كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني


"الشهادة والعمل الخالص لله"!



  
السَّلامُ والرَّحْمَةُ تُرافِقَكُمْ في رِحابهِ إِنْ شاءَ اللهُ تَعَالَى!



أَيُّها الكرِامُ والأَعِزاءُ حَيَّاكُمْ اللهُ! هِيَ كَلِمَةٌ وأَيُّ كَلِمَةٍ هِيَ! نِعْمَةٌ مِنَ النِعَمِ، بِها يَسْتَبْشِرونَ الخَيْرَ أَصْحابُها فَرِحينَ بِما أَعْطاهُمْ اللهُ وَبِفَوْزِهِمْ بِرِضْوانِهِ، فَلا يَرْجُونَ الرُّجُوعَ إِلى الحَياةِ الدُّنْيا، إِلاَّ لِيَعُودُوا لِيُقْتَلُوا مَرَّةً أُخْرَى لِيَكُونُوا بهَذا النَّعِيمِ الَّذي يَحِبُونَهُ لإِخْوَتِهمْ، فِيهِ مَا لا عَيْنٍ رَأَتْ وَلا أُذُنِ سَمِعَتْ وَلا شَيْءٌ خَطَرَ على بَالِ بَشَرٍ،
هَذا بِفَضْلِ الشِّهادَةِ لِلْشُّهَداءِ عِنْدَ اللهِ، الَّذِينَ أَصْبَحُوا فِي مَرْتَبَةٍ عُلْيَا لا يَمُوتُون! وَالأَمْرُ جَلِيُّ أَنَّ الصَّغِيرَ وَالْكَبيرَ وَرَجُلَ العِلْمٍ وَالْدينِ يَقْرَأُونَ وَيَتْلُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُو ا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ"، إِذاً هُمْ الَّذين يُؤْمِنُونَ فَيُرْزَقُونَ مِنَ اللهِ بِمَا وَعَدَهُمْ لِإِيمانِهِمْ، فَآطَّلَعَ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ إِطِّلاعَةً فَقَالَ: مَاذا تَبْغُونَ؟ فَقَالوا: يا رَبَّنا، وأَيَّ شَيْءٍ نَبغِي وَقَدْ أعطَيتَنا مَا لَمْ تُعطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ؟! ثُمَّ عَادَ عَلَيْهِمْ بِمِثْلِ هَذا (السُّؤالِ)، فَلَمَّا رَأَُوْا أَنَّهُمْ لا يُتْرَكُونَ مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا، قَالُوا: نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّنا إِلى الدَّارِ الدُّنْيا، فنُقاتِل في سَبيلِكَ حَتَّى نُقتَلَ فِيكَ مَرَّةً أُخْرَى، لِما يَرَوْنَ مِنْ ثَوابِ الشَّهادَةِ، فَيَقُولُ الرَبُّ جَلَّ جَلالُهُ: "إِنِّي كَتَبْتُ أَنَّهُمْ إِلَيْها لا يُرْجَعُونَ".

هَؤُلاءِ في الأَعالِي إِخْوَتِي! تَكُونُ؛ (أَرْواحَهُمْ في جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، وَلَهُمْ قَنادِيلٌ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شاءَ، فَتَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلٍ مِنَ الذَّهَبِ المُعَلَّقَةِ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ، فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ وَمَقِيلِهِمْ، نَطَقَ لِسانِ حالِهِمْ يقولُ: (مَنْ يُبَلِّغُ إِخْوَانَنَا عَنَّا أَنَّا أَحْيَاءً فِي الْجَنَّةِ نُرْزَقُ! لِئَلَّا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ وَلَا يَنْكُلُوا عِنْدَ الْحَرْبِ)! فَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: (أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ)!

أَعِزائِي هُمْ (الشُّهَداءُ) في الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ في الجَنَّةِ بَعْدَ النَّبيينَ والصِدِّيقِينَ، وَهَذا مَا رَوُوهُ فِي الحَدِيثَ مِنْ قولٍ عَنْ سَيِّدُنا وَنَبِيُّنا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسلَّمَ! فَهُمْ كَمَا قَالَ أَيَْضاً: "ضُيُوفُ الرَّحْمَنِ فِي دارِ اللهِ جَنَّةِ الخُلْدِ، فِيها نَزَلُوا مَنْزِلَةً عالِيَةً فَرِحُونَ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِإِخْوَتِهِمْ القادِمِينَ عَلَيْهِمْ"!
وَكَأَنَّ الشُّهَدَاءَ أَحْبابي! أَقْسَامٌ مِنْهُمْ مَنْ تَسْرَحُ أَرْوَاحُهُمْ فِي الْجَنَّة وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ عَلَى هَذَا النَّهَر بِبَابِ الْجَنَّة، وَقَدْ يَحْتَمِلَ أَنْ يَكُونْ مُنْتَهَى سَيْرهمْ إِلَى هَذَا النَّهَرِ فَيَجْتَمِعُونَ هُنَالِكَ ، وَيُغْدَى عَلَيْهِمْ بِرِزْقِهِمْ هُنَاكَ وَيُرَاحُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ!

سَمَّاهُمْ اللهُ بالشُّهَداءِ لأَنَّهم مُتَواجِدينَ في رِحابِ ما وَعَدَ أَيْ مَوْجُودينَ وشاهِدِينَ زَمَانَاً وَمَكاناً بِمَكانِ الحَدَثِ، وهَكَذا يَحِقُ لَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا أَيْضاً، على أَنَّ مَا وَعَدَ اللهُ خَلْقَهُ بِإِنْزَالِهم كَانَ حَقاً وَتَمامَاً، وَأَدْراكُوا المَكانَةَ الَّتِي وَعَدَهُمْ في الحَياةِ الدنيا في الأَخِرَةِ، لِيَكُونُوا مُحَفِّزَاً أَيْضاً لِمَنْ يُريدُ أَنْ يَتَّبِعَهُمْ، فَقَبِلَهُمْ اللهُ شُهَداءً على حَقيقَةِ الأَمْرِ، وَكُلُّ واحِدُ مِنْهُمْ شاهِدٌ لأنَّ اللهُ جَعَلَهُمْ بِهَذِه الدَّرَجَةِ أَمِنينَ! وسَمَّاهُمْ اللهُ بِالشُّهَداءِ مِنْ شَهِدَ يَشْهَدُ أَيْ كَانَ حاضِراً وَرأَى، وبِهَذا هُمْ صادِقُونَ! وَهَلْ اللهُ بِحاجَةٍ لِمَنْ يَشْهَدُ عَلَيهِ وَعلى صِدْقِ وَعْدِهِ؟ وهَذا إِنْ كَانَ فََهُوَ أَكْبَرُ دَلِيلاً عَلَىَ أَنَّ اللهَ أَوْجَدَ الإِثْباتاتِ على صِحَّةِ دَعْوَةِ رُسُلِهِ وأَنَّ المُكافَأَةَ لِمَنْ يُؤْمِنُ وَيَتَّبِعُ وليس الأَمْرُ بِمُجَرَّدِ كَلامٍ!

وَإِيجازَاً فَإنَّ الشَّهيدَ في الإِسْلامِ هُوَ مَنْ ماتَ مِنَ المُسْلِمينِ في سَبِيلِ اللهِ مِنْ دونِ أَيْ غَرَضٍ مِنْ أَغْراضِ الدُّنْيا، وَقَدْ وَعَدَ اللهُ مَنْ يَسْتَشْهِدُ فِي سَبيلِهِ مَغْفِرَةً وَرَحْمَةً كامِلَةً، وَذَلِكَ لِقَولِ اللهِ عزَّ
وَجَلَّ: (وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)!

مَا جَاءَ بِالحَديثِ كذَلِكَ إِخْوَتي! أَنَّ الشُّهَداءَ أَنْواعٌ، وَعَلى الرَّغْمِ مِنْ إِخْتِلافِ مَنْزِلَتهِمْ، لَهُمْ نفس المَكانَةِ ولَكِنْ بِدَرَجاتٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ مَاتَ مَطْعُونَاً، أَيْ بِالطاعُونِ أًوْ مُبَطًنً بِمَرَضٍ في البَطْنِ أَوْ بالغَريقِ، غرقاً، أَوْ صَاحِبَ الهَدْمِ؛ مَنْ يَمُوتُ تَحْتَ الهَدْمِ وَالبِناءِ أَوْ صَاحِبَ ذَاتَ الْجَنْبِ؛ وَهُوَ مَنْ يَمُوتُ نَتيجَةِ إِصابَتِهِ بِالْقُرْحَةِ والَّتي تَكُونُ فِي الْجَنْبِ بَاطِنًا وَأخرٌ بالْحَرِيقِ، إِذْ يَمُوتُ مَحْرُوقَاً بِالنَّارِ، والْمَرْأَةُ مَنْ تَمُوتُ حامِلاً، أَوْ في فَتْرَةِ النَّفاسِ والمَوُتُ كَذَلكَ بِالسِلِّ، وَهَذا لِحَديثٍ عَنْ الرَّسُولِ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ لِقَولهِ: (القَتْلُ في سَبيلِ اللهِ شِهادَةٌ ، والطّاعونُ شهادةٌ ، والغرَقُ شِهادَةٌ ، والبطْنُ شهادةٌ ، والحرْقُ شهادةٌ ، والسُّلُّ ، والنُّفساءُ يَجُرُّها وَلَدُها بِسُرُرِها إِلى الجَنَّةِ، وَمَنْ تَردَّى مِنْ رَأْسِ جَبَلٍ أو أَكَلَهُ السَّبْعُ؛ أَيْ مَنْ يَأْكُلْهُ سَبْعٌ بَرِيٍّ أَوْ يَقَعُ عَنْ سَفْحِ الجبلِ وَالْمَائِدُ فِي الْبَحْرِ؛ وَهُوَ منْ يُصيبْهُ القَيْءُ أَثْناءَ الإِبْحارِ وأَخَرُ مَنْ قُتِلَ دُونَ مَظْلمَتِهِ؛ أَيْ الشًّخْصُ الَّذي يُوْقَعُ عَلَيهِ نَوْعٌ مِنْ أَنْواعِ الظُلْمِ ويُقْتَلُ بِسَبَبِهِ، كَما وَطالبُ العِلْمِ مَنْ خَرَجَ طالِباً العِلْمَ في سَبِيلِ اللهِ وَماتَ، والقائِلُ كَلِمَةَ الحَقِّ لِلْحاكِمِ؛ أَيْ الإِنْسانُ الَّذي يَقُومُ إِلى الإِمامِ الجائِرِ؛ فَيأْمُرُهُ مَخافَةَ اللهِ وَآتِّباعَ الحَقِّ والحُكْمَ بِالعَدْلِ، والإِبْتِعادَ عَنْ الظُّلْمِ، فَيَغْضّبُ عَلَيهِ الإِمامُ وَيَقْتُلْهُ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ أو دَمِهِ أو أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ؛ وَهُوَ الَّذي مَات دِفاعَاً عَنْ سَرِقَة مَالِهِ مِنْ قِبَلِ الأَعْداءِ وَاللُّصوصِ، سَواءً كَانَ كَثيرَاً أَوْ قليلاً ومَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ؛ وهُوَ مَنْ يَمُوتُ وَهُوَ يُدافِعُ عَنْ نَفْسهِ كَما َوَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ؛ وهُوَ مَنْ ماتَ في سَبِيلِ نُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ وَالدِّفاعِ عَنْهُ كَذَلكَ مَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ؛ أَيْ الَّذي ماتَ وَهُوَ يُدافِعُ عَنْ عَرْضِهِ وَشَرَفِهِ، واللهُ ورَسُولُهِ أَعْلَمُ!

إِنَّ الأَساسَ بِآحتيابِ الشِّهادَةِ أَيُّها الأَعزاءُ ! في كُلِّ مَا كُتِبَ وَفِي كُلِّ مَا ذُكِرَ سابِقاً! أَنْ يكونَ العَمَلُ خَالِصاً للهِ، والذي أَلَ لِمَوْتِ صاحِبِهِ فَيَكونُ شَهِيدَاً ويَصْلُحُ لَهُ ما جَاءَ بِحَقِ الشُّهَداءِ، والله ُأَعْلَمُ!

وَفَقَكُمْ اللهُ إِخْوَتي وأَعِزائِي! وَلَكِنَّني أَرَى مِنْ واجِبي أَنْ أُذَكِّرَ أَنَّ نَوايايَّ وَراءَ مَا أَكْتُبُ أَنْ نَصِلَ جَميعَاً للهِدايَةِ ونَسْتَخْلِصَ العِبَرَ مَنْ الكَلامِ الَّذي لا يَجِبُ فِيهِ التَرْهِيبُ أَوْ التَحْرِيضُ! اللَّهُمَ لِنَعْرِفَ جَلِيَّاً أَنَّ العَمَلَ الخالِصِ هُوَ الهَدَفُ والصِّلَةُ الواثِقَةُ بِاللهِ وَالَّتي نَعْمَلُ لِوَجْهِهِ، فَهُوَ مَنْ يَعْلَمُ مَا في القُلُوبِ وَيَعرفُ إِنْ كَانَ هَذا مَبْنِياً على غَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ لِكَسْبِ الثَّناءِ والمَرْكَزِ العاليِّ بَيْنَ النَّاسِ، فَمَنْ يَبْغِي الشُّهْرَةَ هَذهِ لَنْ يكونَ هَذا لَهُ عِنْدَ اللهِ!
السَّلامُ عَليكُمْ وَرَحْمَتُهُ تَعالَى! وَسَدَّدَ خُطاكُمْ إِنْ شاءَ اللهُ!