لماذا صادر جيش الدفاع الإسرائيلي نقود البنت الثاكل؟



بدون محاكمة، وبدون بيّنات وبلا إثباتات - صادر جيش الدفاع الإسرائيلي عند المعبر على حدود الأردن. نقود ياسمين إشتيّه عند الحاجز على الحدود الأردنيّة. الفتاة الفلسطينيّة، كفيفة البصر منذ الولادة، عازفة القيثارة الموهوبة، وقد قتل والدَها المستوطن يهوشاع الياصور، تدافع اليوم عن حقّها الذي انْتُزِع منها.

بقلم : عميره هس هآرتس، 2018/3/14 ترجمة: أمين خير الدين 

    
حوالي 5000 شيكل قادوني إلى ياسمين اشتايه، وللدقّة: 375$، 500 شيكل و-668 دينار أردني. هذه هي العملات وهذه هي المبالغ التي أخرجتها السلطات الإسرائيلية في معبر الحدود مع الأردن من حقيبة إشتيه ومن حقيبة أختها سُهاد، وجدوا وصادروا. في 14 فبراير/شباط 2018 قرر جندي مجهول يعمل في مكتب مراجعات الجمهور في دائرة قائد لواء المركز( أو قد تكون جندية) بعدم إعطاء إشتيه حقَّ الاستئناف أو الاعتراض. النهاية.
   
وحالا، تحت الستار الكلامي الدقيق الذي يمارسه الإسرائيليون الذين يصادرون الأموال، تكشفت حياة كاملة لفتاة عمرها 31 سنة، كفيفة البصر منذ ولادتها، تتذكر أنها أدركت الفرق بينها وبين الآخرين في سنّ الخامسة. الوالدان- خاصة والدها صايل – غمراها بحنانهما . أمّها ، منى، كانت دائما تحمِّمها وتلبسها ملابسها ( وحتى يومنا هذا لا زالت أمّها تختار لها ثيابها، تفحص إن كانت بها شائبة وإن كان تناسق الألوان مريحا للعين وللظروف). مرّة زارتهم إبنة عمّتها الصغيرة، واستتحمّتا معا. فجأة اختفت ابنة العمّة. أين هي؟ ذهبت لترتدي ملابسها. عندئذ أدركت ياسمين ابنة الخمس سنوات أن أبناء جيلها يلبسون ملابسهم بأنفسهم. وربما قبل ذلك بقليل، وربما بعد ذلك – أدركت أنهم عندما يخرجون للشارع، يبتعد الأولاد بسرعة. يركضون، يقفزون، يمشون وحدهم إلى الدكان، بينما هي – دائما يجب أن يمسكها أحد بيدها. وحقيقة مع حقيقة. اصلاح الرؤية لم يتضح لها تماما، لكن الاختلاف عن الآخرين بدأ يتضح.
   
إدراكها لوجود قوّة عُليا تسيطر على كل شيء سبقت إدراكها لفقدها بلصرها ولحاسة البصر. هذا ما تقوله ذاكرتُها. عندما كانت في الرابعة من عمرها أو حوالي ذلك، أي في سنة 1991، جلست العائلة في الساحة أمام البيت في قرية سالم، شرقي نابلس. "فجأة صرخ شخص: ’تعال – وإلاّ سأطلق النار عليك‘ " . كما تقول. كلمة "تعال" قيلت بالعبرية، وقيل الباقي – باللغة العربية. لقد عرفت معنى إطلاق النار. وعلى ما يبدو أنها سمعت كلمة "جيش". وعرفت أن أصوات الضربات على الشارع هي أصوات وقع الحجارة التي يلقيها الأولاد. الكلمات لم تتجمع لصورة كاملة. كان صوت الجندي اللقاء الأول الذي تتذكره، تمثله السلطة على وجه الأرض. "اعتقدت أن الجندي مخلوق عملاق كما تقول. "أكبر من الناس العاديين. لم أفهم لماذا يتصرف بهذا الشكل، هكذا، ضدّ البشر". كما يعتقد أناس آخرون، بأن كلمتي"اليهودي" و "الجندي" صارت لديهم كلمات مترادفة. والمصيبة الكبرى في حياتها، عندما تبلغ ال-17 سنة، ستضطر إلى أن تفرق بينهما.

"طلبك مرفوض"

  لن تنسى الجندي أوري. "من أسوأ ما رأيته في حياتي"، كما تقول.في هذه الكلمة: رأيت. في ديسمبر/كانون الأول 2013 اشتركت مع نساء فلسطينيّات، في لقاء في عمّان حول موضوع دعم حقوق النساء المعوقات في الشرق الأوسط. هذه الفتاة التي فقط أدركت عندما كانت في الخامسة من عمرها أن الفتيات يلبسن ملابسهن بأنفسهن هي اليوم حاصلة على اللقب الثاني في اللغة الإنجليزية وفي الترجمة وممثلة بليغة للنساء المعوقات اللواتي يطلبن الاندماج في المجتمع وفي العمل. عملت إشتيه في الجمعيّة الفلسطينيّة "نجوم الأمل"، وقد أُقيمت الجمعية لتمكين اندماج النساء ذوات الإعاقة في المجتمع، ومثّلتهن في اللقاء، وقد نظمت اللقاء الأمم المتحدة. وقد انظمّت إليها أختها كمرافقة. وعندما عادتا في 22 ديسمبر/ كانون الأول، عبرت كل النساء الأخريات بسلام في معبر الكرامة ("الكرامة"، عند جسر اللنبي)، ولدهشتهما أُعيقت هي وأختها عن العبور.
   
أُعيقتا عند مراقبة جوازات السفر، طُلِب منهما إزالة غطاء الرأس وخلع المعاطف والأحذية، جرى فحص على جسميهما وأُخذت - النقود التي ووجدت في حقيبتي اليد الخاصتين بهما. تحكي إشتيه عن الغرفة الضيّقة التي أدخلتا اليها، وعن الماء الذي لم يعرضوه عليهما وعن المراحيض التي منعوهما عنها، وعن الجندي أوري الذي منعهما من الحركة وصرخ عليهما. كان هناك شرطي عرف نفسه باسم أحمد. "قال لي: ’نشكّ أن أحدا من حركة حماس استغلّكما‘. أجبته إنني خريجة جامعة، سافرت إلى خارج البلاد، عملت ولم أسمح ولو لمرة واحدة لأن يستغلني أحد.
    
 سُئلتا عن مصدر النقود. كلن الرد بسيطا 500 شيكل و-98 دينارا من راتبها في جامعة بير زيت، حيث عملت هناك مستشارة في مركز دراسات التنمية. كانت فخورة بقدرتها على الترزّق بشكل مستقل وبقدرتها على المساعدة في إعالة العائلة. أمّا الدولارات فقد أخذتها من الجمعية، كبدل عن مصروفات السفر، وستعيد ما تبقى. وأن النقود التي أُخِذًت من أختها هي لبعض بنات العائلة اللواتي طلبن منهما أن يشترين لهن أدوات تجميل من العاصمة الأردنيّة. لكن أيام اللقاء كانت طويلة ومكثّفة أكثر مما توقعتا ولم يكن لديهما الوقت الكافي للبحث عن أشياء أخرى، خاصة، وأنهن وجدن أن عمّان ليست أرخص( وأيضا ياسمين التي تحب المكيجة، صُدِمَت من الأسعار العالية).
  
 رغم تفسيرهن تلقوا ردّا من شرطة إسرائيل، كتب في الردّ أن نقودهن ضُبِطت "بسبب شًكٍّ بأنها تتعلق بمنظمة غير قانونيّة، وينوي قائد قوات جيش الدفاع الإسرائيلي مصادرة النقود التي ضُبِطَت". وحوالي الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، بعد ثماني ساعات من التأخير، سُمِح لهما بالخروج من المعبر الخالي من المسافرين. طلبوا باستعطاف أن يبقوا لهما قليلا من النقود لتدفعا لسيارة الأجرة التي تنقلهما إلى البيت، لكن الذين أخذوا النقود رفضوا ذلك. اضطرتا إلى الانتظار لساعات أخرى حتى يصل عمهما الذي ينبغي أن يسافر في ساعات الليل المتأخرة من منطقة نابلس ويأتي لينقلهما.
   
هكذا بدأت رواية بيروقراطيّة وقانونية استمرت حتى يومنا هذا وربطت بحياة ياسمين إشتيه ليس فقط الجنود ورجال الشرطة، إنما أيضا قضاة المحكمة العليا ألياكيم روبنشتاين، نوعم سولبرغ ومناحيم مزوز. بعث صديقان إسرائيليّان برسائل إلى المستشار القضائي العسكري في منطقة يهودا والسامرة طلبوا فيها إعادة النقود. وصل ردّ المستشار القضائي بتاريخ 8 إبريل/ نيسان 2014. وقد جاء في الردّ أنه بالضبط أمس، أي بتاريخ 7 إبريل/نيسان، صدر أمر بمصادرة النقود، وذلك "على ضوء معلومات مخابراتيّة موثوق بها قُدِّمت من أكثر من مصدر". بدون إثباتات، وبدون بيّنات، وبدون تفسيرات وتفاصيل، وبدون الاستماع لهما. لم تُعْتقلا، لم تُسْتَدعيا للتحقيق على مخالفة يُزْعَم أنهما اقترفتاها، وبدون محاكمة.
   
لغاية 25 ديسمبر/كانون الأول 2013، استطاع الفلسطينيون، كلّ مّن صودرت أملاكهم بأمر من القائد العسكري، الاعتراض أمام محكمة عسكريّة. لكن في نفس اليوم وقع البريغدير نيصان ألون، قائد لواء المركز في ذلك الوقت وسيّد الضفة الغربيّة، على أمر يمنع هذه الصلاحية من المحاكم العسكريّة ويعفيه أيضا من رؤية أي إثبات أو شريحة مجهرية.
    
في المجتمع الذي فيه تعتمد العائلات الكبيرة على راتب واحد، وفيها الحد الأدنى للأُجور هو 1400 شيكل، وثمة كثير من النساء يتقاضَيْن أقلّ من ذلك – تُعْتبر أل- 5000 شيكل مبلغا كبيرا. توجهت الأختان بطلب المساعدة من جمعية "يش دين"* ومن المحاميين ميخائيل سفراد، إميلي شيفر، عومر- مان ونوعا عمرمي الذين استأنفوا باسمهما إلى محكمة العدل العليا. وقد طعن عمرمي وسفراد في استئنافهما بعدم قانونيّة المصادرة وأمر إلغاء حق الاعتراض. وقد وحّدت محكمة العدل العليا اعتراضَيْن آخرين مشابهتين. لم يتناول القضاة بالمرة المصادرات الواردة في الاستئنافات، وقرروا أنه لا عيبا قانونيا في الأمر الذي أصدره اللواء الذي يمنع الاعتراض. ومع ذلك، اقترحوا على الجيش أن يسمح بذلك "لهيئة بالاعتراض او الاستئناف على قرار المصادرة"، وذلك من أجل تقليص عدد التوجّهات إلى محكمة العدل العليا. وقد اعتقد القضاة أن الحالات الفردية التي تُقَدّم لهم يمكن حلّها في إطار "الهيئة".
  
 لقد استجاب الجيش للاقتراح، مع فارق هام واحد: شُكِّلَت لجنة من ممثلين عن النيابة العسكرية، سلاح الاستخبارات والإدارة المدنيّة، لكن من صلاحياتها النظر في الاعتراضات في فترة مصادرة المُلْك. أما الذي قد صودر ملكه – فقد خسر. في مايو/أيّار 2017 أعرب القضاة عن ارتياحهم، وقرروا أن الاستئناف قد "حقّق هدفا هامّا جدّا" وحكموا على الدولة بأن تدفع لممثلي المستأنفين الثلاثة مبلغ 10.000 شيكل.
    
بالنسبة لياسمين وسهاد إشتيه لا معنى لذلك: مع أنه بفضل استئنافهن، من بين ما نتج، اقترح القضاة تعديل الأمر، وأقيمت لجنة تسمع الاعتراضات - لكنهن ممنوعات من التّوجه للجنة، وقد أُعْلِن عن نقودهما أنها "مصادرة". سفراد والمحامية سوفي برودسكي طلبا من المدّعي العام للدولة، المحامي روعي شويكا، أن يجد مخرجا. لكنه رفض. طلبا إيضاحا من المحكمة، وقد أخطأت في قرارها واقترحت إيجاد حلّ للمستأنفتين. قرر الحاكم سولبرغ في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2017 أنه من جانبه، يمكن للأختين أن تقدّما استئنافا جديدا. أي عليهما أن يتحمّلارسوما جديدة، وعذابا آخر. وضياع وقت وموارد فكرية وماديّة تذهب سدًى.
     
توجه المحامون كتابيّا إلى اللواء القائد الحالي روني نوما وإلى المستشار القضائي الكولونيل أيال طولدانو على أمل أن يوافقا على أن يكونا مرنَيْن، ويلغيا المصادرة ويسمحا للأختين بتقديم اعتراض إلى الجنة المُشكّلة بعد استئنافهن. لكن الشخص المجهول في مكتب مراجعات الجمهور التابع لدائرة المستشار القضائي، ردّ في الشهر الماضي، متمسّكا بالحجج الإلتفافية: المعلومات التي أدّت للمصادرة (بدون حقّ الاعتراض) ثابتة وموثوق بها، تبحث اللجنة في الاعتراضات على المضبوطات قبل مصادرتها. "إن حالة موكِّلَتَيْك لا تتوافق مع صلاحيّة اللجنة".
طلبكَ مرفوض.
    
صرح الناطق بلسان جيش الدفاع الإسرائيلي أنه " في سنة 2014 صودر من الفلسطينيتين المذكورتين في المقالة بناءا على معلومات مخابراتيّة موثوق منها نقود للإرهاب مصدرها حركة حماس". بالمناسبة، في البلاغات الرسميّة التي استلمتها الأختان لم تُذْكر أبدا حركة حماس. ونوّه الناطق العسكري أيضا بأن الأختين لم تُقدّما إستئنافا جديدا لمحكمة العدل العليا ," بدلا من ذلك، حوِّل الطلب لقائد المنطقة الوسطى، وقد ورد فيه مرة أخرى أن الموضوع ليس ضمن صلاحيّة اللجنة". وقد قدّم المحامي سفراد ملاحظة، كردٍّ، بأن الطلب لم يكن ل"لقيادة المنطقة"، إنّما كان لقائد المنطقة، بصفته الحاكم بأمره في الضفّة الغربيّة، يمكنه أن يغير حسب رغبته صلاحيّات اللجنة.

 ترى البحر

    
"نعرف أن التغيير ممكن"، ذُكر في "دليل للضغط (العام) ودعم الإعاقات. اصطلاحات وتتطبيقات"، الدليل الذي نشره مركز دراسات التنمية في جامعة بير زيت. كانت ياسمين إشتيه واحدة من بين الذين كتبوا هذا الدليل. يدمج المركز تنمية التفكير النظري مع فعاليّات شعبيّة واجتماعيّة، عملت به كمستشارة للمشروع الذي استمر سنة ونصف السنة تقريبا حول موضوع العلاقة بين المجتمع والأشخاص ذوي الإعاقات. وقد ورد في الدليل أنه في سنة 1991 أقيمت جمعيّة فلسطينية لذوي الإعاقات، أدّى نشاطها الاجتماعي والشعبي من أجل التغيير إلى سنِّ قانون رقم 4 لسنة 1999 من قبل المجلس التشريعي الفلسطيني، بخصوص دمج ذوي الإعاقات في المجتمع.
     
في إبريل/نيسان 2015، بعد مرور ثلاث سنوات على إصدار الدليل، ظهرت إشتيه في احتفال علني، وتكلمت فيه أيضا عن اقتناعها بالتغيير الذي يستطيع الأشخاص إجراءه. كان ذلك في احتفال ذكرى حركة المقاتلين من أجل السلام**، وقد دُعِيَت كابنة ثالكة: مستوطن من إيتمار، يهوشع إليصور، قتل والدَها صايل بتاريخ 27 سبتمبر/أيلول 2004. " "هذا ليس أمرا غنيّا عن البيان"، وقد قالت بخطابها. "لو أن أحدا جاء قبل خمس سنوات يطلب منّي أن أختار وحتى لو أصرُّ على المجيئ لأروي قصّتي في تل أبيب،أمام جمهور معظمه من الإسرائيليين لما صدّقته".
  
وقالت أيضا: " كان الغضب والكراهيّة سيستمران بملاحقتي حتى لو لم أعرف يهودا آخرين". بعد أيّام من مقتل أبيها جاء ناشطون من "مجموعة القرى" الإسرائيلية، لتقديم التعازي وللإعراب عن غضبهم من الجريمة. وقد قالت إشتيه في الاحتفال، إنها في البداية رفضت مصافحة إحدى الناشطات "لأنها يهوديّة"، وطلبت أن تبتعد عنها. لكنها بالتدريج بدأت تتراجع وتعرفت على أعضاء المجموعة. هم ويهود إسرائيليون آخرون جعلوها تؤمن بالتغيير الذي يمكن للأشخاص إحداثه، هذا ما قالته وذكرت أسماءهم. وأن إحدى الناشطات أعطت دروسا في الموسيقى في القرية. وقد دُعيَت إشتيه كمترجمة، وأحبّت عازفا جعلها "ترى البحر، مع أنها لم تزره أبدا"، وبدأت هي أيضا تتعلم العزف على القيثارة، بعد الاحتفال تقدّم منها عضو من "منتدى العائلات الثكلى" - واقترح عليها الانضمام. ومنذ ذلك التاريخ وهي ناشطة في هذه المنتدى.
     
كانت أسماء إسرائيليّة تتردد في البيت، عمل والدُها 18 سنة يوزّع اسطوانات غاز في ريشون لصيون. "عمل عند يوسي وابنه روني. كان يذهب للعمل حتى وهو مريض. كان يبيت في مكان العمل"، تتذكّر، توقف عمل والدها في الانتفاضة الثانية. كان عمره 46 سنة، بدأ يعمل سائقا في سيارة نقل. في أيام الحواجز وأيّام الشوارع الممنوعة على الفلسطينيين كان يجب أن يسافر على طرق ترابيّة يتجاوز الأدوار الطويلة عند الحواجز، كي يصل إلى العمل، التعليم ،السوق أو العيادات.
      
قالت في احتفال الذكرى: "كان أبوها المعيل الوحيد. وحدث له الأمر المروّع بحياته. بتاريخ 27 سبتمبر/ أيلول 2004 خرج أبي للعمل كعادته يوميّا وعندما سافر على الشارع الجانبي الذي شقّه المستوطنون، كي لا يحتكّوا بالفلسطينيين، هاجمه مستوطن وأطلق النار عليه فأصابته رصاصة بقلبه. القاتل ألماني متهوِّد ويسكن في بؤرة إستيطانيّة بالقرب من إيتمار".
   
القاضي دافيد روزن، ادان القاتل، وقرر بحسم: " شعرالمتّهم بخطر يهدد حياته، وحسب أقواله، كان ذلك عندما شعر بسيارة نقل محمّلة بالركّاب. يسكن المتهم في منطقة يعيش فيها أُناس كالذين يركبون السيارة التي سافرت بموازاة مسار سفره. حسب مبدئه، كل مَن ليس مثله، يشكّل خطرا عليه. ويبدو أن المتهم استمدّ صلاحيته من قوّة سلاحه. بهذه القوة أراد إيقاف السيارة وتحقيق أمنيته....".
   
وقد أُرْسِل القاتل المجرم لاعتقال منزلي بعد عملية القتل وبعد الإدانة. لكنه اختفى قبل مرحلة مرافعات الحكم. بدأ مراسل جريدة "هآرتس" تقصي أثره، وفي حملة تحري معقّدة استغرقت خمس سنوات من حياته جُمِعت بفيلم سيُعرض بعد شهور. عُثِر على اليصور، وقد أعادته البرازيل إلى إسرائيل في منصف يناير/كانون الثاني ، والآن ينتظر في السجن صدور قرار الحكم.
     
تعَقُّبُ آثار اليصور قرّب فوغلمان من عائلة إشتيه، ودائما تذكره ياسمين بمودة خاصة. كان لحدّ اللامعقول منحازا لكثير من العائلات الفلسطينية التي قُتِل أبناؤها من قِبَل جنود أو مواطنين إسرائيليين: تعتبرهم المخابرات العامّة [الشاباك] والجيش "خطيرين". ومع ذلك، يُرْسَل الجنود كل سنة لاقتحام بيت العائلة في منتصف الليل ولإجراء تفتيشات. " ليكن ذلك، ليفتشوا ما بدا لهم - لكنهم دائما يخلفون وراءهم أشياء مدمّرة وفوضى كبيرة"، كما تقول.

   قبل سنتين سافرت إشتيه وأخوها الأصغر منها، محمد، وهو أيضا كفيف البصر من ولادته- لفحص العينين في تل شومر. ربما يكونون ملائمين لزرع جهاز خاص يمكِّنهم من الرؤية. الأمّ، عمرها 57 سنة، رافقتهم. قالوا لها عند الحاجز: "ممنوعة". انتظر الاثنان عضواً من منتدى العائلات الثكلى، ليأتي وليرافقهما. ومنذ أن زادت من نشاطها في المنتدى أصبحت ممنوعة من السفر لإسرائيل، بعد سنوات حصلت على تصاريح.
   
بعد قتل الأب وغيابه، وقد كان يشجعها دائما على التقدّم رغم كفّ بصرها، ارادت إشتيه ترك كل شيء. "حسدتُ صديقاتي اللواتي لديهن أبٌ"، كما تقول. لكن الأمّ المحطّمة جمعت قواها لتتقنع ابنتها استكمال دراستها الثانوية. كان علي الأم أن تربي وحدها ابنتان وثلاثة أبناء. كان يجب أن ترى الأمّ قبل جريمة القتل، كانت دائما أنيقة بلباسها، وبالألوان. منذ ذلك الوقت تلبس ملابس داكنة اللون"، كما تروي البنت. الأم بنفسها تعلّمت حتى الصفّ السادس (لم تكن في حينه مدرسة ثانوية في القرية) لكنها شجّعت بشكل خاص إبنيها مكفوفي البصر على التعليم في الجامعة. "يتعامل معنا الجيران بشكل جيّد لأن عائلتنا اهتمّت بنا منذ البداية"، تقول ذلك وتكشف عن عائلات، يتعاملن لجهلهن بعنف مع ذوي الإعاقات - وتقوم أجهزة السلطة بمجهود للوصول إلى هؤلاء لتدافع عن ذوي الإعاقة.
   
رغم حصولها على الشهادات الجامعيّة ورغم نجاحها في عملها المؤقت – لم تجد إشتيه وظيفة ثابتة. أُمْنيتُها. التطبيق لا يجاري القانون الفلسطيني بدمج ذوي الإعاقات في المجتمع، كما تقول، لا زال الشعور بالتفرقة موجودا. وأيضا تفرقة ذوي الإعاقات ممَّن يرون أو الذين لا يستعملون كراسي مع عجلات. يحتاجون لكثير من المحسوبية لإيجاد وظيفة. وتفرقة النساء ذوات الإعاقة أعلى بكثير. وأكثر منها تحفظ المجتمع منهن، وأهمّ هذه التحفّظات قلّة الاحتمالات لدى المرأة كفيفة البصر من تكوين عائلة.
  
ومع ذلك إحْكِ لنا عن أيام سعيدة من حياتك، هذا ما طلبته منها قبل أسبوعَين، عندما جلسنا على شرفة بيتهم. ابتسامة واسعة أضاءت وجهها: " أسعد يومين في حياتي كانا الاحتفالَيْن اللذين نظّمتها لي أمي بمناسبة حصولي على اللقب الأول في اللغة والأدب الإنجليزي، وبعد ذلك حفلة بمناسبة حصولي على اللقب الثاني في الترجمة. ماذا لم يكن فيهما؟ دبكةً، صواريخ ناريّة، ملابس احتفالية، تمشيطة خاصة تحت المنديل وعشرات من نساء الأقارب والقرية اللواتي جئن لمشاركتنا فرحنا وباعتزاز.

------------
*جمعية "يش دين" جمعية تطوّعية تعمل من أجل الدفاع عن حقوق الإنسان في الضفّة الغربية مثل حركة "السلام الآن".
** تأسست حركة مقاتلون من أجل السلام سنة 2006 من قبل فلسطينيين وإسرائيليين، ممن كان لهم دور في الصراع.