كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني


مراتب الإِنسانية في التسامح والعفو!


السْلامُ عَليكُمْ مِنْ بِلادِ الإِسْلامِ والمُؤْمِنينِ!


كانَتْ أَوَّلُ كَلِمَةٍ نَطَقَ بِها صارِخَاً وأَفْرَغَ سُمَّ بذاءَتِهِ: (مِينْ أَنْتَ)؟ ........(أَنا بَعِرْفَكَ)؟ يَقْصُدُ أَنْ يَقُولَهَا.....(أَنا لا أَعْرِفكَ! .....(لِماذا تُوَجًَهُ إِليَّ الكَلامَ)؟ حِينَها يَقُولُ الرَّجُلُ صَديقيَّ أَيُّها الأَحِباءُ! قِصَّتِي حَقيقيَّةٌ! كُنْتُ أََنا وَزَوْجَتي وإِبْنْتِي على الخَطِّ المُتاحِ للإِنْتِِظارِ، بَعْدَ أََنْ قامَتْ المُرْشِدَةُ بِتَوجِيهي في المَطارِ وإِذا بِهِ يَأْتِي معْ عَشْرَةِ أَشْخاصٍ وأَكْثَرِ ويتجاوزونَنا وَيُريدُ هُوَ وجَماعَتُهُ تَخَطِّيَنا والمُرُورَ قَبْلَنا، قُلْتُ لَهُ: (إِِسْمَحْ لِي وِينْ رايْحين)! الدُّوْرُ لَنا! وَشَرَحْتُ لَهُ أَنَّني لا أَسْتَطيعُ الوُقُوفُ، وَقَدْ أَرْهَقَني التَعَبُ فَجَلَسْتُ على حَقيبَةِ السَّفَرِ، وأوَّلَ ما نَطَقَ أَعِزائِي! بَعْدَ أَنْ أَدارَ لِيَّ وَجْهَهُ: (مِينْ أَنْتَ تَحْكِي مَعِي)! قالَها كأَنَّهُ يَقُولُ لِيَّ أَنْتَ وَلَشِي، مَعْ عَكَّازاتٍ، أُسْكُتْ أَحْسَنْلَكْ! عِنْدَها ثارَ غَضَبيَ، ولَمْ أَدْرِي كَيْفَ سَمَحَ لِنَفسِهِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكُلٍ وقاحَةٍ وآستهتارٍ وَبِهَذا الأُُسْلُوبِ، فَرَفَعْتُ صَوْتِي وَقُلْتُ لَهُ: (بِالحَقِيقَةِ أَنَّكَ لا تَفْهَمْ! إِنَّكُمْ حَيَواناتٌ! وَلا يُشَرِّفُنِي أَنْ أَتَعَرَّفَ عَلَيكَ! قُلْتُها بَعْدَ أَنْ كَرَّرَها عِدَّةَ مَّراتٍ؛ (مِينْ أَنْتَ) قاصِدَاً الإِهانةَ؟ كَأَنَهُ سُلْطانُ زَمانِهِ!

حدَّثَني صَديقيَّ أَيْضَاً: (بَدَأَتْ الأَصْواتُ تَعْلُو وَالكَلامُ والنَّظَراتُ مِنْ جَميعِ الجِهاتِ، يُحاوِلُون أََنْ يُهَدِّؤُوا الوَضْعَ، أمَّا هُوَ فَقَدْ إِقْتَرَبَ إِلَيَّ عارِضَاً قُوَّتَهُ وتَهَجُّمَهُ، يُريدُ أَنْ يُخِيفَنِي)! فَقُلْتُ لَهُ: (مِنْ الأَفْضَلْ أَنْ تَبْتَعِدَ! إِحْذَرْ فَأَنا لا أَرْغَبُ.......لَكِنَّهُ إِسْتَمَرَّ في التَهَجُمِ! إِلى أَنْ جَاءَتْ مُضِيفَةٌ ثانيةٌ وأَخَذَتْنا انا وزوجتي وإِبْنَتي لِمُحَطَةٍ أُخْرَى لتُجْرِي لَنا دُخُولاً مُنَظَّمَاً، وإِذا بِشابٍ مِنْ بَعِيدٍ؛ عَامِلٌ بِالمَطارِ يَأْتِي بِكُرْسِي لِيُجْلِسَني، وَقَالَ لِيَّ إِسْتَريحْ مِنْ فَضْلِكَ! وآبْقْوا الكُرْسِيَّ مَعَكُمْ حَتَّى تُنْهُوا المُعامَلاتِ وتَخْرُجُوا إِلى المَحَطَّةِ الأَخِيرَةِ)!


إِنَّها أَوَّلَ مَرَّةٍ أُصادِفُ إِنْساناً يَتَلَذَّذُ ويُعودُ ويُكَرِّرُها؛ مِينْ أنتَ! أَنا بَعْرِفُكَ! وَيَعْنِي أنْتَ لا شَيْءٌ! يَتَفاخَرُ بِكَلامهِ أَمامَ كَثيرٍ مِنَ المُسافِرينَ، وماذا يُريدُونَ بَعْدَها مِنِّيّ .....!!!! أَنْ أَتَجَاهَلَهُ وأُمَرِّقُ لَهُ تَعَدِّيهِ! أَقُوُلُها لَكُمْ مُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَة! شَعَرْتُ أَنَّهُ إِنْسانً مِنْ النَّوْعِ الَّذي يُفْصِحُ عَنْ حَقارَتِهِ من البِدايَةِ! ومَهْمَا حاوَلْتَ مَعَهُ لَنْ يَترَاجَعَ! حاوِلوا أَنْ تَتَجاوَزُوا أَعِزائِي أنْسانً كَهذا! ولَكِنْ لَيْسَ قَبْلَ أَنْ تُظْهِرُوا حَقيقَتَهُ وحَقارَتَهُ أَمامَ الجَمِيعِ! لِيَعْرِفَ بِنَفْسِهِ سُوءَ أخلاقِهِ وَتَصَرُّفاتِهِ! ولَكِنْ إذا جَاءَ لِيَعْتَذِرَ فِيمَا بَعْدِ! فََلا تَقْبَلُوا لَهُ إِعْتِذارَهُ على طُولٍ! لأَنَّهُ مِنْ عادَتِهِ هَكَذا أَنْ يُشْعِلَ الحَرائِقَ ثُمَّ يُحاوِلَ الإِنْسِحابِ!

في البِدايَةِ أََثارَ أَعْصابِي، لَكِنَّني بَعْدَ رُبْعِ ساعَةٍ مِنَ الزَّمنِ ، أَخْرَجْتُهُ مِنْ ذاكِرَتي وَبَدأْتُ أَكْتُبُ بِدُونِ إنْفِعالٍ! حَتَّى إِنَّني قَبْلَها كَانَ لَدَي وَقْتٌ كافِيًّ، وَأَكَلْتُ سانْدْويشً وَآحْتَسَيْتُ القَهْوَةَ، وقُلْتُ؛ سَأُسامِحُهُ مَعَ كُلِّ هَذا! إِِذا فِعْلاً إِرْتَدَعَ وغَيَّرَ مِنْ أَخْلاقِهِ، فإِنَّ أَهْلَ السَّماحِ مَليحُونَ وطَيِّبُونَ.

ليْسَتْ المَرَّةَ الأُولَى الَّتي أُسافِرُ فِِيها بِالْمَطارِ، وَلَيْسَتْ اللأُولى فِيها أَلتَقِي بأُناسٍ غُرَباءٍ! وأَحْمُدُ اللهَ أَنَّهُ أَنْعَمَ عَليَّ المُيُولَ لِلْتَّعَرُّفِ بِالأَخَرينِ! وحُبَّ العَمَلِ مَعَهُمْ والتَضْحِيَةَ مِنْ أَجْلِ الكُلِّ بِقَدْرِ ما أَسْتَطيعُ! وأَشْكُرُهُ عَلَىَ عَطائِهِ لِي أُسْلُوبَاً، والحَمدُّ لله! لِلأَحْتَكَّ بِهِمْ سَرِيعَاً بِدُونِ تَرَدُّدٍ! فَلَيْسَ عِنْدِي مَشْكِلَةٌ لِبِناءِ علاقاتٍ مَعَ الجَمِيعِ وتَوْسِيعِ رُقْعَةِ المُعامَلات مع الكُلِّ فَالواجِبُ أَنْ نَتَقَبَّلَ الجَميعَ بإِحْتِرامٍ ونُعْطِيَهُمْ جُلَّ الإِحْتِرامِ!

بَعْدَ أَنْ أَخْذْتُ قَرارَاً وسامَحْتُهُ أَعِزائِي كَانَ الشُّعُورُ قَدْ أَراحَ قَلْبِي وجَسَدِي! وَأَصْبَحْتُ سَعِيداً مَسْرُوراً لِمَا أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ مَراتِبِ الأَخْلاقِ والإِنْسانِيَّةِ! فَقَدْ تَصالَحْتُ أَوَّلاً مَعْ نَفْسِي وَمَعْ مَنْ أَساؤُوا إِلَيَّ، ولأَنَّ التَّسامُحَ وَالمُصالَحَةَ يَكْسِبُنا أَجْرً! وتَزيدُ المَحَبَّةُ بَيْنَ النَّاسِ بَعْدَ خِصامٍ فَهَذا يَعُودُ بالفَائِدَةِ لا بِالضَرِرِ للجَمِيعِ! فَاللهُ تَعالى قَالَ: ( وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)! وقَوْلَهُ في قِصَّةِ يُوسُفَ: (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)، وَيَعْقُوبُ عَلَيهِ السَّلامُ عِنْدَما طَلَبَ مِنْهُ أَبْناؤُهُ أَنْ يُسامِحَهُمْ، فَوعَدَهُمْ بِأَن يَسْتَغْفِرَ لَهُمْ اللهَ، قال تعالى: (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ، قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)، وَقَولُهُ لِنَبيهِ: (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)!

وَفَقَكُمْ اللهُ يا مَنْ تُسامِحُونَ وَتَدْعُون لِلْعَفْوِ وَبارَكَ اللهُ فِيكُمْ والسَّلامُ عَليكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وبَرَكاتُهُ!