كنوز نت - بقلم: الإعلامية ركاز فاعور


العنصرية والهمجية وجهان لعملة واحدة


تطالعنا في الايام الاخيرة عبر كافة وسائل الاعلام المحلية والعالمية المسموعة والمرئية عن اشكال والوان وتسميات للعنصرية والهمجية والتطرف والعدوانية التي تمارس ضد الانسان والانسانية وهي كثيرة ومتعددة تقشعر لها الابدان, ويبدو لنا ان العنصرية او الهمجية وما تبعها من اسماء هي ظواهر اجتماعية منتشرة في العالم اجمع, العنصرية والهمجية فما هما ؟ وما اسباب حدوث مثل هذه الظواهر؟ صورها واشكالها ؟ وهل هناك حل للقضاء عليها؟ ما هو اثرها على النفس البشرية ؟ وكيف نقوم بالحد من هذه الظواهر المقلقة؟ ما هو دور الشريعة الاسلامية فيها؟ 
هذه الاسئلة واخرى سنجيب عنها من خلال هذا التقرير.

العنصرية او الهمجية ما هي؟؟

العنصرية او التمييز هو الاعتقاد بان هناك فروق بين الناس اذا كان في الطباع او القدرات او الانتماء لجماعة دون اخرى وبذلك يقوم الفرد بتبرير معاملته بشكل مختلف من الناحية الاجتماعية او القانونية.

اما الهمجية فهي التعامل والسلوك الغير حضاري واللا اخلاقي مع المجتمع والمحيط. وهذا السلوك متـأصل في الانسان وليس استثناء لذلك وجب ان تروضه الحضارة والقيم الانسانية والدينية حتى يتحول الى انسان نظامي لديه سلوك حضاري.

فاذا كانت العنصرية هي تبرير الفروق من منطلق قومي او سياسي او عرقي او ديني او حسب اللون من خلال التعامل مع الاخرين وكانت الهمجية هي التعامل والسلوك اللا حضاري واللا اخلاقي مع الاخرين فقد باتت العنصرية والهمجية عملة واحدة ذات وجهين.

العنصرية تتخذ تسميات واشكالا وصورا والوانا

العنصرية او الهمجية او التطرف او العنف او التعصب او التسلط كلها مسالك وطرق تودي الى نفس المصدر او ذات النبع, فممارسة كل هذه الاشكال وهذه الصور ضد اي مخلوق كان فهو بالتالي سببه مرض نفسي متأصل, اضف الى ذلك الشعور بالدون, او قد يكون محاولة لاثبات وجود واثبات مكان رغم كل شيء ورغم كل عقبة او عائق.****

فالعنصرية تعود اصلا الى الشعور بالتفوق او سلوك او ممارسة سياسة تقوم على الاقصاء والتهميش والتطرف والتمييز بين البشر على اساس اللون او الانتماء القومي او العرقي اذا كان على مستوى الدولة او السياسة او الفرد.. وايا كان هذا الشعور بالتفوق الذي يراه العنصري او المتطرف فبرأيي المتواضع ما هو الا الشعور بالنقص والدون اتجاه الاخر مما يحدو به ان يتعامل مع الطرف الاخر على اساس التعالي والشعور المغرور بالتفوق والتميز .

فما يمارس اليوم على الساحات الدولية من قتل ودمار وابادات جماعية بابشع وافظع واغرب صور العنصرية والهمجية والعنف والتطرف على الاطلاق ضد الانسانية لا تمت للانسانية او البشرية باية صلة والتي لم تشهدها من قبل وكانهم في مباراة من يمارس الافظع على الاطلاق, وهو فعلا مثير للقلق ومناف لكل شرع ولكل قانون.

وفي المجتمعات الدولية, كما هي في المجتمعات الانسانية نراها واضحة للعيان, حيث تحرم الدولة قسم من مواطنيها حقوقا وامتيازات دون الاخرين, فالعنصرية كما الهمجية انواع: هناك الظاهر وهناك الباطني كالذين يعلنون التزامهم بقيم التسامح والمساواة وهي منهم براء.

العنصرية والهمجية عبر التاريخ:

الجدير ذكره هنا ان تعريف العنصرية او شكلها تغير من زمن الى اخر ومن عصر الى اخر فقد مورست العنصرية ضد الكثير من الفئات والجماعات عبر التاريخ القريب منه والبعيد, فمثلا اقدم الاعمال العنصرية واكثرها انتشارا هي تجارة الرقيق حتى جاء الاسلام وساهم على التخلص من الاتجار بالعبيد, وتطور الامر بعد مئات السنين حين مورست ضد الافارقة السود عندما ظهر العزل العنصري في جنوب افريقيا, هذا وبالرغم من بروز اعظم الشخصيات واكثرها تاثيرا في تاريخ السياسي والانساني امثال مارتن لوثر كينغ, نيسلون مانديلا, وباراك اوباما الا ان التمييز والعنصرية لازما هذه الفئة من المجتمع حتى يومنا هذا.

صورة اخرى ليست بجديدة ما تمارسه المؤسسة والدولة الاسرائيلية والحركة الصهيونية ضد الموطنين العرب الفلسطينيين وبين العرب واليهود في الدولة من ناحية حقوق وامتيازات وممارسة اقسى وابشع صور التعذيب والوحشية والهمجية وحرق وهدم بيوت واعتقالات وسجن واذلال وتجويع وفقر في ظل الاحتلال للمناطق الفلسطينية.

بالاضافة الى هذه الصورة كانت صورة لابشع مظاهر العنصرية عبر تاريخ الانسانية وهي الحركة المعادية للسامية ضد اليهود في اوروبا عموما وفي المانيا النازية خصوصا, حيث تمثلت في سياسة النازية العنصرية في تحسين النسل والعزل العنصري - في وقت لاحق العنصري والاباده - ومحاولة النازيون ان تبقى خاصية "عرقهم" خالية من العيوب والامراض (تحسين النسل) وإبقاء عرق الاريه مغلقاً دون الأعراق الأخرى التي هي "ادنى" الأعراق كالعزل العنصري والاباده, وامتدت العنصرية الى الامبراطورية العثمانية وتركيا ضد الطوائف المسيحية حيث شهدت مذابح الارمن والاشورية ومذابح اليونانيين, والمثال حديث العهد هو العنصرية ضد الشرق الاوسط والمسلمين في امريكا والغرب بعد احداث 11 سبتمبر من العام 2001.

واي كانت العنصرية او الهمجية او التطرف فان هذه الصفات تأصلت في المجتمعات البدائية والرجعية وانتشرت في عده نواحي من الحياة ولم يقتصر الامر على النواحي السياسية والدولية على مستوى عرق ودين وقومية وانما دخل الى الحياة اليومية كنوع من الاستيلاء والتسلط على الاخر وذلك كالهمجية اتجاه المرأه والافكار والاراء المخالفة والمختلفة وحتى مع ابناء المذهب الواحد من ابناء الوطن الواحد.

هذا وعلى الرغم مما توصل اليه الانسان من تحضر وتقدم وانطلاقة وتفهم الا ان هناك مجتمعات وفئات داخل التجمعات الانسانية تمارس الهمجية والعنصرية والتطرف والتعصب وتقوم بالتعامل مع الاخرين بصور مخالفة للعرف والقوانين والقيم والاخلاق والحضارة.

ومن هنا وجب علينا ان نتغذى ونغذي المجتمعات القادمة بمد يد العون بالمحاضرات واعطاء النصائح والوعظ والرقابة والمراقبة عن طريق المدارس والجامعات والبيت وكل مكان وتدريبهم على التعامل بالقيم الانسانية والحضارية وذلك لكبح جماح الغرائز الحيوانية المتاصلة فينا منذ بداية الخليقة كالتطرف والاستيلاء والتسلط والاستعلاء والشعور بالتفوق.

راي الاسلام في العنصرية والتطرف

- من أعظم ميزات الشريعة الإسلامية تكريمها للإنسان، وهذا التكريم لم يسم إليه دين سماوي، أو قانون وضعي، بل ارتقت به إلى الحد الذي أسجد الله له الملائكة، وسخر الكون لخدمته، بغض النظر عن عقيدته، وجعل كرامته وإنسانيته معا مقترنين في شريعة الإسلام، ورفع مرتبته فوق كل المخلوقات.
- الإسلام قائم على المساواة؛ لأنه دعوة عالمية ورسالة خاتمة لا يخص قوما دون قوم ولا جيلا دون جيل، بخلاف غيره من الأديان التي تخص أقواما بعينهم.

- غير المسلمين تمتعوا بالحماية والحرية والمساواة التامة في ظل الدولة الإسلامية، واعتلوا المناصب العليا حتى قال المنصفون: "كأنهم يحكمون المسلمين في بلادهم".

- تسامح المسلمين وعنصرية غيرهم يترجم معتقدات كل فريق، وكل إناء بما فيه ينضح، والحروب الصليبية تشهد بوحشية الصليبيين عندما تمكنوا من المسلمين في بيت المقدس فعاملوهم بكل عنف ووحشية، مقابل سماحة وعدل الناصر صلاح الدين الأيوبي عندما أظهره الله - عز وجل - عليهم، فشملهم بعفوه، وضرب المثل للتخلق بروح الإسلام.

- الأقليات في المجتمعات الإسلامية مصونة الحقوق، من الأمن والحماية وغيرهما من الحقوق، لكن يجب أن يكون في ظل احترام قيم ومشاعر الأغلبية المسلمة وعدم تجاوز الحدود.

وفي قوله تعالى : " من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا" (المائدة:32).
وما يحدث اليوم في الدول العربية الشرق اوسطية تحت اسم وراية الاسلام, تحت ما يسمى بداعش, لهو بعيد كل البعد عن الاسلام وعن مبادئه وقيمه ومفاهيمه, فان قتل ما لا يقل عن 5000 انسان عربي في الخمس سنوات الاخيرة .. فقد كان للغرب دور كبير في تلطيخ وتشويه صورة الاسلام ومفاهيمه وذلك بعد 11 ايلول سنة 2011, فقد اوجدوا كما قالوا وكما صرحوا اسلاما جديدا يليق بهم..

اسباب ومسببات العنصرية والعنف والتطرف

1. الثنائية الفكرية:

تعتبر الثنائية الفكرية المتمثلة في رؤية الواقع محصوراً بين دفتي الحق والباطل، أو الحرام والحلال، أو الصواب والانحراف، وهي من أبرز أسباب نشوء العنصرية والعنف والتعصب، ويسمى هذا التعصب والعنف الفكري بالتعصب والتزمت، وفي لسان العرب لابن منظر يقول: تعصب الرجل أي دعا قومه إلى نصرته والتألب معه على من يناوئه سواء كان ظالماً أو مظلوماً. وجاء في الحديث: (العصيب هو من يعين قومه على الظلم). ويعرّف روجيه جارودي التزمت بأنه: إقامة مطابقة بين الإيمان الديني أو السياسي من جهة، وبين الصبغة الثقافية والمؤسساتية التي تلبسها في لحظة من لحظات الماضي ومن جهة أخرى. ويضيف (إن التزمت يعني إيقاف عجلة الحياة والتطور والاعتقاد بأنني كمسيحي مثلاً أو كيهودي امتلك الحقيقة المطلقة دون غيري).

ويقول الدكتور علي الدين هلال في ندوة بجامعة القاهرة حول التطرف والتعصب الفكري عام 1994: (إن التطرف يبدأ بالعقل ثم ينتقل إلى السلوك)، ويضيف (إنها ظاهرة عالمية تتسم بمجموعة من السمات المشتركة أهمها توهم (احتكار الحقيقة) والتفكير القطعي ورفض الاختلاف والتعددية، واستخدام الألفاظ والمصطلحات السياسية الغليظة كالخيانة والكفر والفسوق.. الخ، وعدم التسامح).

وقد حدد المفتي المصري د. سيد طنطاوي في الندوة ذاتها الإنسان المتطرف بأنه (المتجاوز للحدود الشرعية في أي أمر من الأمور حتى في العبادة نفسها).

ومن الذين طرحوا رأياً متميزاً في مجال تعريف التطرف الدكتور سمير نعمي أحمد أستاذ ورئيس قسم اجتماع في جامعة عين شمس حيث قال: (إن التطرف ليس كما يشاع بأنه خروج عن المألوف فكل الأديان السماوية كانت خروجاً عن ما ألفه الناس، بل أنه مرادف للكلمة الإنجليزية (Dogmatism) أي الجمود العقائدي والانغلاق العقلي).

ويستطرد الباحث بنظرة إلى معتقد المتطرف إذ تقوم على:

1- أن المعتقد صادق مطلقاً وأبدياً.
2- يصلح لكل زمان ومكان.
3- لا مجال لمناقشته ولا للبحث عن أدلة تؤكده أو تنفيه.
4- المعرفة كلها بمختلف قضايا الكون لا تستمد إلا من خلال هذا المعتقد دون غيره.
5- إدانة كل اختلاف عن المعتقد.
6- الاستعداد لمواجهة الاختلاف في الرأي أو حتى التفسير بالعنف.
7- فرض المعتقد على الآخرين ولو بالقوة.

إن احتكار الحقيقة والحق الأوحد في التمتع بالبقاء والحياة هو بمثابة المقدمات الأولية للمجازر التي شهدها ويشهدها عالمنا المعاصر، حيث تنشأ الاختلافات الدينية والعرقية والمذهبية المتعصبة وتتحول لمجادلات عقيمة وسلوكيات ثأرية ناقمة.

وقد أثبت التحليل النفسي أن الثنائية الفكرية تقلص الحقل الذهني وتساهم في هبوط الاهتمامات من خلال الازدراء واللامبالاة تجاه كل ما لا يكون غرضاً من أغراض هواه وحماسه، ويقين لا يتزعزع في صواب فكره مما ينسل إلى إسقاط العدوانية على الآخر وممارسة أفعال ضد المحيط تقود إلى علاقة سادية مع هذا المحيط.

إن المتعصب ذو الفكر الأحادي يعيش في قمقم نرجسية فكرية تحوم حوله هالة قدسية تصبغ حياته في طيف واحد منحوت بالإيمان والعدل والحق الخالد، وبفضل ذلك سيتوصل إلى تغيير العالم وإنقاذه من ويلاته على طريقة الفانوس السحري إلى اجتلاب الفردوس والنعيم لبني البشر، إن ذلك من شأنه أن ينهض فكرة إسقاطية في عقل المتعصب تريحه من كل شبهات الضعف والقصور البشري الذي يحيطه طالما ظل في هوس الظنون بالهيمنة الفكرية لمنطقه وفكره وعقيدته.

لا شك أن النظرة الثنائية نابعة من حالة أن هناك حدوداً واضحة تفصل بين الذات والموضوع، والذات لا بد أن تدافع عن وجودها بأن تعلن صوابها وخطأ الآخر وتدافع عن ذلك الوجود باستماتة ولا ترى إمكانية أن يكون الوجود حقاً للطرفين، ولكن هذا المنظور تبدو خطورته عندما تبدأ السلوكيات والمواقف بالازدواجية والغموض وعندها تتولد ظاهرة العنصرية والتطرف والتعصب والعنف والتشدد.

وقد ظهرت فرق كثيرة آمنت بمطلقية امتلاك الحقيقة، أبرزها الخوارج ومن الغلاة الذين وظفوا معتقداتهم لصالح هيمنتهم الأيدلوجية وبدا أن هناك نهوضاً لفتاوى التجريم والمروق عن الدين بدعوى مخالفتهم للدين وتكرست بشكل مفجع في التاريخ الإسلامي - وحتى زمننا المعاصر - لكل من يصبو نحو التغيير أو التطوير أو البحث الجاد.

يقول أديب إسحاق (مفكر عربي ولد في لبنان وعاش في مصر في منتصف القرن التاسع عشر): (حد التعصب عند أهل الحكمة العصرية غلو المرء في اعتقاد الصحة بما يراه وإغراقه في استنكار ما يكون على ضد ذلك الرأي حتى يحمله الإغراق والغلو على اقتياد الناس لرأيه بقوة ومنعهم من إظهار ما يعتقدون ذهاباً في الهوى في إدعاء الكمال لنفسه وإثبات النقص لمخالفيه من سائر الخلق).

ويضيف إسحاق: (إن التشبث بالرأي الأوحد وتأكيد صحته المطلقة هو خطأ كبير لأن الإنسان ولكونه إنساناً يعجز فهمه عن إدراك الكثير من أسرار هذا الوجود وأنه ككائن بشري ممتنع عن الكمال فقد كانت هناك (حقائق) في عصر ما تبين أنها (أوهام) في عصر آخر).

ويقول الزعفراني في الاستدلال على محدودية القدرة الإنسانية (كنت يوماً بحضرة أبي العباس ثعلب فسئل عن شيء فقال: لا أدري، فقيل: وكيف لا تدري وإليك تضرب أكباد الإبل؟ فقال: لو كان لأمك تمر بقدر ما أدري لاستغنت. وسئل الشعبي عن مسألة فقال: لا أدري. فقيل: له فبأي شيء تأخذ رزق السلطان؟ فقال: لأقول فيما لا أدري: لا أدري).

إن تعصب الاعتقاد هو من أخطر أنواع التعصب إذ أنه يمهد لإحداث سلسلة حافلة بالأخطاء ويعطي المبرر الشرعي والغطاء الرسمي لتكريس ظاهرة العنف والعنصرية تحت ذريعة المعتقد والمذهب والدين.

والعنصرية او التعصب يمنح الأمان المعرفي وتوطيد النرجسية لمعتنقيه مما يبيح التوغل في العنف، وقد لوحظ أن الفرنسيين خلال الثورة الفرنسية كانوا كلما يريقون دماً كان يلزمهم الاعتقاد بمطلقية مبادئهم فالمطلقية وحدها كانت لا تزال قادرة على تبرئتهم في نظر أنفسهم وعلى دعم طاقة اليأس عندهم.
في الوقت ذاته تتكرس مفاهيم المفاضلة والتميز عند المتطرف والعنصري حيث يصبح مفهوم الطليعة والقيادة والريادة والأفضلية على (كل الآخرين ونفي حق وجود الآخرين من الأساس وليس هناك مكان للحديث عن الانفتاح والتواصل، هذه السلسلة من المفاهيم الفضفاضة تصبح جزءاً من البنية النفسية والشعورية داخل الفرد والجماعة التي ينتمي لها وعلى أساسها تتبلور بعض الأنماط السلوكية في التعامل مع الواقع الخارجي ومع الفئات والجماعات الأخرى يعبر عنها الدكتور القرضاوي نظرة الجماعة إلى نفسها: (على أنها جماعة المسلمين وأن معها الحق كله، وليس بعدها إلا الضلال، وأن دخول الجنة والنجاة من النار حكر على من اتبعها، وأنها وحدها الفرقة الناجية ومن عداها من الهالكين).

بل إن التزمت والعنصرية والتعصب يؤول إلى التحجر والجمود المضاد لكل تغير أو تطور وهذا من شأنه أن يضغط المتزمت إلى زوايا دحر الإصلاح أو تعديل مسلكيات تفكيره كيلا تتأقلم مع الظروف الجديدة حتى يصل إلى الاعتقاد أنه يستحيل استيعاب أن فكرته أو عقيدته تحت الشبهات!!

ويرجع البعض إلى تنامي التعصب والعنف الفكري والعنصرية في في الفرد حيثما يكون الفاعل مهووساً بشبكة تمثلات وتخيلات تؤول إلى إشغال كل الفضاء الذهني مع ابتعاد أي تطور يطرأ أو طرأ عليه، وتسيطر على الفرد نوعاً من الوهم بقدرته على محاكاة الجميع ضمن دائرة حقيقته المطلقة.
ويفسر البعض انتحاء ضعاف العقول إلى فكر العنف نظراً لضيق الأفق وفقدان الوعي، لكن الدكتورة زبيدة محمد عطا أستاذة التاريخ الوسيط وكيل كلية الآداب في جامعة حلوان فندت هذا الرأي بدراسة متميزة بعنوان (الإرهاب الفكري بين تنظيمات الباطنية والتنظيمات الأصولية الحديثة) حيث أشارت إلى أن أغلب الدعاة كانوا من المفكرين وطبقة المثقفين، فقد درس الحسن بن الصباح - صاحب نظرية النزارية الداعية لمحاربة التنظيمات الإسماعيلية التي خالفته - فقه الإسماعيلية وانتقل إلى مصر ثم أعلن مذهبه وكان سيد قطب على قدر كبير من العلم وأيضاً صالح سرية مؤسس تنظيم الجهاد العسكري حاصل على دكتوراه في التربية وكان شكري مصطفى مؤسس جماعة التكفير والهجرة حاصلاً على بكالوريوس زراعة وكان عبد السلام فرج (أحد قيادات الجهاد ومدبر عملية اغتيال الرئيس المصري السابق أنور السادات) حاصل على بكالوريوس هندسة أما عمر عبد الرحمن مفتي الجهاد ومنظم الجماعة الإسلامية فهو أستاذ جامعي في كلية أصول الدين!!!.


حتى أن الباحثين في الإطار الاجتماعي لحركات الإرهاب يلحظون وجود أبناء الطبقة المتوسطة والعليا مجندين لهذه الحركات مستعدين للانخراط فيها، حيث يتميزون في العادة بقدر متوسط أو عال في التعليم، ومستوى دخل معقول أو حتى مرتفع، وقدرة على التنظيم والعمل السري، ولا تتوافر هذه القدرة عادة إلا لأبناء الطبقات المتوسطة أو العالية في بلادنا.

من هنا يبدو لنا أننا أقرب إلى تفسير ظاهرة انتحاء الفرد للعنف إلى انهيار المثل والقيم الحضارية في العقل تتسبب في إحداث خلخلة فكرية وأيدلوجية يضطرب معها العقل ويصاب بنوع من الهروب إلى العنف.

وبقراءة عاجلة إلى أفكار سيد قطب التي تشكلت منبعاً هاماً نهلت منه الجماعات المتطرفة نجد أنه اعتمد على ثلاثيته المتمثلة في جاهلية المجتمع، والحاكمية لله، وتوصل إلى ثالثة الأثافي بإعلان الجهاد لفرض حاكمية الله على الفرد والمجتمع.

وتبدو لنا أن الثلاثية خلقت اغتراباً نفسياً بين الداعية والمجتمع ضمن قيم مثلية تكرس نخبوية المؤمن بها، دافعة لثنائية فكرية تجعل الحياة ضمن نطاق آليتي الحق والباطل وحسب!!

ولعل ثلاثية سيد قطب - رحمه الله - كانت تدعو فيما تدعو إلى صياغة فكرة الحقيقة المطلقة عند جماعة الإخوان المسلمين والتي تحتم جهل وفساد كل المجتمع غير المؤمن بنظريته في انجراف غير منطقي ومربك للعقل.

2. غياب النقد الذاتي

يبدو أن هناك الكثير من القضايا والمعتقدات والتصورات أصبحت من المسلمات والبديهيات الغير قابلة للنقض أخذت تستشري في أدبيات الفكر المعاصر، فأضحى النقد والمصارحة من الأمور المحرمة!! ولعل من المسبقات الفكرية للمتزمتين من أصالة فكرهم وكمالها لا تتيح استيعاب إمكانية مراجعة الأصول المنهجية والفقهية ما دامت فوق الشبهات. يقول قاموس لاروس الصغير عام 1966: (إن المتزمتين هم أشخاص يرفضون إصلاح عقيدتهم لكي تتأقلم مع الظروف الجديدة). ولنا أن نتصور كيف يصبح مفهوم النقد الذاتي في ظل العقليات.

بل غاب عن الكثير من قضايا العمل الإسلامي التأصيل الشرعي وخاصة ظاهرة العنف التي تعتبر غائرة في الفهم الخاطئ للعمل الإسلامي فتجربة شكري مصطفى في مصر مثلاً أو عملية جهيمان في السعودية كانت تعتمد على منطلقات غير مؤصلة شرعياً وكلتا التجربتين لجأت للعنف سواء في البنى الفكرية أو السلوكية.

فقد كانت جماعة شكري تتبنى إطلاق الاجتهاد دون حدود، وحرية تصحيح الحديث بلا ضوابط وكان شكري يقول في إحدى التحقيقات: (أعطوني قاموساً في اللغة العربية والقرآن وصحيح البخاري ويكفي الاجتهاد). وكذلك الحال بالنسبة للاجتهاد المفتوح من غير ضوابط شرعية أدت بجهيمان لتبني فكرة المهدي وأخذ البيعة عند الكعبة وما حدث من مآسي عند الحرم.

إن من أشد الانحرافات خطورة أن تمتزج الرغبات والمصالح والطموحات الشخصية بمشجب الرأي الفقهي والشرعي، مما يستحيل معها إتاحة فرص الحوار والنقاش في مجمل الأفكار، ناهيك عن نقدها.

أما كان عبد الله السماوي يروج لفكرة الاستحلال حيث أنه ما دام المجتمع جاهلياً وكافراً فبالتالي يجوز قتل الناس وسبي النساء ونهب الأموال، حيث يقول: (إن الله أباح للنبي سليمان عرش بلقيس بكفرها). وكان أمير جماعة الشوقيين في مصر يقول: (إن الله خلق المال لكي يستعين به المسلمون على طاعة الله، فإذا أخذ المشركون هذا المال واستعانوا به على معصية الله، وجب على المسلمين سلب هذا المال من أيدي المشركين ورده إلى أصحابه الأصليين).
إن إعادة النظر في المسلمات التي تحكم سلوكنا يعتبر مطلباً ملحاً وحاجة مهمة في نجاحنا مستقبلاً وهذا يتطلب المزيد من النقد الذاتي لمعتقداتنا وتصوراتنا وأفكارنا وتعرضها لمطارق النقد.

3. ضيق قنوات الحوار

لا زالت الأطر الديمقراطية في مجتمعاتنا العربية هشة مما يقلص إمكانية استقرار الدولة المدنية ويفضي إلى تكريس مفاهيم أقرب للديكتاتورية والعنف. ولعل أهم وأبرز الأطر الديمقراطية فتح قنوات قانونية للتعبير عن الرأي والفكر دون التعرض لهم أو إيجاد وصاية على إبداعهم، وكلما ضاقت هذه السبل نما الشعور بالظلم وعظمت مشاعر القنوط والسخط.

وقد تنشأ تبعاً لذلك ظاهرة الفئات المهمشة اجتماعياً وسياسياً في ظل فقدان الأطر الديمقراطية المتاحة وإدماجهم في نسيج المجمع المدني وما يصاحبه استبعاد الأقليات أو الفئات المعارضة وحركات الرفض ما يكونوا مادة خامة للعمل السياسي العنيف، ألم يكن الطلبة والعمال نموذج الفئات المهمشة التي وجدت طريقها نحو العنف والشغب متى أتيحت الفرصة لذلك؟

يقول الأستاذ حافظ الشيخ: (إن مجرد العزل القسري للناس وإقصائهم عن مجاري الشأن العريض العام هو في حد ذاته يخلق أفضل الظروف لنشأة التطرف وهكذا فإن التطرف يزداد مع الزمن ويشتد بفعل حالة العزل والإقصاء ومع الإمعان فيها)

لقد حاربت بريطانيا الجيش الجمهوري الايرلندي بكل وسائل الأمن والجيش وأحدث المعدات الحربية الاستخباراتية والإعلامية لدرجة حجب بث أصوات ممثليهم، لكن أصوات قنابلهم ضلت تلعلع في بريطانيا حتى اضطرت الحكومة العمالية الجلوس على طاولة الحوار للتفاهم.
وإسبانيا ضلت عقوداً طويلة في حرب منهكة واستنزافية مع منظمة (إيتا) التي تطالب بانفصال إقليم الباسك (شمال غرب إسبانيا) حتى قبل الطرفان الحوار الهادئ بديلاً عن الرصاص.

إن ضيق قنوات الحوار وغياب القنوات الوسيطة أو عدم فاعليتها - وهي التي تقوم بتجميع المطالب وتوصيلها وتنظيم علاقة الحاكم والمحكوم - وعدم الاعتراف بمبدأ المعارضة السياسية وغلق كل قنوات التعبير الشرعي يكون حافزاً لتحريك العنف لدى فئات عريضة من المجتمع.
في الوقت ذاته فإن إغلاق منافذ الحوار يشكل حزمة تمنع القوى السياسية والاجتماعية من تنمية ذاتيتها الفكرية والاجتماعية بحيث تطرح بدائل عملية للإصلاح السياسي والنظم الفاسدة القائمة في المجتمع أو تقدم برامج لكيفية بناء السلطة وممارسة الحكم الصحيح وكيفية مواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتراكمة، حيث تظل منهكة في صراع وتحدي السلطة وردود الأفعال وتكتفي بإعلان المعارضة والاحتجاج والرفض للنظم السياسية القائمة.

من جهة أخرى نرى أن الكثير من دعاة العنف والتطرف والتزمت يفتقدون لمنهجية الحوار حيث لا يتيحوا لأنفسهم محاورة الآخرين في معتقداتهم وأفكارهم لما قد يسبب التشكيك بمنطلقاتهم الفكرية ويضعف ولاءهم وانتماءهم مما يدفعهم إلى الانطواء تحت مظلة العمل السري وانتهاج السبل القمعية.
إن نقد هذا الفكر من خلال الحوار يزيل اللبس ويكشف الغموض وبالتالي فإن من يقدم على تبنيه واعتناقه يكون على بينة ومن يتصدى له ويحاربه يكون أيضاً على بينة بحقيقته ودوافعه، فلا ينقاد شاب متحمس وراء فكر طائش بعد أن تسلط الأضواء عليه ويكشف حقيقته.

إن فتح قنوات الحوار أمر إيجابي في كلا الحالتين فهو يسحب دعاة التعصب من سراديب السرية ويضع أمامهم خيارات التفكير بصوت عالي من ناحية، ويضع فكر ومعتقدات التطرف تحت مطارق النقد والمصارحة والمكاشفة من ناحية أخرى

4. التعالي السلطوي


أثرنا أن نضيف هذه النقطة منفصلة عن النقاط السابقة برغم كونها لا تمس الدوافع الفكرية لنشأة العنف أو النظم الداخلية للتيارات السياسية والفكرية المختلفة، ذلك أنه من الصعب حصر التطرف في الأفراد والجماعات وتناسي القابضين على الحكم باعتبار أن التطرف والعنف هو في الغالب رد فعل. وعادة ما تكون الدولة هي المبتدئة بالعنف، فهي المؤهلة بسهولة للانزلاق إليه نظراً لضيق أفق الحاكمين وسعيهم الحثيث للحفاظ على الحكم واستغلال المكنة والقدرة التي تمنحهم الدولة في تكريس سطوتهم.

وتقصد بذلك التطرف الذي يمارسه أصحاب الدولة لإضفاء الشرعية على حكمهم بتوظيف الدين توظيفاً سياسياً عندما لا تكون ثمة شرعية سياسية، فإنهم يلجئون إلى التعالي بالسياسة لجعل حكهم يعلو على كل شرعية بشرية.
لنا في التاريخ السالف أمثلة عديدة ذات دلالة هامة في تكريس التعالي السلطوي نذكر بعضها ونحيل جلها إلى دفاتر التاريخ المليئة بحبر أسود تثير الشجون وحرقة القلوب على فداحة العبث بالدين والإسلام:

* خطب زياد بن أبيه في أهل البصرة عندما قدمها عاملاً عليها لمعاوية فقال: (أيها الناس إنا أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا ونذود عنكم بفيء الله الذي خولنا) ليعبر عن تكريس أيديولوجية الجبر في الحكم.

* وساهم الأمويون أيضاً في تكريس أيديولوجية الجبر طلباً للشرعية فأسبغوا على أنفسهم ألقاباً تجعل وجودهم من وجود الله، مثل خليفة الله في الأرض وأمين الله.. الخ. وهي الألقاب التي تنهض من قبل طبقة الشعراء والقصاص وخطباء الجمعة الرسميين، بل عمدوا إلى وضع أحاديث ترفع من شأنهم وتجعل مقامهم عند الله أسمى من مقام جميع البشر وهكذا نسبوا إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) أنه قال: (الأمناء عند الله ثلاثة جبريل وأنا ومعاوية). كما نسبوا إليه حديثاً يقول: (اللهم علم معاوية الكتاب ومكن له في البلاد وقه العذاب). ولما توفي معاوية عمم خلفاؤه جملة ادعاءات فنسبوا إلى النبي أنه قال: (إن الله تعالى إذا استرعى عبداً رعيته كتب له الحسنات ولم يكتب له السيئات). وأنه قال أيضاً: (إن من قام بالخلافة ثلاثة أيام لم يدخل النار). وخطب هشام بن عبد الملك حين ولي الخلافة فقال: (الحمد لله الذي أنقذني من النار بهذا المقام وأحضر يزيد بن عبد الملك أربعين شيخاً شهدوا له أنه ما على الخلفاء حساب وعقاب).

إن السلطة والدولة بحكم امتلاكها المكنة المادية والقدرة تفضي إلى أن تكون سبباً مباشراً في تكريس العنف والعنصرية والتعصب في الأفراد والجماعات. فبالإضافة إلى الإضفاء الشرعي وخلق الهيبة والقدسية على سلوكيات السلطة فإنها تمارس سياسات دكتاتورية من شأنها زج الجماهير قسراً للعنف من مثيل التمييز وسلب الحقوق السياسية والاجتماعية والسياسات الاقتصادية الخاطئة واضطهاد وتعذيب الشعوب وقمع الهوية الثقافية والدينية لشعب أو أمة ما، مما يكون سبباً رئيسياً لنشأة الأصولية.

وعادةً ما تبدأ السلطات بممارسة العنف من خلال اتخاذ إجراءات وقائية كما يطلق عليها من مثيل حملات الاعتقال أو المحاكمات الاستثنائية، وهذا يمكن أن يخلق ردود أفعال مضادة. بل إن النظم السياسية ما برحت تفتأ تكدس مخازنها كافة الأسلحة الفتاكة والتجسسية والقمعية وتعطي اهتماماً متزايداً لأجهزة ومؤسسات القمع والقهر كالجيوش وقوات الأمن، وقوات الحرس الجمهوري والاستخبارات العسكرية والمدنية والمليشيات الميدانية وكأنها في حرب دائمة مع (الشعب) نفسه!!

يقول الباحث الفرنسي فرانسو بورجا: (إن ما يطلق عليه العنف الديني يستتر وراءه - في معظم الأحيان - العنف الذي تمارسه النظم التي تفضل أن تقدم خصومها الذين يتحدونها في صورة الشيطان، وذلك لتتجنب مواجهة نتائج الانتخابات. وعندما تغلق الأنظمة - بهذه الطريقة - أبواب الوصول إلى الساحة السياسية الشرعية أمام الإسلام السياسي فهي تدفعه إلى ممارسة هذا العنف لكي تبرر لجوءها إلى القمع لحماية كيانها).

يقول الكاتب مصطفى حجازي: (ردود فعل السلطة عنيفة ومباشرة وتأخذ طابعاً مادياً. والبنية الاجتماعية التي تنتج عن هذه الوضعية جامدة متصلبة، لا تتضمن أي صمامات أمان أو أي تقنية للعدوانية التي لا بد أن تتراكم، ولذلك فإن هذه العدوانية لا بد أن تتفجر في الداخل والخارج تبعاً للظروف).
والأدهى من ذلك أنها أحياناً - ومن خلال أجهزتها وعناصرها الاستخبارية تتسلل داخل القوى الوطنية والمعارضة لتدفع تلك القوى نحو ممارسة أعمال عنف وشغب وتحدي أو تشعل فتيل الفتنة بين عناصرها أو تمارس نشاطاً تخريباً مرعباً تنسبه لتلك القوى، وحينها تصبح عملية ضربها وتفتيتها أمراً مبرراً وشرعياً تتبجح به أمام محطات التلفاز.

إن هناك ثمة سمات مشتركة تشترك بها أغلب النظم العربية، فهي أولاً نظم انتقالية لم تستقر بعد، أي أنه لا يوجد اتفاق عام داخل المجتمعات العربية حول شكل النظم السياسية ومضمونها. ومن ثم نظم تمر بعملية تغير وتبدل على مستوى أبنيتها التنظيمية والمؤسسية وعلى مستوى أسسها الاقتصادية والاجتماعية. وثانياً هي نظم تابعة، أي تتحكم في إطار التبعية لقوى خارجية أو ضمن فلك مصالحها. وهي ثلاثاً نظم تسلطية تقوم على احتكار السلطة فلا تسمح بتعددية سياسية حقيقية أو أطر ديمقراطية. وهي رابعاً نظم محدودة الفاعلية، إذ أنها تعثرت - بدرجات مختلفة - في إنجاز مهام ما بعد الاستقلال.
هذه السمات - التي شرحناها سلفاً بإفراد - تخلق مناخاً مواتياً لتفريخ العنف وتناميه في الجماهير بشكل مطّرد وخطير للغاية.

إن هناك فارقاً شاسعاً بين عنف الضحية وعنف الجلاد، فبرغم نقدنا لعنف الضحية سواءً كانت حركة أو مجموعة أو كتلة عمالية أو مهنية، فإن عنف الجلاد يشكل انتهاكاً صارخاً يتضمن ممارسات وحشية لا تقل قسوة عن أزمنة العصور الوسطى إن لم تتجاوزها تفنناً وتقنيةً وبشاعةً.

والمفارقة الهامة في البحث أن للبشر حاجات أساسية ونفسية تساهم بشكل مباشر في صياغة حياته وشخصيته والحفاظ على كيانه وكلما انتهكت هذه الحاجيات أدى إلى الانتقاص من آدميته وأضرت بحقوقه وأصبحت الفرصة مهيأة لانتحاء الأشخاص نحو ممارسة سبل أقرب للعنف وهذه الحاجيات هي المرتبطة بالقيم التالية:

1- نبذ كافة أشكال العنف والحاجة للأمن.
2- الرخاء الاقتصادي.
3- التوازن البيئي.
4- العدل الاجتماعي.
5- المشاركة.
6- التسامح.

ومتى ما أُخليت هذه القيم في مجتمع ما، كان عرضة لبروز التعصب وسيادة منطق القوة!! وتبدو أن السلطة هي الأقرب لانتهاك هذه القيم لسطوتها على مكنونات السلطة وقدرتها على توفير حاجيات الناس العامة.

ولمعالجة ظاهرة التطرف والعنف هناك ثمة أولويات لا بد العمل عليها:

1- تكريس الأصول المعرفية بمفاهيم الحرية والتعددية والانفتاح ولفت نظر المتطرفين بها.
2- ممارسة النقد الذاتي للتكيف مع روح العصر وملاحقة العلل والمثالب.
3- فتح حوار مع المتطرفين والتعاون معهم في المجالات السياسية والاجتماعية والدينية كسبيل لوقف تماهي التطرف فيهم.
4- يتعين الدفاع عن الحضارة في مواجهة الفرد بمعنى تكريس مفهوم المؤسساتية والعمل الجماعي المنظم لتطوير مفهوم الدولة للحماية من نزوات البشر العادية.

والسؤال: كيف يمكن تكريس التسامح في المجتمع فذلك بحث آخر وجب التطرق اليه لاحقا.

الخاتمة:

ان أمة لا تروضها الحضارة تجدها اقرب الى الغابة تميزها حروب اهلية وفقر وجوع وصراعات ونزاعات ومشاكل لا تنتهي وتجدها في قمة العصبيات الدينية والمذهبية والعرقية امه تسيرها غرائزها البدائية او الحيوانية.
فاذا نظرنا للعنصرية والهمجية جنبا الى جنب نرى ان هناك رباط بينهما فالاولى مكملة للثانية وبالتالي فان العنصرية والهمجية وجهان لعملة واحدة***.***