كنوز نت - بقلم إبراهيم أبو صعلوك


ليس للحب عيد بل الحب عيد دائم


إن اختزال الحب في يوم واحد امتهان له، وعدم انصاف في حقه، فمن المتفق عليه ومن المتوارث بين الناس على مدار العصور، ان الحب هو ارقى وأنبل العلاقات الانسانية، فهو تلك العلاقة التي تربط الطفل بوالديه، والأخ بأخيه والزوج بزوجته والجار بجارة وعلى رأس هذا كله العبد بربه، فهو عموما الرابط واللحمة اللذان يوثقان ويرسخان جميع انواع العلاقات الانسانية، وإذا فقد غاب هذا الرابط وهذه اللحمة ايضا. 

تنبري اقلام الكتاب والسنة اللناس في هذا اليوم الذي يسمى "عيد الحب" مدحا وقدحا فيه، ولكن ليس هذا هو المهم بل المهم هو معرفة جوهر الحب الحقيقي نفسه، وما يترتب عليه من الوفاء والصفاء والنقاء. خاصة ونحن نعيش في عصر أصبح الحب الحقيقي فيه مفقودا، لا بل تحول الحب إلى وسيلة لنيل المأرب والمطالب وإشباع الشهوات، فكثرت الخيانات، وتكاثرت الطلقات، حيث يحدث كلّ ذلك جراء التيمم بالغرب الذي لا يعرف للحب الحقيقي سبيلا إلا الشهوة والعشيقات وإهداء بعض الوردات.


لم تقتصر مظاهر غياب الحب الحقيقي في هذه الأيام على الخيانات الفردية بل هناك خيانات متعددة أو جماعيّة للحب وباسم الحب، فحين تسأل بعض الشباب أو حتى الشابات يقول لك بلا خجل ولا وقار متفاخر، أنا على اتصال بأكثر من فتاة وكذلك البنت.

في ظل هذا الموت الرهيب الذي ألم بالحب، ينبغي أن يتذكر الانسان العربي حال الحب الشريف العفيف، يوم كان له قيمة عند أجدادنا، حيث لا تكاد تجد قصيدة تخلو من مظاهر الحب الذي يتجلى في التغزل المستور العفيف الشريف بالحبيبة.

 تتجلى جل مظاهره الحب في عيده المزعوم، في تقديم الرجال للنساء الورد الاحمر الذي يأتي في كثير من الأحيان ليخفي الكثير من المناكفات والنزاعات والخيانات، بينما كان الحب عند العرب قديما حتى في جاهليتهم بلا عيد، لكن مظاهره حقيقة تتجلى في صدق العاطفة وحسن الادب ورقة الذوق ونبل الاخلاق، فعلى سبيل المثال لا الحصر، ها هم هؤلاء الشعراء مثل، عمرو بن أبي ربيعة، جميل يثينة، قيس بن ذريح (مجنون لبنى) وقيس بن الملوح (مجنون ليلى) وعفراء بنت مهاصر بن مالك بن حزام قد عشقوا حتى بلغ عشقهم درجة الجنون، لكنهم مع ذلك لم يجرحوا الأدب، والأخلاق، وبقوا على الوفاء والصفاء، حتى بعد زواج من يحبون من غيرهم. فها هي عفراء بنت مهاصر التي تزوجت غير محبوبها تستأذن زوجها لما علمت بموت محبوبها لتزور قبره قائلة: "قد تعلم ما بينك، وبيني، وبين الرجل من الرحم، وما عندي من الوجد، وإن ذلك على الحسن الجميل، فهل تأذن لي أن أخرج إلى قبره فأندبه؟ فقد بلغني أنه قضى". قال: "ذلك لك"، فخرجت حتى أتت قبره فبكت طويلا، ثم أنشدت ابياتا في قمة الروعة، تجسدت من خلالها قمة الخلق النبيل من جانب زوجها والوفاء الأصيل الشريف من جانبها، وقيمة الحب الذي يعتبر عيدا دائما.

زد على ذلك، يعلمنا رب العزة جل في علاه، أن الحب الحقيقي الصادق يولد النجاة، حيث يقول مخاطبا سيدنا موسى عليه السلام " وألقيتُ عليك محبة مني ولتُصنع على عيني" فلما وقع الحب وقعت النجاة، فنجى موسى من فرعون. من هنا من أرد سبل النجاة من آفات العصر المعروفة لنا جميعا في هذا المجال عليه بالصدق في الحب كما كان عليه أجدادنا وجعله عيدا دائما لا يوما عابرا، وحينها سيتعذر اختزال الحب في يوم عيد واحد، لأنه ليس للحب عيد بل الحب عيد دائم.