قُتِل الأب برصاص قوّات جيش الدفاع الإسرائيلي، وسيرسل ابنه الطفل إلى دار الأيتام



قتل جيش الدفاع الإسرائيلي يوم الجمعة الماضي محمد جعبري في الخليل، والد واحد، مُعاق وأبكم. كانوا يسمّونه في المدينة "أحا، أحا"، على اسم المقاطع الكلامية عديمة المعنى والوحيدة التي كان ينطق بها.

 
بقلم : جدعون ليفي و أليكس ليبك هآرتس، 2018/3/16 ترجمة: أمين خير الدين 


      
 زيّان جعبري طفل عمره أربع سنوات ونصف السنة، يحدق في فضاء الغرفة الصغيرة بعينيه الميتة ويصمت، لا ينطق بحرف. يجلس على رُكْبَتي جدّته، ويظن أنها أمّه، هكذا قالوا له منذ زمن. والآن قالوا له إن اباه قد قُتل، من غير المؤكد أنه يُدْرِك حجم مصيبته الجديدة. قبل ثلاث سنوات، عندما كان عمره سنة، تيتّمَ من أمّه ويوم الجمعة الماضي تيتّم من أبيه، إنسان مريض نفسانيا وفاقد القدرة على الكلام. أطلق عليه جنود جيش الدفاع الإسرائيلي الرصاص الحيّ. عن بُعْد 20 مترا، مباشرة على صدره. بعد ثلاثة أيّام على تيتّمِ زيّان، أجروا معه مقابلة وهو يجلس صامتا على ركبتي جدّته التي تقول إنه بسبب ضائقتهم الماليّة سيضطرون إلى إرساله قريبا إلى دار للأيتام. وتؤكّد أنها ستأتي لزيارته على فترات متقاربة.
     
بيت من الحجر في مدينة الخليل القديمة، فوق الحرم الإبراهيمي وحي المستوطنين، في منطقة H1 الواقعة ضمن سلطة الفلسطينيين. عتمة باهتة في البيت. وعندما تتكيّف العين البشرية للعتمة يتضح الواقع الذي لا يًصدّق: يسكن في هذا البيت والدان و— 12 ولدا، مع بعض الأحفاد الصغار، وجميعهم ينحشرون في ثلاث غُرف صغيرة.
  
 أربعة من أبناء هذه العائلة مِمَنْ يقيمون في هذا لبيت يعانون من أمراض، منها داء الصَرَع والعجز عن الكلام. سكنت في هذا البيت أمّ توفيت من مرض السرطان وكان عمرها 18 سنة، بعد سنة من ولادتها لابنها الوحيد. وفي هذا البيت سكن زوجها، محمد جعبري، شاب بعمر 24 سنة، شبه ابكم، مريض نفسانيّا والوالد الوحيد الباقي لابنهما، زيّان إبن الأربع سنوات ونصف السنة. والان مات هو أيضا. قتله جنود جيش الدفاع الإسرائيلي.

 يدخل ويخرج المقيمون في البيت إلى غرفة الضيوف المعتمة. إياد ابن ال- 21 سنة مريض بمرض الصَرَع، ومريض نفسانيا، نوار ابنة أل-20 سنة وإسراء ابنة ال-17 سنة، بكماوتان عاجزتان عن النطق، باستثناء بعض الحروف التي لا معنًى لها،
بالضبط كأخيهن الميت. يحاول الوالدان التغطية على أبنائهم والدعاء بأنهم فقط بُكْمٌ، لكن تبدو عليهم إعاقات إضافيّة، عقلية ونفسانية.
   
جميعهم في حِداد على موت محمد، الإبن والأخ. قُتِل يوم الجمعة الماضي، بجانب جدار مدرسة البنات الثانوية في شارع الملك فيصل في المدينة. حسب الشهادات التي جمعتها منظمة بتسيلم، ثلاثة جنود، كمنوا لمُلقي الحجارة داخل ساحة المدرسة، اختبأوا خلف جذع شجرة زيتون قديمة، خرجوا فجأة من كمينهم وأطلقوا النار على محمد. والده، زيّان الجعبري، يقول إن ابنه لم يميّز أبدا الخطر الداهم عليه. "محمد بسيط جدا" كما يقول الأب، "لا يميّز خطر الجنود حين يطلقون النار". كما أنه لا يعرف الفرق بين ورقة نقدية ذات 50 شيكلا وقطعة نقد ذات نصف شيكل، في هذا البيت الفقير. "كان كل شيء بالنسبة له نصف شيكل"، هذا ما يقوله الأب.
  
سمّوه في الخليل "أحا، أحا"، عرفوه في المدينة بسبب سلوكه الغريب. "أحا، أحا" مقطعان لا معنًى لهما كان يرددهما. "أحا،أحا" كان يصرخ بهما على الجنود أيضا، وقد عرفه بعضهم، كان يكثر من التحرّش بالجنود على الحواجز بين أجزاء المدينة، كان يصرخ بمقطعيه الغريبَيْن على الجنود، وأحيانا كان يلقي عليهم الحجارة. أوقفوه مرتين خلال السنوات الماضية، وكانوا يحوّلوه إلى السلطة الفلسطينيّة بعد وقت قصير وهي تعيده إلى والديه، بسبب حالته، كانت آخر مرّة قبل نصف سنة.
   
أطلقوا النار عليه ثلاث مرّات وأصابوه بأرجله، عندما كان يشارك بإلقاء الحجارة، لم تكن جروحه بليغة. استمر "أحا، أحا" بالتحرش بالجنود وفعل ذلك أيضا يوم الجمعة الماضي، اليوم الأخير في حياته. يقول أبوه: السلطة الإسرائيلية والجيش عرفوا جيّدا مَن هو محمد، كانوا يلقون القبض عليه ثم يطلقون سراحه".

هرّبوا الجُثّة


 أمّه، عبله، تبكي. زيّان، يسرد الحكاية. كلاهما بعمر51 سنة . يعمل زيّان في كراج للسيارات في حوسان ومعظم زبائنه من المستوطنين من بيتار عليت المجاورة. عمل محمد بأعمال في الفرص المتاحة كتعبيد الشوارع، رغم قدرته المحدودة، منذ توفيت زوجته دُعا، أمُّ ابنه الطفل، تزوّج ثانية، لكن زوجته الثانية تركته بعد سنة من زواجهما. يمكن القول إنها لم تستطع العيش في هذا البيت كثير المصائب والصعبوبات.
  
فقط أبو محمد وإحدى أخواته، أسماء، استطاعا فهمه وتوضيح كلامه الغريب. محمد لم يتعلم القراءة والكتابة وكان التواصل معه صعبا. الآن يقول والد محمد إنه كان حزينا جدا بعد هجْر زوجته له. حاول أن يبعث رُسُلا لعائلتها، لإقناعها بالعودة ،
طلب من أبيه أن يعيدها، لكن عبثا. تقول أُمّه إنه في المساء الأخير من حياته كان حزينا جدا. ذهب للنوم مُبكِرا واستيقظ مُتأخِّرا. خافت عليه كثيرا، وقد تفقدته أكثر من مرّة في الليل لترى إن كان يتنفس، هذا ما تقوله الآن وهي تبكي.
    
استيقظ يوم الجمعة متأخرا، بعد العاشرة صباح. والده كان في عمله في الكراج منذ وقت طويل، بعثته أمه إلى حانوت البقالة ليشتري فراخا. بعد ذلك خرج من البيت وذهب إلى الجامع للصلاة. لم يعد بعد ذلك. حضّرت أكلة مقلوبة. وعندما تأخر احتفظت له بوجبة خاصّة ووضعتها في خزانة المطبخ. "كان حسّاسا جدا"، تقول الآن، "لم يكن من الممكن معرفة إلى أين ذهب".
 
عاد الأب من عمله بعد الظهر، غسل يديه وجلس ليأكل. محمد لم يكن قد عاد إلى البيت. اتصل أحد أقارب العائلة بأسماء وقال لها إن محمد قد أُصيب بأرجله. "الله يرحمنا"، قال الأب، يقول الأب إن قلبه قد توجّس شرّاً، بأكثر من جرح برجْلِ ابنه. أسرع بسيارته وبرفقة زوجته إلى مستشفى عاليه في الخليل، استذكر طوال الطريق الآية المناسبة لحالات الموت "الله يعوّض علينا". حاولت زوجته تهدْئته. تقول الآن: "الله يجازي الجنود الذين قتلوا محمد"، ثم تبكي.
    
وحين وصل إلى المستشفى كان قد تجمّع في غرفة الطوارئ كثيرون من سكان المدينة. حتى انه شعر أنه كان آخر مَنْ علم حقيقة حالة ابنه. أوقف زيّان سيّارته وسط الشارع وجرى إلى الداخل. سأله الأطباء عن هويّته، قال لهم إنه والد الجريح. كان الأطباء لا يزالون يحاولون إحياء محمد. يقول زيان بحياته لم ير مشهدا كهذا: كان جسم ابنه غارقا بالدم ووجهه أيضا. وكانت مصطبة غرفة الطوارئ مليئة بالدم أيضا. كان من الصعب عليه أن يتعرف على ابنه محمد. طلب من الأطباء أن يصارحوه بالحقيقة فأجابه أحدهم: "الله يعوّض عليك". بعد ذلك، يقول الأب، وصل جنود جيش الدفاع الإسرائيلي إلى المستشفى، حسب أقواله جاؤا لاعتقال محمد. سارع الأقارب بتهريب الجُثّة بسيارة خاصّة للمستشفى الثاني في المدينة، المستشفى الأهلي.
     
صرّح الناطق العسكري لجريدة "هآرتس" هذا الأسبوع لقد "اتّضح من التحقيق الأولي أنه خلال الحادث أطلقت القوّة النار باتجاه مُخلٍّ للنظام الذي لوّح عن مسافة قريبة بزجاجة حارقة ، بقصد إصابة الجنود. لقد أصيب المخلُّ بالنظام من إطلاق النار ثم تقرر موته بعد ذلك في المستشفى. ولا زال فحص ظروف الحادث مستمرا". وأُضيف أيضا أنه "لم تتوجه قوات جيش الدفاع الإسرائيلي في أيّة مرحلة إلى المستشفى بخصوص جثة القتيل".
   
دخل الآن إلى الغرفة المكتظّة الأخ الثاكل، إياد. كم عمركَ؟ "عمري 16"، يقول الشاب ابن أل-21. يبدو هائجا وليس هادئا. "فقدتُ محمد، فقدتُ محمد"، يرددها ويجلس. بعد مضي دقائق قام بعصبيّة شديدة، مُخيفة، استطاع الأب من تهدئته. بعد ذلك قال الأب: عندما يريدون قتل أحد، لا يفرّقون بين غنني وفقير، بين سليم ومريض، بين إنسان طبيعي ومريض نفسانيّ. كان بإمكانهم اعتقاله، كان بإمكانهم إطلاق النار على أرجله، لكنهم قصدوا إطلاق هذه الرصاصة". حسب تقرير مستشفى عاليه، أُصيب محمد برصاصة واحدة حيّة دخلت صدره من الجانب الأيمن وخرجت من ظهره من الجانب الأيسر. ينوي زيّان تقديم شكوى بشأن مقتل ابنه لسلطات الجيش، لكنه يخشى من أن يلغوا تصاريح العمل لأبناء عائلته.
    
بعد ذلك سافرنا إلى مكان القتل. في ساحة المدرسة كانت الطالبات يدرن على ملعب كرة السلّة، حيث كمن بالقرب منه الجنود الذين قتلوا محمد. يجب التوضيح ثانية: الحديث ليس عن منطقة تحت سيطرة إسرائيل في الخليل. الجنود اقتحموا هذا المكان. كعادتهم، بعد أن انطلقوا خلف الذين ألقَوْا الحجارة على الحاجز الفاصل بينن شَقّيْ المدينة من سطح أحد البيوت. تظهر مستوطنة تل الرميده على التلّة المقابلة، شارع الملك فيصل شارع مركزي ومزدحم. يقول محقق منظمة بتسيلم، موسى أبو هشهش الذي حقّق في الحادث، كان مقابل الجنود الكامنين محمد وثلاثة – أربعة فتيان فقط، ليس أكثر.
 ثمة ثقب رصاصة في البوابة الفضيّة لمدرسة البنات. وعلى الشارع أثار دم جافٍّ.