.jpg)
الجهاز الصحي في قطاع غزّة ينهار: لقد نفذ 40% من الأدوية
العمليات الجراحية تؤجّل،وأقسام تُغْلَق بسبب انقطاع التيار الكهرباء رفوف الصيدليّات الحكوميّة فارغة من الأدوية. التوقّعات بأن اتفاق المصالحة بين حماس – وفتح قد يمنع التدهور، تبخّرت.
بقلم : عميره هس هآرتس ، 2018/2/7 ترجمة: أمين خير الدين
206 أنواع من الأدوية، تشكّل 40% من القائمة التي تحوي 516 دواء في السلّة الفلسطينيّة الأساسية، غير موجودة لدى الجهاز الصحي العام في قطاع غزّة. هناك أيضا 27 دواءا (6%) تشرف على الانتهاء خلال أيام أو أسابيع معدودة. باقي أدوية السلّ موجودة في المخزون الاحتياطي، لكنها ليست بالكميات المفروضة: مثلا الادوية اللازمة لعلاج مرضى السرطان، للذين يعانون من أمراض المناعة الذاتية، وللمتعالجين بواسطة الغسيل الكلوي وقسطرة القلب. كذلك، من قائمة 853 بندا من الأجهزة الطبيّة من المخزون الحيوي ( مثل أبر حقن الدواء، والضمادات والقفازات) ، والحقيقة أنه حتى نهاية يناير انتهى 220 نوعا تقريبا.
"ظاهرة عدم وجود أدوية في سلّة الأدوية الأساسية هي ظاهرة قائمة منذ سنوات في قطاع غزّة"، هذا ما قاله لجريدة "هآرتس" دكتور محمود ظاهر، مدير مكتب منظمة الصحة العالمية في غزّة. "بينما كان في الماضي 25% من سلة الأدوية ناقصة، منذ بداية 2017 نسبة كمية الأدوية التي نقصت وستنقص تتزايد. بدأنا بحوالي 30% وصلنا اليوم ل – 46%". وحسب أقوال د. ظاهر نحتاج على الأقلّ إلى 18 مليون دولار لنغطي فورا النقص بالاحتياطي من الأدوية، وبعد ذلك بالاهتمام بتزويد الأدوية وإرسالها إلى غزّة، لكن الأمر لا يجري بشكل منظم، وعلى سبيل المثال إن إرسالية الدواء التي أُرْسِلت من رام الله في نهاية 2017 وفي أوائل الشهر الماضي لم تقلّص الفجوة بشكل جدي.
الأزمة في غزّة عدد الأدوية الناقصة
2017 ----------- 2018
40% من الأدوية الأساسية ناقصة 148 أيار
18 مليون دولار يلزم لتغطي الاحتياطي 164 تموز
26% من الأجهزة الطبية نقصت خلال شهر 186 أيلول
1.700 متعالج في حالة خطر فوري إذا انتهى الوقود 206 كانون ثاني
صرّح مديرعام المستشفيات الحكومية في قطاع غزّة، د. عبد اللطيف الحاج، لجريدة "هآرتس"لقد توفي خديجان في الأسبوعين الأخيرَيْن بسبب نقص في دواء surfactant ، المُعدّ لجهاز التنفس، وأن إبر الحقن التي أُرْسِلت مؤخرا، ستكفي لثلاثة أسابيع أخرى. وأضاف أنه بسبب النقص في الأدوية، خاصة لعلاج مرضى السرطان، تُرْسَل إلى مستشفيات في شرقي اورشليم أو في إسرائيل. وهذا أيضا ما يصيب الذين يتعالجون بالأشعة: وقد تعطّل جهاز الأشعة في القطاع منذ سنوات، ولم يتوفرالتمويل اللازم لشراء جهاز أشعة جديدو وزيادة في السخافة، تحويل العلاج يزيد من تكاليفه.
وقد ورد في تقرير جمعية أطباء لحقوق الإنسان والتي مقرّها في تل أبيب، وفيه تتناول تدهور الجهاز الصحي العام في القطاع، أنه بسبب النقص في أجهزة المختبرات.يُمْكِن أن يُجْرى الفحص الكيماوي، وعلوم الدم وفحص النمو فقط للراقدين في المستشفيات ولا يتوفّر للذين يتعالجون في العيادات الخارجية. وهذا سبب في نقص خطير في بالدم المُتَبرّع به.
أزمة الكهرباء المتزايدة في قطاع غزّة غطت في الأشهر الأخيرة على النقص الخطير بالأدوية والأجهزة الطبيّة. صحيح أن إسرائيل عادت لتبيع لغزّة كميّة الكهرباء ( 120 ميغا واط) والتي كانت تبيعها حتى شهر نيسان 2017 بعد أن تعهدت السلطة الفلسطينية بدفع كامل المبلغ – لكن الطلب في القطاع هو لحوالي 500 ميغا واط، في حين أن مجموع كل الكهرباء التي يمكن لشبكة الكهرباء القائمة ان تزوّدها عن طريق إسرائيل، ومصر ومحطة التوليد في القطاع تصل لحوالي 200 ميغا واط يوميا. وتتراوح ساعات استهلاك الكهرباء في القطاع بين اربع وثماني ساعات يوميا، لذلك تتعلق المستشفيات ال- 53 والمؤسسات العلاجية الأخرى أكثر من أيّة مؤسّسة أخرى بالمولّدات وبالتزويد الشهري الجاري لحوالي 450 ألف ليتر من الوقود تزودها الأمم المتحدة. وقد حذّرت الأمم المتحدة هذا الأسبوع من أن احتياطي وقود الطوارئ في غزة سينتهي خلال عشرة أيّام، ولذلك يتحتّم على الدول الداعمة وبسرعة أن تمنع كارثة إنسانيّة.
حسب تقرير منظمة الصحة العالمية في آخر يناير/ كانون الثاني، إن عدم تجديد احتياطي وقود الطوارئ سيُعرض حياة أكثر من 1.700 متعالج: 700 بحاجة للغسيل الكلوي، حوالي 200 ينتظرون أدوارهم لعمليات جراحية، أكثر من مائة طفل ومثل هذا العدد مرضى في أقسام العناية االمكثّفة، حوالي مائة امرأة تلد بعمليات قيصرية وأيضا حوالي خمسمائة بحاجة لعلاج عاجل.
يخافون من أن يمرضون
السياسة الإسرائيلية بمنع مواطني غزّة من حرية التنقّل، واتساع رقعة الفقر في القطاع، والصعوبات المالية لدى السلطة الفلسطينية والخلافات بين حماس وفتح كلها من خلفيات التدهور في الجهاز الصحي العام والذي يحذر بشأنه الأطباء بأنه على حافة الانهيار. هذا مع أزمة الكهرباء وتآكل المولدات، والتقاعس الإسرائيلي بصدد منح تصاريح بإدخال قطع غيار للأجهزة الطبية والتشخيصيّة – إن الخوف من أن يصابوا بالمرض وخوف العائلات على مصير أقاربهم المتعالجين أشدّ من خوفهم العادي من المرض ذاته.
و’ مريض بالكلى عمره 50 سنة يحتاج لغسيل كلوي. وبسبب انقطاع التيار الكهربائي وتنا قص وقود المولدات، أُجِّلت أدوارعلاجه عَدّة مرّات. وفي المدة الأخيرة لم يتلقَ عدة أنواع من الأدوية التي هو بحاجتها. بحث واكتشف أن هذه الأدوية موجودة في صيدليات خاصّة في القطاع. لكنه لا يستطيع دفع ثمنها. بالمقارنة ز’ وعائلتها يمكنهم دفع 240 شيكل شهريا بشكل فردي ثمن دواء لمرض الروماتزم سُجّل لها، لأنها نفذت من الصيدليّة الحكوميّة. وقرر أطباؤها نقلها للعلاج في رام الله، وقد تقرر دورها في سبتمبر/ أيلول لكن التصريح الإسرائيلي أُعْطي مؤخّرا بعد أن خسرت االدور. وعليها الآن أن تنتظر تحديد دور جديد لها.
حالة أخرى لأمّ يعاني ابنها من مرض في التنفس. قالت إن دخل عائلتها 1300 شيكل شهري وهي لا تتمكّن من شراء الدواء الذي يحتاجه ابنها- وغير الموجود في الصيدلية الحكومية. لا نهاية لقصص من هذا النوع. "أصلي ألاّ أمر بتجربة من فقدان القدرة، عندما لا يتوفر الدواء لقريب أو أن إسرائيل تعرقل إعطاء تصريح بالخروج للعلاج الطبي". هذا ما قاله لجريدة "هآرتس"محاضر في الجامعة الإسلامية في غزّة.
ويضاف إلى ذلك كَمُّ كبير من المشاكل. يشير تقرير أطباء لحقوق الإنسان أنه بسبب العراقيل تعطل منذ زمن طويل جهازا الفحص الحيوي أل ( سي تي، وجهاز ألأميراي ) في مستشفى الشفاء، وهو الأكبر في القطاع، وجهاز أل ( سي تي) في مستشفى الأطفال النصر جنوب القطاع. "تعطيل أجهزة التصوير"، كما ذُكِر في التقرير، بسبب عدم وجود ميزانية لصيانتهم المستمرة ونتيجة للصعوبات في إدخال قطع غيار(بسبب تضييقات إسرائيلية – ع.ه)، وذلك أدى إلى أن هذين المركزين الطبيّين الهامّين فقدا مصداقيتهما، وتحوّلا لنوع من محطات عبور وتوجيه للمتعالجين والمتعالجات إلى مستشفيات أخرى في القطاع وفي خارج القطاع".وقال د. الحاج لجريدة "هآرتس" توجد أجهزة تصوير في معاهد خاصّة، لكن أغلبية السكان لا يستطيعون دفع بَدَل الفحص.
ربما توجد أولويات في العلاج
يواجه مديرو المستشفيات والطواقم الطبيّة كل الوقت أولويات في العلاج. أحد الحلول تقليص كميات الدواء المعطاة للمتعالجين ما بين الثلث النصف، وقد اقْتُرح على الباحثين الأطباء لحقوق الإنسان. حل آخر هو إغلاق أقسام، كقسم الأورام في مستشفى في جنوب القطاع (بسبب نقص في 19 نوع من أدوية لمرض السرطان) أو إغلاق مستشفيات صغيرة، بسب ضرورة التوفير في وقود المولدات. وثمة مَخْرَج آخر هو تأجيل عمليات غير مُلحّة. وحسب منظمة الصحة العالمية، زمن الانتظار لعملية غير مُلحّة هو 52 أسبوعا، بينما وضع مكتب الصحة الفلسطينية سقفا لمدّة الانتظار هي 24 أسبوعا.
عندما ينقص نصف مواد التخدير الموضعي والتخدير العام، وعنما لا يكون ما يكفي من مواد التعقيم والمضادات الحيوية، يحفظ الأطباء ما هو موجود لعمليات مستعجلة تنقذ الحياة: يوم الخميس الماضي قُتِل سبعة أشخاص وجُرِح العشرات جرّاء انفجار مقصود لاسطوانة غاز في حي صبرا في غزّة. واتّضح أن رجلا عمره 30 سنة، يعيش من بيع مشروب القهوة والشاي في شوارع المدينة، اختلف مع أبناء عائلته بسبب ميراث. وعندما تحوّل الخلاف إلى شجار وتبادل اللكمات بين أبناء العائلة، حاول الكثيرون من الجيران الفصل بين المتشاجرين. فتح شخص من أبناء العائلة اسطوانة غاز وأشعل النار، وهذا كان سبب الانفجار القاتل. ونقل شخص آخر للعلاج شابّ من مخيم جباليا للاجئين كان قد أشعل النار بجسمه في الأسبوع الماضي. وحسب أقوال اقاربه إنه أقدم على ذلك ليأسه من صعوبة العيش.
حالات عاجلة أخرى، ومن أجلها تحتفظ المستشفيات باحتياطي من الأدوية المتناقصة لديها- هي من أجل المتظاهرين الذين قد يُصابون برصاص جيش الدفاع الإسرائيلي بالقرب من جدار القطاع. وقد كشفت منظمة الصحة العالمية أن 858 متظاهرا قد وصلوا في الأشهر الأخيرة لتلقي العلاج في مستشفيات القطاع، منهم 180 قاصرا و – 12 امرأة.
ثمة عبء اقتصادي وأخلاقي هبط على جهاز الصحة العامة هو أن 70 ألف طلب إعفاء من استحقاقات الصحة (980 شيكل سنويا على العائلة ذات الأربعة أشخاص). وقد وصلت هذه الطلبات في الشهرين الأخيرين. قال مدير المستشفيات الحكوميّة، د. ألحاج، لمحققي أطباء لحقوق الإنسان إن الأمر يتعلّق بأشخاص كان يمكنهم في الماضي تمويل فحوصات وعلاجات طبيّة بشكل شخصي.أمّا الآن. بسبب زيادة الفقر- يتوجهون إلى جهاز الصحة لكنهم لا يستطيعون الدفع.
تتعلّق أسباب الفقر بالمنع الجارف لتنقّل سكان القطاع منذ 2007، والقيود المُشدّدة على استيراد مواد الخام وتصدير منتوجاتها من القطاع. هذا ما سبب ارتفاع نسبة البطالة إلى ما يزيد عن 40% بين الكبار بالسن وحوالي 60% بين الشباب. إضافة إلى ذلك، تقليص الرواتب والمخصّصات التي تدفعها السلطة الفلسطينية لموظفيها مما أدى إلى نقص في المدّخرات.
المصالحة والواقع
مَن توقّع أن اتفاق المصالحة الجديد بين حماس وفتح، الاتفاق الذي وُقِّع في أكتوبر/ تشرين الأول، سيؤدي على الأقل لحل في المشاكل المالية بين النظامَيْن الفلسطينيين وأنه سيبدأ بانتشال جهاز الصحة من أزمته الشيدة – قد خاب أمله.
على الرغم من أن رام الله مبدئيّا خُوِّلّت بالصلاحيات المدنية في القطاع، إلا أن حركة حماس لا زالت تجبي من السكان ضرائب استهلاك وضرائب إضافيّة أخرى. وحسب ادعاءات حركة حماس، أن هذه المبالغ تُحوّل إلى مؤسسات مدنيّة واستحقاقات جزئيّة من رواتب الموظّفين العموميين. منهم آلاف الأطباء، وقد عُيّنوا منذ توليها السلطة. ومع ذلك، قيل لجريدة "هآرتس" إن حركة حماس قد توقفت عن دفع أموال لميزانيّة المستشفيات الحكوميّة.
طالما لم تتوفر معادلة تشمل العاملين في القطاع العام ممَن عيّنتهم حركة حماس في قائمة القوى البشرية التي تتلقى رواتبها من رام الله، لن تتوقف حركة حماس على ما يبدو عن جباية ضرائبها. بسبب الحصار الذي فرضته إسرائيل على قطاع غزّة سنة 2007، محمود عباس أعفى بمرسوم رئاسي سكان القطاع من ضريبة القيمة المضافة. والآن عاد وأمر بإعادة ضريبة القيمة المضافة بشكل تدريجي من 1% إلى – 16%. بدأ سكان القطاع وعلى رأسهم رجالات القطاع الخاص بالاحتجاج وبالمطالبة بإلغاء القرار. ويقول موظفو المالية في رام الله إنه في حالة عدم وجود إيرادات من الضرائب، من الصعب دفع مستحقّات كاملة للخدمات الاجتماعيّة، كالدواء مثلا.
بسبب الصعوبات المالية التي تعاني منها السلطة في الضفة الغربيّة يوجد أيضا نَقْص في الأدوية، لكن بنسب أقلّ بكثير مما هي عليه في القطاع. تتلقى المستشفيات بالضفة ميزانية حكومية تمكّنها من شراء جزء من الأدوية بنفسها. وسكان الضفّة أقلّ فقرا ولذلك كثير منهم يمكنهم أن يشتروا الأدوية من أموالهم. لكن هناك مَن يدّعي أن النقص في الأدوية في القطاع هو لأسباب سياسيّة، جزء من الضغط الذي تمارسه السلطة على حركة حماس. والسؤال "كيف تجد حركة حماس أموالا للتسليح العسكري ولإنارة الجوامع ولا تجد المال للصحة العامّة"، يُطْرح السؤال وإن لم يكن علنا.
تضاف إلى صعوبات دخول المستشفيات والمعالجة في قطاع غزّة الإضرابات في جهاز الصحة العامة. يشير تقرير أطباء لحقوق الإنسان إلى أنه في أواسط شهر ديسمبر/ كانون الأول أضربت الشركة التي تزود المستشفيات بالطعام لمدة تسعة أيّام، بسبب عدم تلقيها ديونها التي تستحقها. وفي آخر شهر ديسمبر/ كانون الأول اضربت عاملات النظافة في 13 مستشفًى، وفي 54 مستوصفا و- 22 مكتبا مختلفا، وذلك لعدم تلقيهم رواتبهم لمدة أربعة أشهر، وفي أعقاب ذلك، بعد تراكم االنفايات والأوساخ، أضربت الطواقم الطبية في مستشفى "الشفاء". فسارعت المالية في رام الله بتحويل مليون و- 800 ألف شيكل لشركات الطعام والنظافة، وهيخمس ديون للشركات. وفي 9 يناير/كانون الثاني أضربت الطواقم الطبيّة إضرابا تحذيريا – ثم عادوا فورا لمرضاهم. بدون أدوية وبدون أجهزة صالحة، ومع رواتب جزئيّة.

11/02/2018 03:16 pm 3,280
.jpg)
.jpg)