
كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني
الأخذ بالرأي سنة
السَّلامًُ والرَّحْمَةُ علَيْكُمْ مِنَ اللهِ!
يوْمَاً بَعْدَ يَوْمٍ خالَجَني شُعُورٌ في صَدْرِي، فيهِ أَفْكارٌ غَريبَةٌ تُنازِعُ قَلْبي وَتُثيرُ الشَّكَ فِيهِ، فِكْرٌ خالَطَهُ إِضْطِرابٌ، فَلاحَ داخِلَهُ خَوْفٌ شَدِيدٌ، ولَمْ أهْتَدِي وَلَمْ أَرْشُدُ إِلى كُنْهِي(حَقيقَتي)، وطَفَحَ الوَهْمُ فَضاقَتْ الأَحاسِيسُ عِنْدِي وَبَدأْتُ أَشْكُو مِنَ الضَّياعِ لَكِنِّي أَدْرَكْتُ أَخيراً وَاجِبَ الهُدُوءِ والإِسْتِرْخاءِ، حَتَّى أُحَكِّمُ عَقْلِي وَأَخْرُجُ مِنْ إِحْساسٍ لا لُزُومَ لَهُ، هَكَذا يَقُولُ لِسانُ حالِ الإِنْسانِ التَّائِهِ، الَّذي يَتَذَكَّرُ الإِتِّكالَ على اللهِ والقَناعَةَ فَتَرْتاحُ نَفْسيَّتُهُ.
وَإِلَيْكُمْ حكايةً بَسِيطَةً جَميلَةً أُخْرَى، أَعادَتْ إِلَيَّ فُجْأَةً رُوحَ الحَياةِ والبَهْجَةِ، وَلَمْ أَجِدْ مِنَ الغَريبِ أَنْ أَتَّعِظَ مِمَّنْ هوَ صَغِيرٌ، فَقُلْتُ بِنَفْسيِ؛ "رُبَّ صُدْفَةٍ خَيْرُ مَنْ ألفِ مِيعادٍ"، حَيْثُ طَرَقَتْ بابَ أَفْكارِي وَأَعادَتْ رُوحَ الطَّمَئْنينَةِ والهُدُوءِ إِلَيَّ، فَتَذَكَّرْتُ قِصَّةً ذاتَ فَحْوَى جَميلٍاً"، هَكذا نَطَقَ أَخَرٌ كانَ مُتَكَبِّرَاً مُتَعَجْرِفً لَكِنَّهُ سَلَّمَ للهِ، بَعْدَ ان سَمِعَ بِحُبٍٍ وإِعْجابٍ عَنْ وَلَدٍ صَغِيرٍ أَعادَ الحَياةَ والبَهْجَةَ وَحَلَّ مَشْكِلَةً إِسْتَعْصَتْ عَلَىَ مَنْ أَكْبَرِ مِنْهُ سِنَّاً.
إِخْوَتي في الحَالاتِ الَّتي نَكُونُ فِيها في مَأْزَقٍ وَحِيْرَةٍ وَلا نَدْرِي كَيْفَ نَتَصَرَّفَ لَيْسَ الأَمْرُ نِهايَةَ العَالَمِ أَوْ شَيْءً مُدَمِّرٍ، فَهَذِا حالُ الِدُّنْيا فِيها الحُلْوُّ والمُرُّ، الطَيِّبُ والسَيِّءُ، الصَّعْبُ والسَّهْلُ والمُرِيحُ والكَثِيرُ مَنْ المُتَناقِداتِ، ولَكِنْ في النِّهايةِ تَتَغَيَّرُ الأُمُورُ، وَتُلَيَّنُ المُسْتَعْصَياتُ، وَتَرْجَعُ البَسَماتُ، وتَعُمُّ الفَرْحَةُ، وَنَتَقَرَّبُ أَكثرَ مِنَ اللهِ، وهَكَذا دائِماً تَسيرُ الأَحْوالُ مِنْ حالٍ لِحالٍ، فَفي قِصةِ ذَلِكَ الوَلَدِ الَّذي كَانَ بِرِحْلَةٍ تَرْفيهِيَّةٍ مَعَ أَبْناءِ جِيلِهِ، عَلِقَ سَقْفُ الباصِ الَّذي كَانَ يَقِلُّهُمْ داخِلَ نَفَقٍ عِنْدَ عُبُورُهُ مِنْهُ، مَعَ العِلْمِ أََنَّ السَّائِقَ يَقُولُ: "أَنا أَمُرُّ مِنْ هَذا المَكانِ كُلَّ عامٍ وَلا أَدْري مَاذا تَغَيَّرَ"، وَبَيْنَما هُوَ فِي مُحاوَلَةٍ لِلْتَخَلُّصِ مِنْ المَأْزَقِ هَذا، وَإِذا بِسَيَّارَةِ شَحْنٍ تَمُرُّ هِي الأُخْرَ فَعَرَضَ ساِقُها عَلَيهِ المُساعَدَةَ لِيَجُرَّ الباصَ، إِلاَّ أَنَّ سَقْفَهُ كانَ عالِقَاً بِأَعْلى النَفَقِ مِمَّا صَعَّبَ عَلَيْهِمْ الأَمْرَ وَلَمْ يُفْلِحُوا، حِيْنَئِذٍ نّزَلَ ذَلِكَ الوَلَدُ مُحاوِلاً المُساعَدَةَ قائِلاً: "عِنْدِي فِكْرَةٌ"، لَكِنَّهُمْ تَجاهَلُوهُ وصَدُّهُ وَلَمْ يَسْمَعُوا لَهُ، وَلَمَّا أََصْبَحَ الأَمْرُ مُحْرِجَاً وَسَطَ كُلِّ المُحاوَلاتِ الَّتي لَمْ تُفِيدْ، عادَ الغُلامُ في ثِقَةٍ وَنَطَقَ: "لا تَسْتَهْتِرُوا بِىَّ لِصِغَرِ سِنِّي فَعِنْدِي الحَلَّ، وَتَذَكَّرُوا مَا قَدْ تَفْعَلُهُ إِبْرَةٌ صَغيرَةٌ في بَلُونَةٍ كَبِيرَةٍ! فقدْ تَعَلمْنا العامَ الماضِي فِي كِتابِ المَهْرَجانِ دَرْسً صَغيرً كَيْفَ نَعْبُرَ مِنْ البابِ الضَيِّقِ بِأَنْ نَنْزَعَ مِنْ داخِلِنا هَواءَ الكِبْرِياءِ والغُرُورِ، فَإِذا تَعامَلْنا بِدُونِ الكِبْرِياءِ والغُرُور ِوَالأَنانِيَّةِ سَيَصْبِحُ حَجْمُ رُوحِنا وَنَفْسِنا طَبِيعِيًّ جِدَاً وَسَوْفَ نَنْجَحُ بِتَواضُعِنا بالتَّعامُلِ مَعَ أَصْعَبِ الأَحْوالِ"، ثُمَّ أَوْضَحَ كَلامَهُ قائِل: "إِذا طَبَّقْنا هَذا الكَلامِ عَلَىَ الأُتُوبيسِ وَنَزَعْنا قَليلاً مِنْ الهَواءِ مِنْ إِطاراتِهِ سَيَبْدَأْ تَدْريجِيَّاً فِي الإِبْتِعادِ عَنْ السَّقْفِ وَيَعْبُرُ بِسَلامٍ،
إِنْبَهَرَ الجَميعُ مِنْ فِكْرَةِ الطِّفْلِ الرَّائِعَةِ وَبالفِعْلِ عَمِلُوا بِرأْيِهِ، وآنْفَصَلَ الباصُ عَنْ النَّفَقِ وَعَبَرَ بِسَلامٍ.
فيا حَبَّذا لَوْ نَنْزَعَ مِنْ داخِلِنا هَواءَ الكِبْرِياءِ والغُرُورِ وَالكَذِبِ وَالنِفاقِ وَالطَمَعِ وَنَكونَ بِحَجْمِ أَنْفُسِنا وَقُدُراتِنا وَنَأْخُذَ بِرأْيِّ الصَّغِيرِ وَالكَبيرِ وَنَتَّقِي اللهَ!
هَذهِ عِبْرَةٌ مِنَ المِئاتِ تَكُونُ الفِكْرَةُ مِنْها تَقَبُّلَ الأَخَرين وَأَراءَهُمْ دُونِ إِسْتِهْتارٍ وَلَوْ كانُوا صِغارً!
وَفَقَنا المَوْلَى وَحَبَّبَنا بِقُبُولِ بَعْضٍ وَأنْعَمَ عَلَيْنا رَحابَةَ الصَّدْرِ، والَّسلامُ عَليكُمْ وَرَحْمَتُهُ سُبْحانَهُ مُيَسِّرَ الأُمُورَ لِمَنْ يشاءُ!
29/01/2020 08:33 am 4,314
.jpg)
.jpg)