كنوز نت - بقلم : جدعون ليفي و أليكس ليبك هآرتس، 5.3.2020 ترجمة: أمين خيرالدين
ميرال ابنة العشر سنوات تُنازِع سَكَرات الموت وأبوها بعيدا عنها، ولن تكون الأخيرة
توفِّيَت الأسبوع الماضي في المستشفى في نابلس ميرال أبو عمشه، بعد أن اضطرّت أن تقاوم المرض الخبيث وحْدَها. الأب، بقي في غزّة بدون تصريح للدخول ليكون بجانبها، وهذه حالة واحدة من مئات آباء الأولاد والأطفال من مَرْضى السرطان في القطاع، الأطفال الذين يُرْسَلون وحْدَهم لتلقي العلاج ألأليم
توفيّت ميرال أبو عمشه ليلة السبت الماضي بعد مقاومة مرض السرطان، عمرها عشر سنوات فقط. وكما ورد في جريدة "هآرتس"، لم يُسْمَح لوالديها بمرافقتها ليكونوا إلى جانبها، تقريبا على مدى تواجدها في مستشفى النجاح الجامعي في نابلس. وظلت تقاوم المرض بمرافقة جدّتِها.
تلقَّوْا الخبر يوم الأحد من مدير عام المستشفى، دكتور كمال حجازي: "بحُزْن يقطّع قلوبنا نخبركم بأن ميرال قد تُوفّيَت"، هذا ما ورد في الرسالة التي أرسلها لنا، " انتظرتْ شَهْرين للانتقال إلى مستشفى في شرقي القدس أو في الأردن. إيّة نهاية مأساويّة لطفلة جميلة بسبب السياسة".
قبل حوالي شهرين ونصف زرنا ميرال في قسم الأطفال مرضى السرطان في مستشفى النجاح. تلقّت في حينه علاجا كيماويّا صعبا. بعيدة عن والديها المُحاصَرين في غزّة. منعتهما إسرائيل من مرافقتها. كان تبرير الرفض تافها: ""في نموذج طلب الأمّ تفاصيل مخطوءة"

ميرال أبو عمشه، قبل موتها بيوم واحد
كانت ميرال عندما التقيناها في المستشفى تجلس على سريرها بقميصها (التريننغ) الأحمر، وتبدو على وجهها المُعاتاة، والألم والحزن الذي لا يمكن وصفه. تماسكت كي لا تبكي أمام الزائرين، لكنّها أحيانا كانت تنفجر ببكاء يُقطِّع القلوب. توسّلت جدّتها كي نعمل شيئا من أجل السماح لوالديْها ليكونوا بجانبها، يمكن فقط أن نتخيّل ما مرّ على والديها عندما كانوا يسمعون بكاءها في التلفون لساعات وهم ممنوعون من أن يكونوا بجانبها. فقط بعد نشر التقرير في جريدة "هآرتس" سُمِح لأمها أن تحلّ محلّ جدّتها. أما أبوها فلم تره أبدا. ظل سجينا في سجن غزّة ولم يُسْمح له بالحضور ليكون بجانب ابنته وهي تنازع سَكَرات الموت.

هذه رسالة أُرْسِلَت إلى ميرال
اتصل بنا ستيف ووتراس، وهو قارئ من نيوكاسل في إنجلترا، اتّصل بنا السبت الماضي وكتب أن طفلين سودانيين يعيشان في نيوكاسل، هما أشرف ابن عشر سنوات وأخته شافغ، عمرها ثماني سنوات، وهما ابنا صديقه - قد قرءا عن حالة ميرال. وتأثّرا بحكايتها فبعثا لها رسالتيْن. رسمت شافغ على رسالتها قلوبا وعلم فلسطين وكتبت بقلم رصاص" "ميرال العزيزة، أزْعّجني أنّك في المستشفى وأتمنّى أن تتحسّن حالتُكِ . من ألان تأمّلي أن حالتك ستتحسّن، وأنا على ثِقَة بأنّك ستتحسّنين، العالم يتعلّق بكِ. حقا أتمنى لكِ التحسّنَ، أُحِسُّ بما تشعرين".
وكتب أخوها أشرف: "عزيزتي ميرال، أُحِسّ بما تشعرين بما يتعلّق في المستشفى، أنا آسِف جدّا من أجلكِ. أعرف كم تشتاقين لعائلتك. يجب ألّا تفكّرين كثيرا بعد الآن: منذ هذه اللحظة اعتبري أنّ لك عائلة جديدة كثيرة الأولاد الرائعين ".
شخص من نابلس يعرف ووتروس نقل الرسالتَيْن إلى ميرال يوم الخميس الماضي، قبل وفاتها بيوم. ردّت عليهما بإرسال صورة لها، مع ابتسانة باهتة على مُحَيّاها المريض والشاحب جدّا. رأسها بدون شَعْر ترفع علامة تشجيع بإبهامها. يقول ووترس إنه التقى باليوم التالي بالطفلَيْن، وقد سألا عن صحة ميرال. لم يكن قادرا على إخْبارهما أن ميرال قد توفِيَتْ. فطلب من والدهما أن ينقل لهما ذلك. "وقد عرفتُ أنهم سمحوا لأُمها أن تكون بجانبها" لقد كتبَ لنا ووترس، " بأنها لم ترَ والدها منذ شهر ديسمبر/كانون الأوّل. شيء مُحزِن أن يفترقا مدّة طويلة وبعد ذلك لا يلتقيان أبدأ. لماذا بعض الإسرائيليين شرّيرون هكذا؟ لماذا يعتقدون أنّ مثل هذا مقْبول؟ هل الري العام الإسرائيلي يعلم بما حدث؟ أنا أعلمُ أن الإسرائيليين أفضل مما حدث".

الرسالة التي أرْسِلَت إلى ميرال.
.....................................................................
يقول دكتور حجازي، مدير مستشفى النجاح، إنه سيأخذ الرسالتين وسيُبَرْوِزُهما ويعلِّقُهما في زاوية تخليد لميرال سيقيمها في المستشفى في نابلس.
سبب الرفض: ماكث غير شرعيٍّ عمره أربع سنوات
ميرال ليست الطفلة الوحيدة التي تفارق الحياة دون أن يكون أبواها بجانبها. وربّما لن تكون الأخيرة التي تموت لأن والديها ليسا بجانبها في ساعاتها الأخيرة. كما تُظْهِر الأبحاث، إنّ فصل الأطفال مرضى السرطان عن الآباء يؤثّر عليهم كثيرا نفسانيّا وجسديّا. وهي أيضا ليست الطفلة الوحيدة التي تصطدم بصعوبات عند الخروج من غزّة إلى شرقي القدس أو إلى الضفّة الغربيّة للعلاج، دون أن تضع وحْدَة تنسيق أعمال الحكومة في الأراضي المحتلّة أمامها وأمام عائلتها عراقيل بيروقراطيّة وخبيثة لا نهاية لها.
أحيانا تتجاهل وحْدة تنسيق أعمال الحكومة أن ألأمر يتعلّق بأطفال مَرْضى بالسرطان وبإنقاذ حياتهم. ويَنْسَوْن أيضا أن الأمر يتعلّق بعبور الأطفال لتلقي العلاج في مستشفيات فلسطينية، في شرقي القدس أو في الضفّة الغربيّة، وليس في إسرائيل. وأحيانا كثيرة لا تكون الأسباب أمنيّة إنما تكون مجرّد أسباب فنيّة فقط، كرقم تلفون مخطوء. عندما يكون الأمر متعلّقا بإنقاذ حياة طفل مريض أو بتخفيف معاناته، يجب أن توضع جانبا كلّ التبريرات الأمنيّة والبيروقراطيّة. الأمر مختلف لدى أجهزة الاحتلال الإسرائيلي، حيث يجري كلّ شيء حسب قائمة، قائمة الاحتلال.
تناضل جمعيّة أطبّاء لحقوق الإنسان من أجل مصير ثلاثة قاصرين من غزّة مرضى بالسرطان، أحدهم رضيع عمره سنتان. مُنِع الثلاثة من الخروج لتلقي العلاج في الضفّة الغربيّة - يُبَرّرُ الرفض والتأجيل بافتراءات مختلفة. أحد هؤلاء الأطفال المرضى هو ياسين رزقا، ابن أربع سنوات فقط، مريض باللوكيميا. مُنع مرّة من الدخول إلى نابلس وكأن دخوله هذا يشكّل خطرا أمنيٌّا، ومرّة أخرى أبلغوا عائلته أنه ماكث غير شرعيّ في الضفّة، ولذلك مُنع من الدخول لتلقي علاج لإنقاذ حياته، طفل عمره أربع سنوات، مريض بالسرطان.
سنناضل وحدنا تقديم طلبات لتلقي العلاج خارج غزّة
1)* تقديم طلبات للقاصرين * المصادقة على طلبات للقاصرين
الرسم الثاني
2)* تقديم طلبات للأهل كمراغفين * المصادقة على طلب للأهل كمرافقين

في آخر نوفمبر/ تشرين الثاني شُخِّص ياسين الصغير كمصاب بمرض لوكيميا. وفي حديث بواسطة السكايب مع والديْه المتواجدين بالقرب من سريره في مستشفى رنتيسي للأطفال في غزّة، قالوا كيف ارتفعت درجة حرارة جسمه. فاعتقدوا أنه أُصيب بحُمّى حتى بدأ ينزو دما وعندئذ كان التشخيص. لا يوجد في غزّة علاج ملائم له - مثله مثل سائر الأولاد مرضى السرطان- ولذلك وُجِّه لتلقّي العلاج في مستشفى النجاح. أمّ ياسين، ريحانه، 38 سنة، من مواليد بيت عوا بالقرب من الخليل، كما هو وارد في بطاقة هويّتها. سنة 2011، بعد زواجها من زوجها من غزّة، انتقلت إلى غزّة عن طريق مصر، ومن حينه وهي في غزّة، لم تجرأ على طلب الخروج من هناك، خوفا من أن لا يُسْمَح لها بالعودة. توفى والداها في الضفّة ولم تجرأ على طلب السفر للاشتراك في وداعهما، بقصد الخوف من ألاّ يُسْمح لها بالعودة لبيتها بعد ذلك.
هذا هو الفصل بين الضفّة والقطاع. لهذا السبب لم تتجرأ ريحانه على طلب تصريح لدخول الضفّة الغربيّة. كي ترافق ابنَها ياسين. زوجها، إبراهيم، 41 سنة، مع أنه غزّاويٌّ، لكنه غيّر سنة 2000 عنوانه في سجلّ السكان إلى بيت لحم، عندما انتقل إليها وتعرّف بها على زوجته. وهو أيضا يخاف أن يسافر إلى الضفة خوفا من أن لا يُسْمح له بالعودة إلى غزّة، حيث هناك عائلته.
خرج ياسين في ديسمبر/ كانون الأول برفقة زوجة عمّ والده، فريده سعاده لتلقي علاجا كيماويا في نابلس، بعدما حصلت على تصريح. وقد مكث ياسين 46 يوما في المستشفى في نابلس، وهناك بعيدا عن والديه تلقّى علاجا كيماويّا صعبا. بعد ذلك عاد إلى بيته في مخيم دير البلح للاجئين، ولكن بعد أسابيع وُجِّه ثانية إلى مستشفى النجاح لتلقى علاجا إضافيّا. رفضت إسرائيل السماح له بالسفر بحجّة أنه مكث مكوثا غير شرعي في الضفّة. وبموجب المستندات التي بحوزة جمعية أطبّاء لحقوق الإنسان، توجّهت العائلة إلى اللجنة المدنيّة الفلسطينيّة كما هو مطلوب، فردّت اللجنة بتاريخ 16 يناير بأن ياسين "مرفوض". بعد ذلك. في 10 فبراير/شباط، وُضِّح بأنه مُخالِف.
في 25 فبراير/شباط أرسلت سالين وهي من جمعيّة أطبّاء لحقوق الإنسان طلبا آخر للسماح للطفل ولعمّته بالسفر إلى نابلس ليتلقى العلاج. "نطالبكم بالامتناع عن المساس مرة أخرى بصحة الطفل ونطالبكم بالسماح له بالسفر"، هذا ما ورد في الطلب. وقد أجاب في اليوم التالي الضابط شوفال يامين، ضابط استقبال شكاوى الجمهور والإسرائيليين في وحدة تنسيق أعمال الحكومة في الأراضي المحتلّة "أذكّرُ أولاً بأنه وُفْقا لطريقة العمل، يجب أن تُوجّه الطلبات إلى اللجنة المدنيّة الفلسطينيّة حيث هي الجهاز المسؤول عن تركيز وتنظيم نقل طلبات الفلسطينيين من سكان قطاع غزّة إلى الجانب الإسرائيلي. وفي هذا الإطار أحبّ أن أوضِّح أنه لم يُقدّم لنا طلب من اللجنة المدنيّة الفلسطينيّة. ونؤكّد أن طلبكم لن يكون بديلا للإجراءات المذكورة أعلاه. وبناء عليه يجب العودة إلى اللجنة المدنيّة ألفلسطينية"
أضاع ياسين دَوْرَه لتلقي العلاجات، ويقولون في المستشفى في غزّة أن الزمن ليس لصالحه. حاليا يتلقى العلاج الذي يُمْكِن الحصول عليه في غزة بواسطة جمعيّة إغاثة أطفال فلسطين PCRF. لقد تقرّر له هذا الأسبوع دَوْر للبدء بجولة أخرى من العلاج في نابلس. ومرة أخرى أضاع الدوْر. قالت العاملة الاجتماعيّة التي تعمل في مستشفى رنتيسي، وقد كانت تجلس مع الوالدَين عندما أجرينا المحادثة بواسطة السكايب، إنّ الأطباء يخْشَوْن على حياة ياسين إن لم يتلقّ كامل العلاج الكيماوي اللازم له.
نسبة الطلبات التي قُدّمَت للحصول على تصاريح لمرافقة الأهل لقاصرين وقاصرات مِمَنْ وُجِّهوا لتتلقي العلاج خارج غزّة

بعد مضي ساعات على توجّه جريدة "هآرتس"، تلقّى الأب هذا الأسبوع من جيش الدفاع اسرائيلي كتابا بعنوان "بلاغ": "ابلغُكَ بأنه قد ووفق على طلبك للحصول على تصريح بالانتقال من منطقة يهودا والسامرة إلى قطاع غزّة على خلفيّة إعلانك بأنّكَ تنوي نقلَ مقر حياتك إلى قطاع غزّة"، كما ورد في البلاغ.
طُلِبَ من ابراهيم ألتوقيع على مُسْتند يفيد بأنه يتنازل عن مكان سكناه وعنوانه في الضفّة الغربيّة. لكن، حسب أقواله، بأنه لم يطلب أبدا استمارة انتقال كهذه، وهذا بسبب ضغط السلطات التي اختلقت وجود هذا المُسْتَنَد. وأضاف بأنّه لا ينوي التوقيع على هذا المستند. وطلبَ الأب من جمعية أطباء لحقوق الإنسان العمل من أجل الحصول على تصريح سفر له مع ابنه. فقط أن تعهدت الجمعيّة بعودته إلى القطاع بعد الانتهاء من العلاج، بالضبط كما تطلب ذلك زوجته.
صرّح الناطق بلسان جمعية أطباء لحقوق الإنسان بأنه في مُعْظم الحالات تُطالب الجمعيّة بشدّة بأن يسافر الأولاد المرضى برفقة ذويهم. ولكن، حسب أقواله، "في هذه الحالة، بما أن الجمعيّة لا يُمكِنها أن تتعهد بعودة الأب إلى غزّة - وبسبب رفضه التوقيع على مُسْتند نقل مكان سكناه. ستعمل اللجنة على أن يسافر الطفل ولو بمرافقة شخص آخر غير والديه"-
حاليا يرقد ياسين في مستشفى رنتيسي. يقول والداه أنه يقلّل من الأكل، وعادة عندما يأكل يتقيّأ ما يأكله. يعاني من الضعف، ومن عدم السيطرة على قضاء حاجاته ومن الضغط الشديد، لا يمكنهم الابتعاد عنه. ويُمنع الزائرون عنه، بسبب حالته. " لسنا وحدنا سجناء، كلّ سكان غزّة سجناء" هذا ما يُلخِّصه الأب وهو في المستشفى.
وقد صرح مسؤول في وحدة تنسيق اعمال الحكومة في الأراضي المحتلّة: " لقد ووفِق على طلب ياسين رزقا على السفر بتاريخ 15.3.20 من أجل تلقّي العلاج الطبّي في منطقة يهودا والسامرة بعد فحص الجهات الأمنيّة والموضوعيّة. ونذكّر بأن طلب ياسين رزقا قد رُفِضَ في الماضي لأنه ليس مُحدّدا كمواطن من قطاع غزّة. لكنه مسجّل كمواطن من الضفّة الغربيّة. وبناء عليه توجهت مديريّة التنسيق والارتباط في قطاع غزة إلى الجمعيّة المدنيّة الفلسطينيّة بطلب كي تقوم عائلة رزقا بتحديد مكانتها من أجل الاستمرار ببحث طلباتها بدون الحاجة إلى خروقات.
"ننوّه إلى أنه في سنة 2011 صودق على طلب أبيه، إبراهيم رزقا، لتغيير مكان سَكَنِه كمواطن في الضفّة الغربيّة إلى مواطن في قطاع غزّة. وخلافا لطلب إبراهيم، لم تقدّم زوجته طلبا لتغيير عنوان سَكَنِها ولم تدخل قطاع غزّة عن طريق معبر إيرز، ولهذا تُعْرَف كمواطنة الضفّة الغربيّة، وهكذا يُعْرف ابنها".
7.3.2020
07/03/2020 08:10 pm 7,927
.jpg)
.jpg)