروا، فاستخرجوا عظامَ يوسف، فلما أقلّوه إلى الأرض فإذا الطريقُ مثل ضوء النهار"، فانظر يا ابن آدم إلى تفاوت الهمم بين الناس فهذا الرجل جعل ثمن معروفه عرضا من الدنيا قليل وكان من الممكن أن يطلب الجنة بينما تلك المرأة العجوز حددت لنفسها ثمنا كبيرا ألا وهو رفقة النبي في الجنة، والشواهد في حياة الصحابة كثيرة جدا على طلب الدنة عوضا عن أنفسهم ومواقفهم وحرصهم على مرافقة النبي صلى الله عليه في الفردوس الأعلى من الجنة، والله تعالى يدعونا دائما إلى المعالي والترفع عن الدناءات: (مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) النساء 134، ولعل ضعف الهمم والتربية الفاسدة والتنافس على الدنيا هو ما حرض الناس على بخس أثمان أنفسهم من حيث لا يعلمون.
الحياة تمضي والأيام تتبدل فمن جعل ثمن نفسه وظيفة أو مركزا أو منصبا وباع دينه ومواقفه وكرامته ليصل إلى ذلك، سيندم ندما شديدا في الدنيا والآخرة، ومن باع نفسه للحق يبقى قويا عزيزا في الدنيا وكريما مكرما في الآخرة.
3-أنت من يحدد الثمن:
فأنت أيها الإنسان من يحدد ثمن نفسه فإما أن ترفع قدرها وتعلي شأنها بصدقك وإخلاصك وإما أن تدسها في التراب، ومن أروع ما قيل في شرف النفس ما روي أن يزيد بن المهلب بن أبي صفرة من سجون بني أمية فمر بخيمة أعرابي في الصحراء، فاكرمه الأعرابي وأحسن إليه. فقال يزيد لغلامه اعطه كذا وكذا من المال فأعطاه، فلما خرجوا من بيته، قال الغلام لسيده انه كان يرضيه القليل من المال، فلماذا اعطيته كل هذا المبلغ؟ فقال يزيد: انه لا يرضيني؛ فرد الغلام ولكنه لا يعرفك، فقال يزيد: ولكني اعرف قدر نفسي.....
19/06/2020 06:57 am 4,797
.jpg)
.jpg)