
كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني
المَبدأْ مِنْ وراءِ حُبِّ الأَوْطانِ
السَّلامُ عَليكُمْ وهَنَّأَكُمْ رَبِّي بِضِياءِ فَجْرٍ جَديدٍ بمشيئَتهِ تَعالىَ!
مِنْ الطَّبيعِي جِِدَاً أَيُّها القَوْمُ أَنْ يَزْدادَ عَدَدُ سُكَّانِ البَلْدَةِ الواحِدَةِ، وَمِنْ الواضِحُ تَمامَاً أَنَّ التَّكاثُرَ هَذا يَحْتاجُ إِلى تَخْطِيطٍ مُسْبَقٍ مُلائمٍ، لِضَمانِ الحاجاتِ الحَياتِيَّةِ لِلْجَميعِ، وَتَوْفِيرِ المُتَطَلَّباتِ لِلْمَناطِقِ السَّكَنِيَّةِ، إِلاَّ أَنَّهُ قَدْ تَكُونَ حالاَتٌ مُسْتَعْصِيَّةً بِسَبَبِ الظُرُوفِ الإِقْتِصادِيَّةِ، أَوْ قِلَّةِ الخِبْرَةِ لَدَى المَسْؤُولِينَ المُكَلَّفينَ بِالأَمْرِ، وَرُبَّمَا تَكُونُ المَساحَةُ غَيْرَ كافِيَةً لِإِسْتيعابِ الجَمِيعِ، وَقْدْ تَكُونُ أَسْبابُ أُخْرَى وَلا عَجَبً كمَّا تَعْلَمُون! فَيَضْطَرُ قِسْمٌ على المُغادَرَةِ أَوْ الهِجْرَةِ مُؤَقَّتَاً في أَحْسَنَ الأَحْوالِ، أَوْ الغِيابِ بَعِيدَاً، منْ قِسْمٍ أَخَرٍ بِشَكلٍ دائِمٍ وَالَّذي لا نرْغَبُ ولا نُحَبِّذُ لَهُمْ!أَمَّا الَّذِينَ تَلُوحُ لَهُمْ الظُّرُوفُ المُناسِبَةِ وَتَسْمَحُ الإِمْكانِياتُ لِلْعَودَةِ، يَكُونُ هَذا مَا نَحْلُمَ وَنَْبغِيَ لَهُمْ رَغْمَ الأَوْضاعِ القاهِرَةِ، أَنْ يَرْجَعُوا أَقْوَى وأَصْلَبَ وتَزيدُ عِنْدَهُمْ الإِرادَةُ لِتَحْقيقِ الذَّاتِ وَلَوْ بِالمَكانِ الأَخَرِ، وهَذا مَا نَدْعُو اللهَ للإِخْوَةِ التَّوْفيقَ والنَّجاحَ!
وَطالَما الوَضْعُ عِنْدَنا أَيْضَاً ولا بَأْسَ بِالذِينَ يُعانُوا مِنْهُ، حاوَلْتُ أَنْ أُعَقِّبَ عَلَىَ هَذا فَاكْتَشَفْتُ أُمُورَاً إِيجابِيَةً وأُخْرَى سَلْبِيَّةً، لَكِنَّني عَلَىَ عِلْمٍ أَنَّ الحاجَةَ لِكَثيرٍ مِنْ المُسْتَلْزَماتِ غَيْرُ مُتاحَةًٌ في البِلادِ لَهُمْ، مَا جَعَلَ هَذا العَدَدُ الكَبيرِ يَقْدِمُ عَلَىَ التَخْطِيطِ والسَّفَرِ خارِجَاً، وَالَّذي يُفْضِي إِمَّا إلى الفَلاحِ والنَّجاحِ أَوْ الضَّياعِ والدَّمارِ، وَهُنا أوَدُّ أَنْ أَقُولَ لَيْسَ شَيْءٌ أفضلَ مِنْ بِلادِي، الإِشْتِياقُ إِلَيْها صَعبٌ ولا شَيْءٍ يَقْوَى ويَعْلُو عَلَىَ الرَّغْبَةِ لِرُؤْيَةِ سَمائِها، وَشَمِّ رائِحَةِ تُرابِِها، والإلْتِقاء بالأصدقاءِ والأَهْلِ فيها، فَإِِذا هَمَمْنا وَعَزمْنا وَإِتَّخَذْنا القَرارَ سَنَعْمَلُ المُسْتَحيلَ، فَلا يُحِيدُنا وَلَنْ يُعيقَنا وَقْتَئِذٍ عَنْ التَّمسُّكِ بِها سِوَى المَوْتُ، فَفِيها وَلِدْنا وَتَرَعْرَعْنا، بَيْنَ سُهُولَها وَجِبالَها سَرَحْنا، وَمِنْ مائِها شَرِبْنا، ومِنَ زَيْتُونِها وَشَجَرِها أَكَلْنا، وَتَحْتَ خَباياها مُطْمَئِنِّينَ نِمْنا، وَفِي المُناسَبات شارَكْنا النَّاسَ بِالأَفْراحِ والأَحْزانِ، فَمَاذا بَقي لِيَكُونَ أَيْضَاً إِلاَّ أَنْ نَكْبَرَ وَنُخَلِّفَ فَنُرَبِّيَ أَجْيالاً تَصُونُ العَرْضَ وَالشَّرَفَ والدِّينَ، ثُمَّ نَعْلُو وَنَتَطَوَّرُ ونَبْني كُلَّ مَا نُريدُ، إِلَى أَنْ تَحِلَّ ساعَتِنا فَفِي تُرابِها في النِّهايَةِ نُدْفَنُ، وَفِيهِ نَسْتَقِرُ تَحْتَ الأَرْضِ كَمَا فَوْقَها كُنَّا راضِين، حَتَّى نُلاقيَ رَبُّ الَعالمينِ!
إِخْوَتي بِاللهِ لَيْسَ مِنَ الصَّعْبِ التَّفْكيرِ والكَلامِ عَنْ أَمْرٍ نُريدُ، لَكِنَّ هَذا لا يَكُونُ كَما لِلَّذِي يَعيشُ وَيُصارِعُ مِنَ الدَّاخِلِ، وَيُكافِحُ وَيُثابِر ُ،وَيَنْسى كَما يُقالُ الكَثِيرَ مِنْ حَقٍ نَفْسِهِ عَلَيهِ، فَيَهْمِلُها أَوْ يتجاهَلُ بَعْضَ الأُمورِ لِسِِنينٍ طَويلَةٍ، حَتَّى يُؤَسِّسُ مُسْتَقْبَلًا يُمَكِّنُهُ العَيْشُ في أََيِّ مَكانٍ وَلَوْ بِالغُرْبَةِ بِعِزَّةٍ وَكَرَامَةٍ، وَلَكِنْ! بِتَحْصِيلِهِ الَّذاتي الَّذي حَلِمَ بِهِ وَحَقَّقَهُ بِجَدارَةٍ، وهُوَ عِنْدَ رَبِّهِ بِعِلْمِهِ وَجِهادِهِ لَمِنَ المُؤْمِنين المُبُشَّرينَ (وَاللهُ أَعْلَمُ)، الَّذِين أَطاعُوا اللهَ فَحَبَّبَهُمْ بِالعِلْمِ وَالتَحْصيلِ لِيأْتُوا بِالفائِدَةِ عَلَىَ أُمَّتِهُمْ وَدينِهُمْ، ما يَتَطابَقُ رُوحَاً وَحَقيقَةً مَعَ أَمالِ الشُّعُوبِ.
هَؤُلاءُ النَّاسِ مِنْهُمْ العُظَماءُ والمُفَكِّرونَ وَالعُلَماءُ والمُحاضِرُون وَالأَطِباءُ وَالمُهَنْدِسُونَ ......وَمِنْهُمْ مَنْ كَبَّرَ أَجْيالاً وَهُوَ بَعِيدً عَنْ وَطَنِهِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَنْسَ دِينَهُ وَحافَظَ عليْهِ بِتَصَرُّفاتِهِ وأَخْلاقِهِ وأَعْمالِهِ، وَكانَ إِنْساناً سَفيراً لأَهْلِهِ وَبَلَدِهِ وَدينِهِ، فَأَحَبُّوهُ هُناكَ كُلُّ مَنْ خالطُوهُ وَرُبَّما طَلَبُوا أَنْ يَعْرُضُ عَلَيْهِمْ دِينَهُ وَآعْتِقاداتَهِ وَعاداتَهِ لإعجابهمْ وحُبِّهِمْ للإِسْلامِ الذي سَمِعُوا مِنْهُ، وَالحكاياتُ كَثيرةٌ بَرَز َ إِثْرَها كَيْفَ ينْتَشَرُ الدِّينُ بِفَضْلِهِمْ في بِلادٍ لِغَيْرِ المُسْلِمين إِلى اليوْمِ، فَالمُهِمُّ لَنا إِذاً أَنْ يُحافِظُ شَبابُنا عَلَىَ جُذورِهِمْ وَلا يُساوِمُوا على المَبادِيءِ الأَساسِيَّةِ الَّتي تُمَيِّزَهُمْ ويَبْقُوا مُحافِظينَ عَلَىَ إِنْتِمائِهِمْ وَعاداتِهِمْ في كُلِّ البِلادِ!
إِخْوَتي وأَخَواتي إِيَّاكُمْ وَالضَّياعَ والتَقْلِيدَ وَتَنْسَونَ أَنَّكُمْ في ساحَةِ العَمَلِ وَالجِهادِ أَيْنمَا كُنِتُمْ! فَلَنْ تُسامِحُوا أَنْفُسَكُمْ يَوْمًا تَكْتَشِفُونَ فِيهِ إنَّكُمْ لَمْ تَتَمَسَّكُوا بِهَذا، حِينَها سَتَجِدُونَ أَنَّكُمْ فِعْلاً غُرَباءٌ لِقِلَّةِ حيلَتِكُمْ وَلَوْ كُنتُم في قِمَّةِ النَّجاحِ أَوْ لا قَدَّرَ اللّهُ فِي أَسْوءِ الأحوالِ. أَمَّا الإِدِّعاءَ أََنَّكُمْ بِوَطَنِكُمْ أيْنَمَا تَكُونُوا فَهَذا صَحيحً نسبياً، إِذا كُنْتُمْ تَعيشُوا بَيْنَ أُناسٍ مِنْ نَفسِ دِينِكُمْ أَوْ غَيْرِ دِينِكمْ وَلَكِنْ بَقيتُم كَما أَنْتُمْ مُحافِضُين على الأُصُولِ، وهَذا بالطَّبْعِ لا يَجِبُ أنْ يَثْنِيَكمْ عَنْ التَّفاعُلِ مَعَ النَّاسِ الَّذين تُخالِطُونَهُمْ، بَلْ أَنْتُمْ مُطَالَبُونَ بإِثْباتِ أَنْفُسَكُمْ فِي كُلِّ مَجالٍ يَعُودُ بِالفائِدَةِ عَلَىَ البَشَرِيَّةِ بالتَقَدُّمِ وَالرُقِيِّ، فَإِذا كَانَ لَكَ مَا تَعْرِضُ! لا تَبْخَلْ ولا تُمْسِكْ العَطاءَ ما دام الأَمَلُ بِكَ منشودً وَلَهُم مِنْكَ الطُّمُوحُ مَوْجُودٌ!
الرُّجُولَةُ إِخْوتِي وَأَحْبابي! أَنْ تَصْنَعَ التَّاريخَ، أَنْ تُضَحِّيَ وتَكُونَ في المَواقِفِ بِالقَدَرِ الجَديرِ، صاحِبَ رَأْيٍّ ثابتٍ لا تَتَنازَلُ فِيْهِ، إِيْمانَاً بِمَصِيرٍ لا يُعْنِيُكَ لِوَحْدِكَ فَقَطْ! لكِنَّهُ لِلْكُلِّ هُوَ أَجْمَعينَ! فَلا تَكُنْ أَنانِيًّ وَحافِظْ عَلَىَ حُب الأَخَرينَ لكَ! وَلا تَسْتَغِلْ مَنْصِبَكَ وَقُدِراتَكَ لِلْظُلْمِ والإِحْتِقارِ بأي ثَمَنٍ يُعْرَضُ عَلَيْكَ، فَهِذِهِ خِيانَةٌ! وَلا يُرْضِي اللهَ وَرُسُولَهَ والنَّاسَ المُؤْمِنين! وَإنَّ الأَهَمَّ أَعِزَّائي في الأَمْرِ كُلِّهِ التَّمَسُكُ وعَدَمُ التَّخَليُّ أَوْ نِسْيانُ الَّديارُ، فَهَذا أَمْرٌ دينيٌّ وعقائديٌّ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ سِياسِياً! فَآنْظُرُوا كَيْفَ عَبَّرَ الرَّسُولُ عَنْ أَحاسِيسِهِ وَتَمَسُّكِهِ بالأرضِ الَّتِي هِيَ مَنْبَعَهُ وَأَصْلُهُ وَوَطَنُ مَنْ يُحِبُّ، حَيْثُ إسْتَنْبَطَ شُعُورَهُ مَنْ أَياتِ اللهِ، وقالَ: "وَاَللَّهِ إنَّكًِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ" وقال: "مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وأَحبَّكِ إلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ"، وَفِي القرءَان الكَريمِ قالَ اللّهُ: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) وَقَالَ:
(لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)
إنَّ الإِنْتِماءَ للأَرضِ وَالوَطَنِ مَنُوطٌ بِحُبِ النَّفْسِ وَلَوْ أَدَّى هَذِا إلى القِتالِ والمّوْتِ، وَهُوَ شَرْعِيُّ وَدينِيٌّ وَدافِعٌ فِي سَبِيلِ الدِّفاعِ عَمَّا لَكَ مِنْ الأَهلِ والبيتِ والذِكْرَياتِ!
وفَقَنا اللهُ لِنَسْعى في العَمَلِ والتَضْحِيَةِ والعَطاءِ بالأنفسِ والمَالِ لِكَرامَةِ أَهْلِنا وَبِلادِنا والسَّلامُ عليكمْ وَأَتَمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكمْ إِنْ شاءَ اللهُ!
01/02/2020 04:06 pm 5,820
.jpg)
.jpg)