تحالفات الأكراد مع الأمريكي .. أخطاء استراتيجية بحاجة للتصويب .


بقلم .. الدكتور حسن مرهج


مع استمرار الانتصارات الاستراتيجية التي حققها الجيش السوري ، و ما تبع ذلك من انكسار في جسد الفصائل الإرهابية في سوريا ، شعر مسؤولو البيت الأبيض بأن استمرارهم في دعم المعارضة المسلحة والجماعات الإرهابية لن يجدي نفعا ، نظرا لعجزهم عن الوقوف في وجه الجيش السوري وفقدانهم مناطق واسعة ، لذلك اتجهت واشنطن لدعم الأكراد علهم يسعفوها من فشلها وعجزها ويكونوا حصان طروادة الجديد الذي تبحث عنه.

مع بداية الحرب على سوريا ، كانت المناطق الكردية في الشمال السوري تنعم بنوع من الأمان والهدوء لفترة زمنية ليست بالقليلة ؛ في عام 2012 حصل اتفاق مع الحكومة السورية لانسحاب قوات الجيش السوري من المناطق الكردية ، و خلال كانون الثاني/يناير 2014 تمكن الأكراد من السيطرة على عين العرب وعفرين وأقسام من الجزيرة وإدارتها بشكل ذاتي لكي يتمكنوا فيما بعد من تحقيق حلمهم و وصل هذه المناطق مع بعضها البعض للوصول إلى الحكم الذاتي ، وتمكن الأكراد من خلال الدعم الأمريكي لهم من تحرير مناطق في الشمال والشمال الشرقي من داعش، وحرروا مناطق واسعة هناك وبدأ حلمهم يقترب دون أن يدروا ماذا تخبئ لهم واشنطن فيما بعد.

ومع تحرير الرقة ورفع صور اوجلان جن جنون الأتراك وشعروا بالخطر على أمنهم القومي، وما زاد الطين بلة أن أمريكا أعلنت أنها تريد تشكيل قوات تضم 30 الف مقاتل جلهم من الأكراد، وبذلك تتمكن الولايات المتحدة الأمريكية من المضي قدما في مشروع تقسيم سوريا من خلال حث الأكراد على الانفصال وتشكيل دولة خاصة بهم من جهة، والضغط على الحكومة السورية وحلفائها من جهة أخرى، وبالتالي الوصول إلى نتيجة مفادها "انهيار سوريا".


و من الجيد أن نتذكر ما نشرته صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية حول نوايا البيت الأبيض بالتخلي عن دعم أكراد سوريا مقابل الإبقاء على الحليف الاستراتيجي التركي ، و قالت “يطرح العديد من التساؤلات عن مدى جدية واشنطن في التزامها حيال حلفائها الأبرز الأكراد، خاصة بعد تقدُّم القوات السورية، مدعومة بحلفائها من الروس والإيرانيين، بآخر معاقل التنظيم في دير الزور”، مشيرة إلى أن واشنطن تركت الخيار لقوات سوريا الديمقراطية في مواصلة التقدم بعد الرقة أو الوقوف عندها! ، و لتأكيد هذا الكلام نُذكر بما تبادله أردوغان و ترامب خلال لقائهما في سبتمبر / أيلول الماضي في الأمم المتحدة حيث اعتنقه الأخير كصديق وأعلن: “نحن قريبون من أي وقت مضى”؛ ليشن أردوغان بعد ذلك بخمسة أشهر الحرب الضروس على عفرين أقرب حلفاء أميركا، وبعد أن أبلغ الرئيس الأمريكي نظيره التركي في آخر تشرين الثاني الماضي عدم تسليم المقاتلين الأكراد السوريين مزيدا من الأسلحة، وفق ما أعلنه وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو.

“روبرت فورد” آخر سفير أميركي لدى سوريا كان قد أكد عن ضرورة عدم ثقة الأكراد بالوعود الأمريكية خلال حديثه لصحيفة «الشرق الأوسط»، وإن الأكراد سيدفعون غالياً ثمن ثقتهم بالأميركيين، وإن الجيش الأميركي يستخدمهم فقط لقتال داعش ولن يستعمل القوة للدفاع عنهم ضد قوات النظام السوري أو إيران وتركيا. مضيفاً: «ما نفعله مع الأكراد غير أخلاقي وخطأ سياسي».

تسارعت الأحداث و ظهرت الحقائق ، و تركيا بدأت عملية عسكرية حملت اسم "غصن الزيتون"، ومع بداية العملية أحس الأكراد بطعنة سيف من الأمريكان ، هنا بدأوا يناشدون الحكومة السورية بالتدخل لمنع الهجوم وتحدثوا عن كونهم لا يريدون الانفصال وقدموا مقترح للحكومة السورية مفاده أنهم يقبلون بتسليمها المناطق التي يسيطرون عليها، علما أن الحكومة السورية اقترحت عليهم ذلك قبل العملية العسكرية التركية لتجنيبهم الهجوم التركي، لكن الأكراد رفضوا ذلك على أمل أن تدعمهم واشنطن في حال هجم عليهم أي طرف مهما كان وأيا كان، لكنهم انصدموا بالطعنة الأمريكية التي تلقاها إخوانهم في العراق من نفس المصدر وبنفس السيف.

خلاصة القول؛ لا زال هناك متسع من الوقت للتفاوض مع الحكومة السورية، خاصة ان الأخيرة لم تغلق أبوابها أمام الأكراد في جميع مراحل الأزمة وسعت لإنقاذهم من ورطتهم في عدة مناسبات، لكن الأكراد حينها هم من اغلقوا الأبواب، ومع ذلك لا يزالون في البداية ولا ينبغي أن يفكروا بأنهم متأخرون وليس لديهم أي طريقة أخرى ، أما بالنسبة لخيارهم في التحالف مع الأمريكي، هنا نقول "الأكراد أعلم بنتائج هذا التحالف"، و عليهم أن لا يقعوا في الفخ ذاته الذي وقع فيه من قبلهم أبناء جلدتهم في العراق (مسعود برزاني) عندما وثق بالوعد الأمريكية ودفعه نحو الإعلان بالانفصال وإقامة دويلته الحلم ، و بالتالي على الأكراد أن يدركوا أن الحكومة السورية أصبحت اقوى من أي وقت سابق مع تعاظم سيطرتها على مساحات واسعة من البلاد، و لن تسمح بتفكيك البلاد تحت أي ظرف .