كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني


تحقيق المستحيل ممكن ولو أعيانًا!



السَّلامُ عَليكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وبَرَكاتُهُ!


بَسمِ الأَحَدِ الصَّمَدِ، أَيُّها الإخْوَةُ الأََعِزاءُ، يا أَشْرَفُ النَّاس، إِ يا أعزُ الناسُ! إنَّ أَجْمَلَ وأَرْوَعَ مَا في الحَياةِ، أُمُورٌ واضِحَةٌ وسَطُيَّةٌ مُعْتَدِلَةٌ فِيها الحَقائِقُ وَالوَقائِعُ حَتَّى الدَّقيقَةَ مُتَّفَقً بِشأْنِها، فَتَكُونَ سَلِسَةً ولا خِلافً عَلَيْها بَيْنَ النَّاسِ، حِلْوَةً كَانَت أَوْ شَنِيعَةً، مُقْرِفَةً أَوْ فَظَّةً. فَالصِّحَةُ السَّليمَةُ الجَسَدِيةِ وَالعَقْلِيَّةِ مَثلاً، تُحافِظُ على سُلُوكِيَّاتٍ يَفْرَحُ القَلْبُ بِها، وَيَهْدَأُ الفِكْرُ، وَتنْعَمُ الحَياةُ! واَلأَمْراضُ إِخوَتي! أَنْواعٌ مِنْها مَنْ نَعْرِفَها وَلَها تَعْرِيفٌ وَتَقْيِّمٌ مُشْتَرَكٍ في الْوَصْفِ وَالمُعامَلَةِ وَالعِلاجِ، مِنْها لَهُ حَلٌ، وَأََخَرٌ لا وَسِيلَةٌ لِلْوُصولِ إِلَيْهِ في الْحالِ، وَمِنْها مَا هُوَ مُسْتَعْصِيٌّ مَثَلاً، يُقالُ عَنْهُ؛ "لِكُلِّ داءٍ دَواءُ يُسْتَطَبُّ بِهِ الأ الحَماقَةَ أَعْيَتْ مَنْ يُداويها"، إِنَّهُ السَّقَمُ الَّذي نَحْتاجُ إلى زَمَنٍ قياسِيٍّ لِلْشفاءِ، وَرُبَّما لا نَصِلُ في النِّهايةِ إلى نَتائِجٍ، كأَنَّنا بِِمُحاوَلاتِنا كُنَّا نَنْفُخُ في الرَّمادِ، أَوْ نَمْلأُُ وِعاءً، تَتَخَلَّلُهُ ثغْرَةٌ كَبِيرَةٌ في أَسْفَلِهِ، فَكُلَّما أَضَفْنا فِيهِ سائِلاً فَقَدَهُ!

هَذهِ حَقيقَةُ الحَماقَةِ والإِنْسانِ الأَحْمَقِ، الَّذي أَرْهَقَتْ حالَتُهُ المُلُوكَ والمُفَكِّرينَ وَالحُكَماءَ وَلا سِيَّما الشُّعَراءَ، فَكَتَبُوا يُظْهِرونَ حالاَتٍ تُصيبُ البَشَرَ، مِنْ عِنادٍ، وَجَهْلٍ ، وفَقْرٍ في العَقْلِ، وسَخافَةٍ في التَّصَرُّفِ والرَأْيِّ، وَبَلاهَةٍ بالتَّدْبِيرِ وَالْعَمَلِ بِأُمُور ٍأَساسِيَّةٍ في الحَياةِ، ناهِيكَ عن الأُمُورِ الَّتي لا يَصْلُحُ فِيها كَالعُلُومِ، وَلِهذا يُحْذَرُ الأَخْذُ بأَقْوالِ هَذا الإِنْسانِ، فَهُوَ ثِقَلٌ كَبيرٌ على المُجتمعِ بِأَسْرِهِ! فَكَيْفَ إذاً تَفَشَّى كَوَباءٍ! كَأَنَّهُ فِيرُوسٌ يُصِيبُ أَجْهِزَةَ الجِسْمِ، خاصَّةً إِذا كانَ الدِّماغُ المَرْكَزَ المُسْتَهْدَفِ، وَلا يَعُدُ يَعْرِفُ الصَّحَ مِنَ الخَطَأِ، ويَكُونُ الأحمقُ الضَرَرَ على الأُمَّةِ بِمَقاييسٍ خَيالِيَّةٍ، تَجُرُّ إِلَى تَقَهْقُر ٍسَريعٍ والْدُّخولِ في مُسْتَنْقَعٍ كّبيرٍ!

إِنَّ هَذا الإِنْسانَ نَفْسُهُ نَفْسُ غَيْرِهِ مِنَ البَشَرِ مِنْ ناحِيَةِ الخَلْقِ، لَكِنَّ العَوامِلَ البِيئِيَّةِ أَوْ الإِجْتِماعِيَّةِ والشَّخْصِيَّةِ الَّتي أَحاطَتْ وأَلاتْ بِهِ، جَعَلَتْهُ بهَذا المُسْتَوى مِنَ "الحَماقَةِ" التَخَلُّفِ وَالغَباءِ، وَبِالتَّالِي لا يُسْتَفادُ مِنْهُ وَلا يَسْتَفِيدُ وتَكُونُ حياتُهُ خالِيَةً مِنْ أَيْ مَعْنَى إِجْتِماعيٍّ وَمُخالِفَةً للتَّوَقُعاتِ، وَأَقْرَبُ طَريقَاً إِليْهِ.... أَنْ يَعْتَرِفَ بِوضْعِهِ... وَيَقْبَلَ مَا يُقَدَّمُ العارِفُونَ والمُخْتَصُّونَ لِحَلِّ عُقْدَتِهِ.....! وإلاَّ عَلَيهِ السلَّامُ..... إِذ ا لَمْ نَنْجَحْ بإِقْناعِهِ بِالتَّعاوُن.....!

الصَّبْرُ الصَّبْرُ....إِخْوتي! والإِصْرارُ الإِصْرارُ....! لا تَقْبَلُوا "قَدَرَاً" وَضيعَاً وَقعَ بَيْنَكُمْ! فِيهِ تَكُونُ الحَماقَةُ غَيْمَةً عَلَيْكُمْ وعلى الأُمَّةِ، تَكْسُوكُمْ مِنْ أََعْلى رَأْسِكُمْ حَتَّى أَخْمَصَ أَقْدامِكُمْ، مَا يَجْعَلُكُمْ مَحْكُومِينَ مَسْلُوبِي الإِرادَةِ! فالمَأْمُونُ إِبْنُ هارُونِ الرَّشِيدِ قاطَعَ أَباهُ وَزَعِلَ ولَمْ يُشارِكْ بِالجَلْساتِ عِنْدَما نَاداهُ بِالأَحْمَقِ، فَشَعَر َالخَلِيفةُ هارُونُ الرَّشيدِ بِذَلكَ.....، فَقالَ المَأْمُونُ: لَيْسَ للأَحْمَقِ دَواءٌ، وَالحَماقَةُ أَعْيَتْ مَنْ يُداوِيها، فَقَالَ الرَّشِيدُ: وَما كانَ يَنْبَغي أَنْ أَقُولَ؟ فَقَالَ المَأْمُونُ: تَقُولُ: أَيُّها الأَرْعَنُ.. فَالرُّعُونَةُ شَيْءٌ طارِيءٌ علىَ المَرْءِ وَتَعْنِي التَسَرُّعَ...، وَمَعَ الوَقْتِ وَالتَّعَلُّمِ تَزُولُ، أَمَّا الحَماقَةُ فَهِيَ تَأَصُّلٌ فِي الطَّبعِ وَالأَخْلاقِ، وَهِيَ لا تَزُولُ أَبَدّاً! فَقَالَ الرَّشِيدُ: صَدَقْتَ، صَدَقْتَ، وإِنَّكَ لَمُبَرَّأٌ مِنْ الإِثْنَتَيْنِ.

وَما أَقْلَقَ المَأْمُونَ إِخْوتي! إِدْراكُهُ أَنَّ الأَحْمَقَ سَهْلٌ إِسْتِغْلالِهُ ضِدَّ نَفْسِهُ وَضِدَّ أُمَّتِهِ، وَالمأمونُ بَعِيدٌ عنْ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللهُ! فَإِنَّ الأَحْمَقَ يُريدُ أَنْ يُْحْسِنَ فَيُسيءُ، وَيُريدُ أَنْ يَتَدَيَّنَ فَيَكْفُرُ، وَأَنْ يَقُولَ خَيْرَاً فَيَنْطِقَ وَيَفْعَلَ شَرَّاً. والأَحْمَقَ هوَ جَليسُ السُّوءِ، وَكاتِبُ السُّوءِ وَقارِيءُ السُّوءِ وَنَجْمُ السُّوءِ، وَهُوَ إِمَّا أَنْ يَحْرِقَ ثِيابَكَ وَعَقْلَكَ وَقَلْبَكَ وَأَعْصابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ نَوايا خَبيثَةً، لِِهَذا أَنَّ الحَمْقَى أَيُّها القَوْمُ! يَسْهُلُ إِسْتِخْدامُهُمْ ضِدَّ أَنْفُسِهُمْ أَوَّلاً، وَضِدَّ أَوْطانِهُمْ، وَضِدَّ أُسَرِهِمْ، وَضِدَّ أُمَّتِهِمْ، لأَنَّ الأَحْمَقَ تَأْخُذُهُ العِزَّةُ بِالإِثْمِ، وَإنَّ إِسْتِخْدامَ الحَمْقَى سَهْلٌ فِي الشَّرِّ، لَكِنَّهُ مُسْتَحِيلٌ فِي الخَيْرِ،
فَإِنَّ المَطْلوبَ حَتَّى نَقِفَ بِصَدَدِ هَذِهِ المَأْساةِ أَنْ نَلْتَزِمَ وَنُؤْمِنَ بِالأَحْداثِ القَدِيمَةِ لِلْتواصُلِ بِالجَديدِةِ. وَلا نَقْبَلَ لأُمَتِنا أَنْ تُصابَ بِهَذا الدَّاءِ، فَنَقُومَ بِِبَذْلِ كُلَّ مَجْهُودِنا بِالعِلمِ والمَعْرِفَةِ وَنَعْمَلَ على رَفْعِ العِزَّةَ بِالنَّفْسِي وَالكَرامَةَ وَمُجَابَهَةَ الجَهْلَ وَالتَمَسُّكَ بِالأُُصُولِ، وَأَهَمُها التَقْوَى المَبْنِيَّةِ عَلَىَ الفَهْمِ والعَمَلِ بِالقُرْءَانِ وَالسُنَّةِ، وَالرُّجُوعِ إِلى لُغَتِنا العَرَبِيَّةِ وَإِِلى تَارِيخِنا! فَلا نُرَبِّيُّ أَوْلادَنا عَلَىَ فِكْرَةِ قُبُولِ التَّعامُلِ مَعَهُمْ بِالإِسْتِهْتارِ وَالمُداهَنَةِ والتََّلاعُبِ فِي عُقُولِهِمْ! لأَنَّهُمْ فِي النِّهايَةِ يَبْغُونَ إِسْتِغْلالَهُمْ فِي مّصالِحٍ هَدَّامَةٍ لا إِنْسانِيَّةِ عَديمَةِ الأَخْلاقِ، وَإِنْ كَانَ شكٌ في نواياهُمْ فَلَنَحْذَرْ هَواهُمْ وَمُداهَنَتَهُمِ! حَتَّى لا نَكُونَ حَمْقَى ويَصْدُقَ بِنا القَوْلُ؛ فَعَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ :" الأَحْمَقُ أَبْغَضُ الخَلْقِ إِلى اللهِ تَعالَى إِذْ حَرَمَهُ أَعَزَّ الأَشْياءِ عَلَيْهِ وَهُوَ العَقْلَ"، وَقالَ عِيسى عَلَيهِ السَّلامُ: "عالَجْتُ الأَبْرَصَ وَالأكْمَةَ فابَرأْتُهُما وَعالجْتُ الأَحْمَقَ فأَعْيانِي"، وَقَالَ الشَّاعِرُ إِبْنُ الأَعْرابي : "لِكُلِّ داءٍ دَواءٌ يُسْتَطَبُّ بِهِ ...إِلاَّ الحَماقَةَ أَعْيَتْ مَنْ يُداوِيها "
وفَّقَنا اللهُ أَحْبابي وَلَعَلَّكُمْ المَرَّةَ تُجابِهُون الحَمْقَى والأغبياءَ وَالحَماقَةَ! ومن يَدَّعي عَلىَ أُمَّتِنا شَيْءً مِنْ هَذا القَبيلِ، بِالتَّوْعِيَةِ بيننا وَالْعِلْمِ والإِثْباتِ وَالمَنْطِقِ وتًوْضيحِ الصَّحَ مِنَ الخَطَأِ! فَلْنَعْمَلْ سويَاً علىَ مُحارَبَةِ شَيْءً يَدَّعُونَ أَنَّهُ صَعْبٌ وَمُسْتحِيلُ المَنالِ! لَكِنَّهُ مُمْكِنٌ مُرَجَّحٌ وَمُسْتَطاعٌ، رَغْمَ أَنَّهُ يُعْيِّي! فَإِذا كَانَ صاحِبُهُ سَهْلً لِلْتَلاعُبِ بِعَقْلِهِ، وَلا بُدَّ لَنا مِنْ عِلاجِهِ، فَلْيَكُنْ تَلاعُبِنا بِهِ لِشَيءٍ يُفيدُهُ وَيُفيدُنا! وَنَمْحُ وَنُبْطِلُ.........!
والسَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ!