كنوز نت - بقلم الاعلامي : ناضل حسنين



كيف امتطى غانتس الانانية؟ 

لم يكن أحدٌ يتوقع هذه الخطوة الغريبة التي اتخذها غانتس بترشيح نفسه لرئاسة الكنيست وخطف المنصب في ساعات معدودة بعد شغوره جراء استقالة ادلشتاين الاربعاء. 

ولكن دعونا نتفحص هذه الخطوة بنظرة محايدة بحثا عن أسبابها وعما يبررها من وجه نظر غانتس.

أولا: لم يكن سرا ان غانتس قد تخلى، في الأيام الأخيرة، عن فكرة تشكيل حكومة تعتمد على دعم "المشتركة" لعدة أسباب منها ان هناك نائبين من "أزرق أبيض" هما هاوزر وهندل، يعارضان حكومة بدعم من "المشتركة" وقد لا يصوتان لحكومة كهذه إضافة الى النائبة اورلي ليفي - ابكسيس من "العمل جيشر ميرتس" التي أعلنت هي الأخرى رفضها لمثل هذه الحكومة. وعندها ستتحول الأغلبية الافتراضية التي يتمتع بها غانتس من 61 الى 58 نائبا ولن تحظى حكومته في حال شكلها وعرضها على الكنيست لنيل الثقة.

ثانيا: بالتوازي مع ذلك، فقد أجرى تحالف "أزرق أبيض"، خلال الأيام الأخيرة، استطلاعات لرأي الجماهير، فوجد ان شعبيته تراجعت كثيرا امام شعبية الليكود المتصاعدة بعد ظهور "المشتركة" كداعم محتمل لحكومة برئاسة غانتس. وكان ذلك إشارة حمراء لا يمكن التغاضي عنها في اتخاذ القرارات لاحقا.

ثالثا: علاوة على هذين العاملين الأساسيين، فقد تمكن نتنياهو من رسم غانتس امام الجمهور الإسرائيلي في صورة الرافض القومي للائتلاف بينما يئن الشعب تحت وطأة التداعيات الاقتصادية القاسية والصحية الاقسى لوباء كورونا. فقد نجح نتنياهو من لعب ورقة بعبع كورونا في كل مساء امام عدسات التلفزيون من خلال دعوته غانتس الى الانضمام الى حكومة وحدة بينما هي في الواقع حكومة نتنياهو جديدة، بحجة إعانته على انقاذ الشعب الإسرائيلي. وظهر غانتس وكأنه يقف جانبا صامتا غير مبال بهذه الدعوات، مما اوحي للعامة بأن نتنياهو قديس بينما غانتس اناني يسعى الى كرسي الحكومة ضاربا بعرض الحائط مآسي الناس.

رابعا: كانت المفاوضات بين غانتس ونتنياهو تسير في السر تارة وفي العلن تارة أخرى، وكان حلفاء غانتس منقسمين على انفسهم حيال هذه المفاوضات. فبينما كان اشكنازي يحث غانتس على السير قدماً في نحو حكومة وحدة او طوارئ، وقف لبيد ويعلون في الجانب الآخر من الخندق يعارضان فكرة تشكيل أي حكومة مع نتنياهو، وذلك ليس بدافع مصلحة قومية بقدر ما هو انتقام من نتنياهو لعزله في ما مضى لبيد ويعلون من حكومته. وهنا لاحت في الافق مؤشرات لنتنياهو توحي بإمكانية تفكيك "أزرق أبيض" والقضاء عليه.

خامسا: لعل البعض منا يتذكر ان تفاهمات تشكيل تحالف "أزرق أبيض" في مهدها، تضمنت عدة بنود أساسية لها التحالف منها، تبادل رئاسة الحكومة بين غانتس ولبيد في حال فاز تحالف "أزرق أبيض" بالانتخابات وبنود أخرى تتعلق بالحقائب الوزارية واللجان البرلمانية، وكذلك بأن تسند رئاسة الكنيست للنائب مئير كوهين، من حزب "يش عتيد" بزعامة لبيد، وكان هذا متفقا عليه بين المركبات الأربعة لتحالف "أزرق أبيض".

كانت هذه العناصر الخمسة بمثابة الركائز التي تقوم عليها مواقف "ازرق ابيض" في اتصالاته مع كتلة اليمين ولا سيما مع الليكود، الى ان وقعت مفاجأة ترشح غانتس لرئاسة الكنيست من حيث لم يتوقعها حلفاؤه بل وصدمت بشدة كلا من لبيد ويعلون لدرجة تفكيك "ازرق ابيض"، بينما دعم هذه الخطوة القطب الرابع من "أزرق أبيض"، غابي اشكنازي.

فما هي دوافع غانتس في هذا الانحراف عن مسار حلفائه علما بأنه لا يزال امامه اسبوعان من مهلة التكليف بتشكيل حكومة جديدة التي حصل عليها من الرئيس ريفلين؟


أولا: غانتس لم يكن على قناعة عميقة بأن مرشح تحالف "أزرق أبيض" لرئاسة الكنيست، مئير كوهين، الذي ينتمي الى حزب "يش عتيد"، سيؤدي دوره في رئاسة الكنيست فعلاً بما يرضي غانتس ويتماشى مع نهج "أزرق أبيض" المرسوم مسبقا، وذلك لأن كوهين يعتبر من المقربين جدا من لبيد ومن ليبرمان، وثمة مخاوف جدية تساور غانتس بأنه في حال تولي كوهين رئاسة الكنيست، فمن غير المستبعد أن يعمل على خدمة أجندة لبيد وليبرمان وليس بالضرورة ان ينفذ سياسة "أزرق أبيض".

ثانيا: وعلى الصعيد الشخصي، أراد غانتس ان يستولي على مركز قوة ليكون له كوسيلة ضغط تساعده في المفاوضات مع نتنياهو، ولم ير أفضل من رئاسة الكنيست الشاغرة وسيلة تساعده على المضي قدما في مفاوضات التحالف مع نتنياهو حتى وإن كلفه ذلك التخلي عن حلفائه لبيد ويعلون.

من المعروف ان القانون الإسرائيلي لا يسمح لنتنياهو بتولي أي حقيبة وزارية لأنه مثقل بالتهم امام القضاء، ولهذا فقد استقال من الوزارات الأربع التي كان يتولاها الى جانب كونه رئيسا للوزراء. ولكن ذات القانون لا يتطرق الى تولي رئاسة الحكومة من قبل متهم امام القضاء. وهذا التناقض يعتبر من الأمور المثيرة للسخرية في القانون الإسرائيلي. وعليه فقد تعالت أصوات في المعارضة وأيدتها "المشتركة" و"يسرائيل بيتينو" و"العمل جيشر ميرتس"، تطالب بسن قانون على وجه السرعة يمنع أي متهم امام القضاء من تشكيل حكومة في إسرائيل. أي يمنع نتنياهو من تشكيل الحكومة القادمة.
الرئيس المستقيل للكنيست، يولي ادلشتاين، الليكودي المتحفز، عمل كل ما بوسعه لمنع التقدم بمشروع قانون كهذا للكنيست وماطل بقدر ما كان بوسعه الى أن أدى ذلك في نهاية المطاف الى استقالته من منصبه.

الآن امسك غانتس برئاسة الكنيست كوسيلة يلوح بها من اجل إبرام اتفاق مع الليكود يكون مريحا له ولفريقه من حزب "حصانة لإسرائيل" الذي انشق عن "أزرق أبيض".

ومن بين الأمور التي يسعى للحصول عليها غانتس وهي لا زالت قيد التفاوض مع نتنياهو، صلاحياته كقائم بالأعمال محتمل لرئيس الحكومة وكذلك ضمان توليه رئاسة الحكومة الانتقالية في حال لجأ نتنياهو الى خدعة تفكيك الكنيست والحكومة بعد نهاية مدته في رئاسة الحكومة وهي عام ونصف العام أولا ومطلب 15 حقيبة وزارية لفريق غانتس من أصل حكومة تعدادها 30 وزيرا، أي نصف مقاعد الحكومة، وهو ما سيخلق أزمة لحزب الليكود في كيفية إرضاء بقية حلفائه من كتلة اليمين وكذلك إرضاء ديناصورات الليكود.

ولهذا فإن غانتس الآن يمسك بيده عصا يخشاها نتنياهو وهي ان دعوة الكنيست الى سن قانون يمنع متهما امام القضاء من تشكيل حكومة في إسرائيل، علما بأن ما يمنع غانتس من القيام بذلك الآن هو امكانية الزج بالبلاد في انتخابات رابعة، وتلك مسؤولية أثقل من قدرات غانتس في ظل ازمة كورونا وتراجع شعبيته.

من المنتظر الأسبوع القادم توقيع اتفاق تحالف لحكومة وحدة بين غانتس ونتنياهو وبقية عناصر كتلة اليمين، واتوقع ان يستقيل غانتس من رئاسة الكنيست بمجرد التوقيع على هذا الاتفاق مما سيمهد الطريق مجددا لعودة يولي ادلشتاين لرئاسة الكنيست.