كنوز نت - بقلم : شاكر فريد حسن



     

 لذكرى محامي الأرض والشعب حنا نقارة



في كانون الثاني العام 1984 رحل محامي الأرض والشعب والوطن حنا نقارة، حاملًا معه أعذب وأرق ما في الروح الفلسطينية من كبرياء وشرف ووطنية وكفاحية.

المرحوم حنا نقارة هو علم شامخ في تاريخنا الوطني والسياسي والثقافي والحقوقي، نظر إليه الجميع نظرة الوالد الكبير المثير للاحترام والتقدير والمهابة.

وهذا الاحترام لحنا نقارة هو احترام لسيرة حياته النضالية الغنية، المكتنزة بالعمل والنشاط الدؤوب الجاد، والكفاح المقنن، والدفاع عن الأرض والهوية والوطن وحقوق المهجرين الفلسطينيين.

عاش حنا نقارة حياة شريفة مستقيمة، ناكرًا للذات، مؤمنًا حد النخاع بالفكر الايديولوجي الطبقي، وكان على قدر كبير من الوعي والذكاء والفراسة والمعرفة العميقة الواسعة في مجال الأراضي وحقوق القومية العربية. ذاع اسمه وصيته على طول البلاد وعرضها، كأحد أبرز وأنجح المحامين العرب، وشكل مثالًا ونموذجًا لشرف مهنة المحاماة واصالتها، واتسم بخصال حميدة ومزايا رفيعة يحتاجها المحامون في زماننا هذا.

لم يكن حنا نقارة يزاول المحاماة كمهنة للتكسب، وإنما كرسالة إنسانية ووطنية نبيلة، دفاعًا عن حقوق المظلومين، والكفاح من أجل سيادة القانون والعدل في العالم. وأكثر ما اتصف به الشجاعة، وهي ميزة من مميزاته الأصيلة كمحامٍ، وعرف بإخلاصه ووفائه اللامحدود في العطاء، وخدمة كل أبناء الطبقات المسحوقة والعمال والفلاحين من أبناء شعبنا، وبنضاله الدؤوب لاسترجاع حقوق المهجرين الفلسطينيين.

حنا نقارة شخصية وطنية وشيوعية بامتياز، عرف طوال حياته كيف يجمع جمعًا حقيقيًا بين الفكر والممارسة والنضال، فالفكر عنده معيار صحته هو الممارسة الواقعية النضالية، والنضال عنده لا يستقيم ولا يتواصل، ولا يثمر إلا إذا استند لعقيدة ثورية علمية.

انخرط حنا نقارة منذ ريعان شبابه في الحركة الوطنية الثورية، وكان أحد مؤسسي الحزب الشيوعي في فلسطين، ومن مؤسسي لجنة الدفاع عن الأراضي العربية. ومنذ تلك الأيام العاصفة، وبحماس الشباب واندفاعه، وحتى آخر يوم في حياته كانت طاقاته كلها مكرسة للقضية الوطنية والطبقية الثورية، قضية الأرض والخلاص والتحرير والاستقلال، والدفاع عن حقوق الفلسطينيين الذين تعرضوا للطرد والترحيل.


وقد أنشد شعبنا الاهازيج الوطنية لحنا نقارة فرحًا بتحصيله الهويات في المحاكم، ما يعني البقاء في الوطن وفوق أرضه، ومن تلك الاهازيج :

طارت طيارة من فوق المية
           الله ينصركم يا شيوعية
حنا نقارة جاب الهوية
      غصبًا عن رقبة بن غوريونا

ربطت حنا نقارة صداقة عمر مع الشاعر الفلسطيني الكبير ابن حيفا، المرحوم عبد الكريم الكرمي " أبو سلمى "، لكن النكبة باعدت بينهما، ولم يلتقيا بعدها، وظل كل واحد منهما يتطلع ويصبو للالتقاء بالآخر. وكان أبو سلمى قد سلمَّ مفاتيح بيته في حيفا عام 1948 لحنا نقارة قبل أن يغادر حيفا إلى عكا. وكان أبو سلمى يعتقد بانه سيغيب أيامًا قليلة لكن الغيبة طالت كثيرًا، وتحولت إلى نفي واقتلاع وتشرد. وهكذا بقيت المفاتيح مع حنا نقارة، الذي أسس الاتحاد والجديد، وكانت طاولة مكتب أبو سلمى هي أول أثاث في مكاتب الاتحاد والجديد وفوقها كتب شعراء وأدباء المقاومة والكفاح سميح القاسم ومحمود درويش وإميل توما وإميل حبيبي وتوفيق زياد وسالم جبران، وبقوا يشْتَّمون في خشبها رائحة صاحبها " الغصن الذي برعمت عليه زهورهم ".

وحمل حنا نقارة قصائد أبي سلمى التي لم يستطع جمعها، وكانت منثورة هنا وهناك، بالإضافة إلى قصائد مخطوطة لم تنشر من قبل، إلى براغ ليسلمها لصاحبها، ولكن هذا اللقاء لم يتم بين هذين الجبلين الشامخين، ولم يلتقيا بعد طول فراق وانتظار، وبكى حنا نقارة كثيرًا لان الأقدار لم تمهل أبا سلمى لحين موعد اللقاء المضروب بينهما في براغ، حيث وافته المنية وغادر الحياة. 

وبعد وفاة حنا نقارة صدرت مذكراته في كتاب العام 1985، عن دار الأسوار في عكا، التي سجل فيها سيرته الذاتية المضيئة حتى سنة 1948، قبل أن تعاجله المنية من دون أن ينهيها. ثم صدرت في العام 2011 طبعة ثانية منقحة ومزيدة عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية ببيروت، واحتوت على مذكراته الشخصية، وخطاباته ومواقفه، والفترة التي تلت سنة 1948، وبالإضافة إلى المقالات التي ظهرت في الطبعة الاولى أضيفت أربعة مقالات أخرى لرفاق دربه : د. أميل توما، الشاعر حنا ابراهيم، الكاتب صليبا خميس، والمحامي وليد الفاهوم، وفيها مسحًا لإعماله ونشاطاته السياسية والإنسانية في هذه المرحلة من حياته، وإبراز لدوره المميز في معارك الشرف والصمود والبقاء والدفاع عن الأرض وحقوق الفلسطينيين في بلدهم ووطنهم.

واخيرًا، فإن سيرة حنا نقارة، محامي الأرض والشعب، وتراثه الوطني، وسيرته الحقوقية والنضالية صفحة مشرقة باقية في ذاكراتنا، ومسيرة شعبنا وتاريخه، وسلاحًا بتارًا في معارك الكفاح لأجل البقاء والوجود والحياة والتقدم الاجتماعي والتجدد الثقافي.

فطوبى والمجد لك يا أبا طوني، فنحن لن ننساك أبدًا.