كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني


مِيزانُ الجَنَّةِ الإِحْسانُ للوالِدَيْن!


السَّلامُ عَليكُمْ والرَّحمَةُ لَكُمْ مِنْ المَولى تَعالى!

أَعِزائِي وعَزيزاتي الأُخْوةُ!

دَعُونا اليَوْمَ نُرَفِّهُ أنْفُسَنا بِبَعضِ الحِكاياتِ الجَميلَةِ عَلىَ لِسانِ خَلْقٍ مِنْ خَلْقِ اللهِ! أُمْثُلَةٌ فِيها إسْتأذَنَ قَطْقُوطُ(صَغيرُ القِطِّ) أَمَّهُ لِيخرُجَ في رِحلَةٍ قَصيرَةٍ، وَكَانَ الطَّقْسُ خَريفَاً بارِدَاً والرِّياحُ تُراقِصُ أوراقَ الأَشْجارِ، الَّتِي تَخلَّتْ عَنْ لَونِها الأخَضرِ وآكْتَنَفَتْ البُنِّي وَالأصْفَر أوْ الَأَحْمَر، ثُمَّ فَرَشَتْ الأَرْضَ بِها وَأبْقَِتْ الأَشْجارَ عارِيةً تَرْفَعُ أغْصانَها لِلسَّماءِ، كَأَنَّها أَيْدِيَ الطَبيعَةِ مُتَوَجِّهَةٌ وَمُسْتَرْسِلَةٌ بِالدُّعاءِ لِلهِ أَنْ يَبْعَثَ الغَيْثَ مَعَ الرِّياحِ، فَتَعُودُ هِيَ لِتُورِقَ وتُعطِيَ ثِمارَها وَتَرْجَعُ الحَشائِشُ والأَزهارُ لتَنْمُو، فَتُزَيِّينَ الأَرْضَ في الرَّبيعِ المُقْبِلِ، فَتَجعَلَ أَصابِعُ الطَّبيعَةِ مِنْها لَوْحَةً فَنِّيَّةً رائِعَةً مُلَوَّنَةً سُبْحانَ مَنْ أبَدَعَ وَرتَّبَ ألْوانَها، قَالَ تَعالى (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) وقالَ عَزَّ جَلالَهُ: (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ)، وقالَ سُبْحانَهُ؛ (الذي يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ وَكَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ)؛ وقالَ: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ۚ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)،وَهكَذا تَعُودُ الحَياةُ وَالأَمَلُ لتُخَيِّمَا عَلَيْنا بَعْدَ سُباتٍ طَويلٍ.


إسْمَعُوا إخْوَتي! في طَريقِهِ قَطْقُوطُ إلتَقَى أَعِزائِي بالسَيِّدِ قُنْفِذ! كَانَ يَعمَلُ لِتَخزينِ الطَّعامَ للشِتاءِ، ثُمَّ صادَفَ السَيِّدَ سِنجابَ وَهُوَ على أَغْصانِ الأَشْجارِ يَجْمَعُ البَلُّوطَ هُوَ الأَخَرُ، ولَمَّا تابَعَ في سَيرِهِ إجتمَعَ بِالخُلْدِ الَّذي كَانَ مَريضً بالزُّكامِ، فَعاوَنَهُ وَأرْشدَهُ إلى بَيْتهِ بَعْدَ أَنْ وجَدَهُ قَدْ كَدَّ وتَعِبَ في جَمعِهِ لمُونَتِهِ، فالكُلُّ إذاً قامَ بِدَوْرِهِ وَسَعَى لِرزْقِهِ مُعْتَبِرَاً حالاتِ الطَّقْسِ والطبَّيعَةِ، شاكِراً راضِياً وقَنُوعَاً بِما يَنْعَمُ اللهُ عَلَيهِ مِنْ خَريفِهِ إلى شِتائِهِ ثُمَّ رَبيعِهِ، فَفَكَّرَ القَطْقُوطُ بِعَطاءِ اللهِ ونِعَمِهِ وعَظَمَةِ خَلْقِهِ، وَعَادَ إلى أُمِّهِ لِيَزِفَّ لَها أخْبارَ الدُّنْيا وقَدْ تَعَلَّمَ الكَثِيرَ، فقالت له ألأُمُّ: (مَهْلاً يا صَغيري! سَتُصادِفُ وَتَرَى الكَثِيرَ في حَياتِكَ عَزيزي! مِنْهُ الحِلْوُّ ومِنْهُ المُرُّ، أَمَّا نَصيحَتِي لَكَ، أَنْ تَأْخُذَ ما يُفيدُ وَتتْرُكَ مَا لا يَنْفَعُ ومَا لا يُغْنِيُّ ولا يُسْمِنُ مِنْ جُوعٍ)!
هَكَذا وعَظَتْ ألأُمُّ إِبْنَها وَعلىَ وجْنَتَيْها البَسَماتُ مِمَا أظهَرَ لَها مِنْ إنْفِتاحٍ، وَدَعَتْ لَهُ التَوفيقَ.

إن ألأُمَّ إخْوتي، إِنْ كانَتْ بَشَرَاً أَوْ حَيَوانَاً! فَهِيَ المَخْلُوقُ الَّذي زَرَعَ اللهُ فِيهِ غَريزَةَ الأُمُومَةِ مِنْ الحُبِّ والرَّحْمَةِ والعَطْفِ والسَّعادَةِ والطَّمأْنِينَةِ، فَتَحْمِلُ مَوْلُودَها وَتَرْعاهُ بِكُلِ جَوارِحِها مُنْذُ تَشْعُرُ بِهِ في أَحْشائِها، فَتَأْكُلُ حَتَّى تُغَذِّيهِ وتَرعَى نَفْسَها خوفً علىَ صِحَّتِهِ قَبْلَ ما لَها، فُتُصْبِحُ مَخْلُوقً فاعِلاً تَقْبَلُ لِنَفسِها دَورً لا يَزيدُ عَنْ كَوْنِها مَلْجَأً يَحْمِيُ ويُدافعُ عَنْ طِفْلَها، وَتَتَحَمَّلُ المَشَقَّةَ والأَلَمَ مُدَّةَ الحَمْلِ مِنْ أَجْلهِ، وَتُقاسِمُ جَسَدَها ورُوحَها مع مَخلُوقٍ شاءَ اللهُ لَهُ أَنْ يَكُونُ جُزْءً مِنْها، ولمَّا يُولَدُ تَنْسى الأَلَمَ وَتُبانُ وتَشِعُ بَسَماتُ الفَرحَةِ علىَ وَجنَتَيْها، وَالدُّمُوعُ...أعِزائي! تَسِيلُ مِنْ عَيْنَيْها إبْتِهاجَاً وسُرُورَاً وأرْتِياحَاً بِقُدُومِهِ فَيَنْشَرِحُ صَدْرَها ويَزْدادُ حُبُّها لَهُ يَوْماً بَعْدَ يَومٍ، ثُمَّ يَسِيل حَليبُها وتَدِر ُّ مِنْ ثَدْيَيْها تِرياقً مباركً، لِتُسَلِّحَهُ بالغِذاءِ المُفيدِ الَّذي يَصُونُهُ ويَقِيَهُ مِنْ الأَمراضِ.

إِنَّها ألأُمُّ أَعِزائي! وَالكائِنُ الذي شُرِّفَ وجُعِلَ مَرْكَزُهُ رمزاً لِلْوُصولِ إلى أَعْظمَ مَرْتبَةٍ، يَرْجُ ويَحْلَمُ الإِنْسانُ المُؤمِنُ المُحْسِنُ إلَيْها، فَقالَ الرَّسوُلُ: (الجَنَّةُ تَحْتَ أَقْدامِ الأمَّهاتِ)، وَقالَ تَعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً* وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيراً)، فَمُنْذُ أنْ خَلَقَ اللهُ الأُمَّ بِضَعْفِها إمْتداداً لأدمَ أبُو الكَوْنِ، لِيَتَكاثرَ النَّاسُ وتُعْمَرُ الأَرضُ لِيُؤَدُّوا الأَمانَةَ، جَعَلَ الحاجَةَ لها في كُلِّ مَكانٍ وفي كُلِّ شَيْءٍ وَبِدُونِها لا يَصْلُحُ أَمْرً، وَفِي الأَمْرِ كُلِّهِ أَحْبابي لَها الفَضْلُ وَمَهْمَا تَكَلَّمْنا عَنْها فَلا نُوفِيها حَقَّها، لِهذا بَيَّنَ اللهُ في كِتابِهِ أَحْسَنَ الأَخْلاقِ مَا يُوْجَبُ للوالدين تأكيداً لشأنها، فَربَطَها بِالعِبادَةِ الَّتي لا تَصْلُحُ إلاَّ لَهُ، وأضافَ رَسُولهُ الَّذي لا يَنْطُقُ عَنْ الهَوَى أنَّ الجَزاءَ الجَنَّةُ لِمَنْ يَعْمَلُ بِها، ُأعتماداً على قَوْلِهِ تَعالى، فَأَطاعَ اللهَ وأحْسَنَ وأذْعَنَ لِوالِدَيْهِ، وتَذَلَّلَ إلَيهُما فَلَمْ يُؤْذِهُما وَدَعَا اللهَ أَنْ يَرْحَمَهُما لِما يَسْتَحِقا.

وفَقَنا اللهُ أخْوتِي ولا تَنْسُوا أنَّ طاعَةَ أُمَّهاتِكُم وأَبائِكُم واجِبٌ، حتَّى يَرْحَمَكُم اللهُ ويُحْسِنُ إلَيْكُم، ويَحْتَرِمُكُم أوْلادُكُم قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ!
السَّلامُ عَليكُمْ ورَحَمَةُ اللهِ وبَرَكاتُهُ!