كنوز نت - بقلم : جدعون ليفي و أليكس ليبك هآرتس، 23.2.2020 ترجمة: أمين خيرالدين


أُطْلِقَت النار على شُرْطيٍّ عندما كان يقف داخل محطّة الشُرْطة، فقُتِل

كنوز نت - أطلقَ جنديّ من جيش الدفاع الإسرائيلي النار عن بُعد يزيد عن 100 متر على شُرطيّ فلسطيني كان واقفا يتحدّث مع زملائه. في البداية أدعى جنود جيش الدفاع الإسرائيلي أن إطلاق النار كان من جهة مركز الشرطة، لكن بعدما أثبت شريط الفيديو أن الحقيقة غير ذلك – قالوا إن التحقيق لم ينته، إبنا الشاويش طارق بدوان تيتّما


 تَيْم، ابن الشرطيّ، بجانب صورة أبيه، طارق تصوير: أليكس ليبك
      
شريط الحراسة الذي صُوِّر من داخل مركز الشرطة الفلسطينيّة، لا يترك مجالا للشكِّ: يظهر في الصورة الباهتة ثلاثة رجال شرطة فلسطينيين يقفون عند باب المخفر يتحدثون بهدوء. فجأة، وبدون سابق إنذار، ترنّح أحدهم وسقط على الأرض. كان ذلك طارق بدوان الذي قُتِل بنيران جنود جيش الدفاع الإسرائيلي، على ما يبدو أن قنّاصا ماهرا، أطلق نحوه رصاصة واحدة عن بُعْد كبير باتجاه محطّة الشرطة. كان عُمْرُ بدوان 25 سنة عند وفاته، كان أبا لطفلَيْن، من سكان قرية عزّون الواقعة بين نابلس وقلقيليه، زوجته أردنيّة وعائلته رجال شرطة. كان جدّه شرطيّا في الشرطة الأردنية، والده شرطيّ متقاعد من شرطة رام الله وأحد إخوته يخدم شرطيّا في طول كرم. خدم طارق في شرطة جنين، تجنّد قبل سنتَيْن كجدّه وأبيه وإخوته، وقد قُتل أثناء قيامه بواجبه، أو كما يُقال، أثناء عدم قيامه بواجبه.
   
 
 الشرطة الإسرائيليّة هي أكثر الأجهزة الخاضعة والمتعاونة مع جيش الدفاع الإسرائيلي وقوّات الأمن الإسرائيليّة. حين يقتحم جيش الدفاع الإسرائيلي ايّة مدينة فلسطينيّة في منطقة A ويُعكّر الأمن بتصرف فظٍّ خلافا لما اتُّفِق عليه في أوسلو، تتراجع قوّات الأمن الفلسطينيّة إلى داخل محطّات الشرطة الفلسطينيّة، يختبؤون بها ولا يَظْهِرون في الشوارع، حتى ينصرف الشر، ويخرج الغُزاةُ، وذلك كي لا يعرقلون عمل صيانة الشوارع – الدوريّات، التفتيش، الاعتقالات، استعراض العضلات وهدم البيوت.
  
 وهكذا يبقى سكان المدن الفلسطينيّة بدون حماية من قوّات الأمن الفلسطينيّة، بينما في واقع آخر، سليم، كان من واجبهم أن يدافعوا عن سلامة المواطنين الفلسطينيين وأملاكهم،لأن أمنهم وسلامتهم صارت مُباحة تماما ولا أحد يدافع عنهم. هكذا هو "التنسيق الأمني": كلّه من أجل أمْن جانب واحد فقط، لا أحد غيره. وهكذا ردّت إسرائيل الآن الجميل لخنوع الشرطة الفلسطينيّة بمقْتَل أحد أفرادها، داخل محطّته، بعدما اختبأ بها طيلة الليل مع زملائه من رجال الشرطة، بسبب غزو جنود جيش الدفاع الإسرائيلي للمدينة.
     
وصل جيش الدفاع الإسرائيلي في تلك الليلة، 6 شباط، لينفّذ عمليّة ليست هامّة وليست وضروريّة: ليهدم للمرّة الثانية بيت عائلة مُخرِّب، بعدما تجرأت العائلة وبنته مرة أخرى. كان التوقيت ناجحا بصورة لا مثيل لها: بعد أيّام من الإعلان عن "صفقة القرن"، في الوقت الذي ساد التوتّر المدن الفلسطينيّة عامّة وجنين خاصّة. هكذا عندما يضغط المستوطنون بانفلات ينفّذ وزير الأمن مطالبهم: أسرع جيش الدفاع الإسرائيلي لتلبية طلبهم بشكل مُخيفة. بيت عائلة أحمد قنبع،الذي اشترك مع أفراد الخليّة التي قتلت الكاهن رزيئيل شيبح من البؤرة الاستيطانيّة حفات غلعاد في يناير/كانون ثاني عام 2018 . هل كان ضروريا هدم البيت في نفس الليلة. هل كان من غير الممكن تأجيل هذا العقاب الجماعي، هذه العقوبة التي صادق علييها قاضي المحكمة العُلْيا، نوعم سولبرغ وقائد منطقة المركز، نداف فدّان. كانت القوات شاملة كبيرة ، اقتحمت في منتصف الليل مدينة جنين، فسارعت شرطة جنين إلى الاختباء في مخافرها المنتشرة في أنحاء المدينة كما هو مُتّبَع. وأيضا الشاويش بدوان، حيث كان يقوم بدوريّة ليليّة في المدينة، سارع إلى الدخول مع زملائه إلى مخفر الشرطة في ميدان البطيخة، ميدان البطيخة، حيث يوجد نُصْبا كبيرا ومُلونا لبطّيخة وسطَ الميدان.
    
كان الوقت متأخرا في الليل. عندما دخلت القوّات من جهة قرية سالم، من الجهة الغربيّة للمدينة، مع عشرات المركبات المجنزرة والمُدرّعة. كان المنزل المُقرر هدمه في حيّ البساتين، شمال غرب جنين، لكن مقاومة اقتحام جيش الدفاع الإسرائيلي امتدت إلى كل أنحاء المدينة. قُتِل بدوان حسب تسجيلات الشرطة الفلسطينيّة الساعة 1:42 ليلا، كان يقف مع اثنين من رجال الشرطة عند مَدْخَل المخفر. أمّا الجنديّ الذي أطلق النار على بدوان كان يقف على هيكل بناء في مرحلة البناء عند الجانب الآخر من الميدان. يقول مُحقّق منظمة بتسيلم، عبد الكريم السعدي، كان يفصل بين القنّاص وضحيّته 100 – 120 مترا بخطّ هوائيٍّ. عائلة القتيل مُقْتَنِعة بان القناص كان مُدرّبا جدّا: كان الشاويش بدوان يرتدي في نفس الوقت ثوبا مانعا للرصاص وأن الرصاصة دخلت لجسمه عن طريق خاصرته، بالضبط عند خط الدَرْزَة بين جزئي الثوب، انفجرت الرصاصة في جسمه، وانتشرت الشظايا في كل الاتجاهات فدمّرت الجهاز الهضمي والعمود الفقري، ولم يبقّ لبدوان أيّ أمل في الحياة مع الجروح.

الغضب أكبر من الحزن

   
 يقع بيت العائلة في قلب بلْدة عزّون، في حيٍّ زراعيّ هادئٍ، محاط بأشجار الزيتون، لاح الربيع في الهواء هذا السبوع، باستثناء بعض أعلام صفراء صغيرة لمنظمة فتح، ليس هناك أيّة علامات تُشير إلى جوٍّ جديد من الحداد. حتى في صالون البيت لا توجد صورة للمتوفّى، عندما طلبنا رؤية إعلان الوفاة ، ظهر وجهه.
  
يبدو غضب والده كأبٍ ثاكل أكثر ممّا يبدو حُزْنه. كأبٍ وكشرطي لا يستوعب كيف أن الإسرائيليين أطلقوا النار على ابنه داخل مخفر الشرطة حيث يعمل، بدون أن يقترف ذنبا، يقول إن طارق كان إنسانا طيّبا وأحبّه الجميعُ. يروي الأبُ، أنّ كلّ رجال الشرطة في جنين انفجروا بالبكاء عندما علموا بموت زميلهم، الشاويش بدوان.
  
 يذكر الأب عددا من الأحداث التي اشترك بها هو وابنه خلال السنين في إنقاذ إسرائيليين أضاعوا طريقهم، في نابلس، في جنين وفي طول كرم، والآن يقتلون ابنه، أحيانا كان يرتفع صوته، ومرة صرخ قائلا: "سيدمّرِكم جيشُكم".
     
في البداية حاول جيش الدفاع الإسرائيلي الادِّعاء بأنّه كان إطلاق نارٍ من جهة مخفر الشرطة أو أنه أُلْقيَت زجاجة حارقة على الجنود، ولكن سرعان ما أُلْغي هذا الادِّعاء، بعدما عرضت الشرطة الفلسطينيّة شريط فيديو ظهر فيه بدوان واقفا مع زملائه يتحدّث معهم بهدوء، لحظة قبل قتْلِه. عاد من الدوريّة وبقي مع الثوب المانع للرصاص الذي يحمي جسمه، ينتظر مع زملائه خروج القوّات الإسرائيليّة، كي يعود مع زملائه لممارسة مهامهم في الشوارع. يقول محقق منظمة بتسيلم السعدي بأنه بعد وقت فصير من إطلاق النار اتّصل أحد القادة العسكريين الإسرائيليين بقائد شرطة جنين وعرض عليه تقديم المساعدة الطبِّيّة الممكنة لبدوان، لكن هذا العرض كان مُتأخِّرا جدا.
      
كان للشرطي المُتقاعد لؤي بدوان أربعة أبناء وابنة. اثنان من أبنائه كانا شُرْطيّين، وأحد أبنائه مدرِّب لياقة بدنيّة في الأردن والرابع أنهى مؤخرا تعليمه وحصل على الدكتوراة في الاقتصاد من جامعة موسكو. بيت العائلة واسع، كان لؤي يسوق سيّارة جيب. يقول الأب إنه لم يتصوّر أبدا بأنّ هذا سيحصل لابنه الشرطي. "كنتُ ضابطا في الشرطة، وظيفتنا المحافظة على النظام وعلى الأمن. نحمي المواطنين، والإسرائيليين منهم". تذكّر كيف دافع سنة 2001 عن مجموعة من المُصلّين اليهود في قبر يوسف وتصدّى لغضب الجماهير الفلسطينيّة.

لا أحدّ يتحمّل المسؤوليّة

     
 وُلِد طارق في مدينة الزرقا في الأردن. انتقلت العائلة إلى عزّون بعد اتفاقيّة أوسلو. سنة 2015 تزوّج من رشا، أردنية من مدينة إرْبِد وليست فلسطينيّة. تمّ الاحتفال بالزواج في الأردن. لم تزُر الضفّة الغربية وبيت العائلة في عزّون حتّى ترمّلت، عمرها اليوم 26سنة، الآن هي مُنْزَوية في الجزء الخلفي من البيت مع طفليْها، تَيْم ابن ثلاث سنوات وأرام ابن سنة، وقد تَيَتّما من أبيهما. حصلت رشا على تصريح بالمكوث في الضفة الغربيّة لمدة شهر كمُعامَلة خاصّة، لكن العائلة ترغب في بقائها الدائم مع وَلَدَيْها، من غير المؤكّد أن يُلبّى طلبُها.
    
 بعد تاريخ مقتله بيومين، كان من المفروض أن يسافر طارق إلى الأردن، ليبقى مع زوجته وولديْه.أعتاد أن يسافر إلى هناك مرة كل شهرَيْن، ليبقى معهم أسبوعَيْن. باقي الأيّام كان يبقى في محطّة الشرطة في جنين. زار بيته في عزّون قبل مَقْتَله بأسبوعَيْن. نُقِل بعد إطلاق النار عليه إلى مُستشفى الرازي في جنين وقد أعطي عشرات وجبات الدمِ لكن هذا لم يساعد. وصل ابوه إلى المستشفى بسرعة، بعد أن اتّصل به قائد مخفر الشرطة تلفونيّا، استمرت مراسيم الوداع يومين. ابتدأت المراسيم في محطّة الشرطة في جنين وانتهت عند المدافن في عزّون.
    
توجّهت جريدة "هآرتس" هذا الأسبوع إلى الناطق بلسان جيش الدفاع الإسرائيلي وهذا اكتفى بإجابة مقْتَضَبَة بأن "التحقيق لم ينته بعدُ". هذه الإجابة لم تُرْض الأب. "إسرائيل لم تتحمّل أيّة مسؤوليّة"، كما يقول.

لماذا تعتقد أنّهم أطلقوا النار على ابنك؟

"كانت هذه رسالة للسلطة الفلسطينيّة. هذه رسالة من نتنياهو. هذه نتيجة التربيّة التي نمت عليها أفكاره. الدم الفلسطينيّ رخيص، لا ثمن له. أنا رجلُ أمْنٍ. رأيت شريط الفيديو. لا شك عندي في أن ابني طارق قُتِل برصاص قنّاص ماهر وعن قَصْدٍ. أطلق النار على أضعف مكان في جسمه، حيث الثوب الوقائي لا يحمي". دُفِن طارق في عزون، بالقرب من بيت العائلة، "كي أراه كلّ يوم وكي أتذكّر كلّ يوم ماذا فعل الجيش الإسرائيلي".
   فجأة دخل تَيْم إلى الغرفة بمعطف أحمر وأسْود. طفل مُدلّل، لم يقُلْ له أحدٌ أن أباه قد قُتِل. وعندما سأله جدّه أين أبوك، صمَتَ وأشار بإصبعه إلى صورة التخليد لأبيه.