
الفتى الذي َحلم في أن يكون حارس مرمًى قُتِل بوسائل تفريق المظاهرات
ليث أبو نعيم رمى حجرا على جيب عسكري كان يطارده بعد هروب جميع أصدقائه. جندي فتح باب الجيب وأطلق رصاصة معدنية مغطّاة بمطاط فأصابت رأس الفتى وقتلته.
كان عمره 16 سنه حين قُتِل. على الأقل خمسة ممن يرمون الحجارة قُتِلوا من إصابات برؤوسهم خلال أقلّ من شهرَيْن.
بقلم : جدعون ليفي و أليكس ليبك هآرتس، 2018/2/9 ترجمة: أمين خير ألدين
ساحة قتل الفتى ليث أبو نعيم ساحة فارغة في مركز قريته البعيدة، المغير، شمالي رام الله. خطّطوا لإقامة بيت في هذه الساحة، قضبان الحديد المُطلّة من الأرض وهيكل بناء البيت هما كلّ ما بَنَوا. أختبأ بين قضبان الحديد خوفا من سيارتي الجيب العسكريتين اللتين انطلقتا تطاردانه، وعندما نهض ليهرب، فُتِح باب الجيب المُدرع والمحمي، وأطلق أحد الجنود النارعليه فأصابه بجبهته وقتله. هذا ما رواه شاهد عيان كان متواجدا في المكان ساعة وقوع الحادث.
فتى عمره 16 سنة حلم أن يكون حارس مرمى لكرة القدم، ألقى حجارة على جيب عسكري مُدرّع. لهذا أُطْلِقت النار عليه، ربما ليتعلّم درسا، أو ربما كعمل انتقامي، أصابته الرصاصة المعدنية المغطّاة بالمطاط في جبهته، فوق عينه اليُسْرى فسقط ليث ومات خلال وقت قصير. كان يمكن للجندي الذي أطلق النار ان يطلق على أرجله، أو أن يستعمل الغاز المسيّل للدموع أو أن يحاول بطريقة أخرى اعتقاله – لكن حسب أقوال شاهد العيان، لم يتمّ ذلك.
الإصابات النارية بالرأس ليست أمرا جديدا في هذه المنطقة: حسب تقرير مظمة "بتسيلم"، منذ بداية يناير/ كانون الثاني قُتِل في الضفة مُصْعَب الصوفي الذي أصيب في عنقه، علي كينو، أحمد سليم وليث أبو نعيم- وأُصيب الثلاثة في رؤوسهم. قبل ذلك، في شهر ديسمبر/ كانون الأول، قُتِل من إطلاق النار على الرأس حامد المصري من سلفيت، وأيضا أُصيب بالرأس الفتى محمد التميمي من قرية النبي صالح والذي يتعافى في بيته، مع أن جزءا من جمجمته ناقص. دُفِن ليث أبو نعيم في مدافن قريته.
قُتِل في الساحة المركزية في القرية، ليس في الساحة شيء باستثناء حانوت بقالة لعبد القادرالحاج محمد، صاحب البقالة ابن ال- 70 سنة كان شاهد عيان على إطلاق النار.
كان مع ليث اثنان من أصدقائه، لم يشاهدا ما حدث لأنهما هربا باتجاه بيوت القرية، جاء الآن صديقان، ماجد نعسان وأُسامه نعسان، فتيان هزيلان أبناء 16 سنة، أبناء صفّ ليث، جاءا ليدليا بشهادتيهما أمام مُحقّق من الصليب الأحمر الدولي، أشرف إيدبس، وقد جاء مع زميلته الأوروبيّة للتحقيق في ظروف القتل. الفَتَيان بلباس موحّد جديد: قميصان زرقاوان منقوش عليهما صورة صديقهما الميّت وملقاة على كتف مل منهما كوفيّة.
بشائر أولى لدقنيهما، وتبدو على وجهيهما آثار الصدمة. لا زال المقعد الذي كان يجلس عليه ليث فارغا وقد وضع أصدقاؤه صورته عليه، وكأنه باق معهم. وقد أقيمت مراسم ذكرى له في ساحة المدرسة يوم الأحد من هذا الأسبوع.
خلف خُرْدة
قرية فقيرة، حوالي 4000 مواطن، يعيشون في الغالب من بقايا الزراعة، محاطة بالمستوطنات والبؤر النامية بشكل وحشي خاص في هذه المنطقة. البلدة المجاورة، ترمسعيا ، غنيّة وقسم من بيوتها فيلات فاخرة مقفلة أصحابها مهاجرون إلى الولايات المتحدة الأمريكية. صديقا ليث وصاحب حانوت البقالة يروون شهادات متشابهة لما حدث هنا يوم الثلاثاء من الأسبوع الماضي، 30 يناير/كانون الثاني.
نزل بعد الظهر بعض من الأولاد والفتيان باتجاه شارع ألون، الموجود على بُعد حوالي كيلومتر عن مركز القرية، ألقَوا الحجارة وحرقوا العجلات المطّاطية. ومنذ إعلان دونالد ترامب عن الإعتراف بأورشليم عاصمة لإسرائيل، انفجرت الاضطرابات في هذه القرية المنسيّة، تقريبا يوميّا. طاردت قوّات جيش الدفاع الإسرائيلي الفتيان باتجاه القرية بواسطة قنابل الغاز، وانطلقت سيارتا جيب عسكرية خلفهم إلى داخل القرية.
أغلب الفتيان تفرقوا لكل الاتجاهات. بقي ليث وحيدا مقابل سيّارتي الجيب وحاول مرة ثانية إلقاء حجر آخر على سيارتي الجيب، تقدم في الساحة التي بها قضبان الحديد باتجاة سيارة الجيب العسكرية التي وقفت في الجانب الآخر من الساحة، رمى حجرا وحاول الهرب. صاحب البقالة الحاج محمد، دكانه تشرِف على الساحة، يقول إن أحد الجنود، على ما يبدو مَنْ كان يجلس بجانب السائق، فتح باب السيارة وأطلق عيارا ناريا واحدا.
كان في الساحة سيارة تجارية خردة كانت مرة تابعة لشركة "لايمان شليسل" توزع حلويات في إسرائيل، والآن مدهونة باللون البني وتستعمل كشكا لبيع الفلافل. كانت أبواب سيارة الخردة مقفلة يوم الأثنين من هذا الأسبوع. حاول ليث الاختباء وراء سيارة الخردة هذه. ربما لم يتوقّع ان يفتح الجنود أبواب سيارتهم ويطلقون النار على رأسه.
صعدنا إلى سطح البيت، سطح البيت الذي فيه دكان البقالة وقِسم من المنازل لا زال غير مكتمل البناء، وأشرفنا على المنطقة: شارع ألون، المستوطنات والبؤر حولنا، عادي عال وشابوت راحيل، والساحة الخالية مع قضبان الحديد فيها. على الأرض، المكان الذي سقط فيه ليث، لا زالت آثار الدم، وقطع من إعلان لذكراه مع صورته ملقاة عليه.
يقول صاحب البقالة إن الجندي ألذي أطلق النار على ليث تقدم نحوه وقلب جثّته برجله، على ما يبدو ليتأكد من حالته. أمر الجنود صاحب البقالة بالدخول إلى دكانه وإغْلِاقها. بعد ذلك انصرفوا من المكان، دون أن يقدموا إسعافا أوليا لضحيّتهم. نقلته سيارة أجرة إلى المستوصف في ترمسعيا ومن هناك نقلته سيارة إسعاف فلسطينية إلى المستشفى الحكومي في رام الله.
حارس مرمى المنتخب
إعلان كبير مع صورة ليث وأعلام المنظمات الفلسطينيّة معلّقة الآن على جدران البيت الذي لم يَقُم، بالقرب من المكان الذي سقط فيه. في نفس اليوم الذي قُتل فيه، كما يروي صديقاه، خرج حوالي العاشرة صباحا من المدرسة، بعد أن شعر بتوعك. التقيا معه حوالي الرابعة بعد الظهر، هنا في الساحة. وبناء على أقوالهما، لم يشارك في إلقاء الحجارة في شارع ألون، لكنه انضم عندما وصلت إلى الساحة. بعد قليل سيروي لنا جده أن حفيده كان بطريقه إلى التمرين في كرة القدم في ترمسعيا. عندما خرج بعد الظهر من البيت أخذ معه حقيبة التدريب التابعة له. الحقيبة غير موجودة وربما أخذها مجهول كذكرى.
بيت العائلة في آخر القرية. والدة ليث، نوره، توفيت عن عمر 26 سنة نتيجة مرض السرطان، كان ليث بعمر سنتين. والده، هيثم، تزوج مرة أخرى وانتقل ليعيش في قرية السيرا. بقي ليث ليعيش في بيت جدّه فتحي وجدّته نعمى، البيت الذي نجلس في باحته، مع محقق منظمة "بتسيلم"، إياد حداد.
قبل أن يبلغ عشر سنوات لم يقولوا له إن أمه قد توفيت. اعتقد أن جده وجدته هما والداه. وحتى عندما بلغ كان ينادي جده ب"أبي" بتسميات مختلفة: يابا للجد وبابا للأب. يعمل أبوه في شركة بُنًى "ماغنيزيا" في موديعين. كان يرى ليث كلّ آخر أسبوع، عندما كان يأتي ليث إليه في قرية السيرا .
قبل أن يُقْتل بأربعة أيام رآه لآخر مرّة. يوم الثلاثاء من الأسبوع الماضي اتصلت به أخته وقالت له أن هيثم قد جُرِح. أسرع إلى المستشفى الحكومي في رام الله وقد استطاع أن يصل بينما كان الأطباء يحاولون عبثا إحياء ابنه "قدموا له كلّ شيء" هذا ما قاله الجد فتحي، وهو الذي رباه.
تعلم فتحي الطبخ في مدرسة تدمر الحكومية للسياحة في هرتسليا وعلى شهادة الإنهاء توقيع الوزير رحبعام زئيفي. وحتى المدّة الأخيرة عمل الجد طبّاخا في فندق متروبول في أورشليم. ثمّة مَن أحضر قفازات حراسة المرمى الخاصة بليث: خضرا بيضاء مُسْتَعْمَلة جدا. كان فتًى وسيما مع شعر أسود منساب.
كان يحب أن يتصور وقد عرض علينا والده الصور: هذا هو على زلاقة مائيّة في العوجا. كان حارس مرمى منتخب المدرسة، مؤيد لبرشلونه، أحب السباحة أيضا. كباقي أبناء الحيّ، لم يرَ البحر أبدا، باستثناء البحر الميت. يقول جده كُلّما اندلعت اضطرابات في القرية كنت اذهب لأعيده إلى البيت. لم يفعل ذلك يوم الثلاثاء الماضي لآنه اعتقد أنه في تدريب كرة القدم.
صرح هذا الأسبوع الناطق بلسان جيش الدفاع الإسرائيلي لجريدة "هآرتس" أنه في نفس اليوم ـ بدأ إخلال عنيف بالنظام اشترك به حوالي 30 فلسطينيا أحرقوا عجلات مطاطية وألقَوْا الحجارة باتجاه قوات جيش الدفاع الإسرائيلي بالقرب من قرية المغير. وقد ردّت القوات بوسائل تفريق المظاهرات. معلوم لنا عن مقتل فلسطيني.
وقد باشرت الشرطة العسكرية بالتحقيق، وبانتهاء التحقيق ستُحوّل النتائج إلى النيابة العسكرية العامة".
سأل الجد فتحي بوجه ممتقع: هل هناك جيش في العالم، بعد ان يطلق النار على أحد، يضعون أرجلهم على الجُثّة؟ أطلقوا النار عليه ببرود وعدم انفعال بقصد قتله.هذه تصفية، هذا اغتيال، كان بإمكانهم توقيفه، جرحه، وليس قتله، قَتْلُ الفلسطيني لا يعني لهم شيئا.
ليس لديهم حِسٌّ إنساني. أليس لدى القائد الذي أطلق النار عليه أبناء؟ هل رأي بليث إبنا مثل أبنائه؟ فقد الجنود الإسرائيليون كلّ انضباط. يمكن لكل جندي أن يقتل حسب مزاجه". بعد ذلك عرضوا صوره على المحمول التابع لأبيه: هذا هو يدخن نارجيله مع الأصدقاء، وهذه هي جنازته. اتصل محمود عباس للتعزية وجاء آلاف. هذه هي مواساتهم الوحيدة.
جدعون ليفي و أليكس ليبك

09/02/2018 04:48 pm 5,702
.jpg)
.jpg)