كنوز نت - دالية الكرمل - عسفيا 

تشق طريقها الأدبي والإبداعي بخطى واثقة، وترسم بالحروف والكلمات ملامح حلمها الجميل، تعبّر عن الذات، الإنسان، الكون، وتستخدم معجمها اللغوي ومخزونها الثقافي وقلمها الآسر لتوصل إلى القارئ صورة متناغمة مع ما يختمر في نفس أي إنسان، من مشاعر وأحاسيس متباينة .(ياسرخالد)


الكاتبة امال ابو فارس في سطور مع ناهد 

حاورتها : ناهد عكري كنعان 


س: نود أن تزودينا بالسّيرة الذاتية للشاعرة والكاتبة أمال فارس في سطور ؟

الكاتبة امال ابو فارس:

 من مواليد قرية دالية الكرمل، متزوجة في قرية عسفيا، وأم لثلاثة أولاد. أعمل مدرّسة للّغة العربية في مدرسة القرية. أنهيت تعليمي الثانوي في قرية دالية الكرمل، ثم التحقت بكلية "غوردون" في حيفا وحصلت على شهادة معلم مؤهل، ثم حصلت على اللقب الأوّل من كليّة دار المعلّمين العرب في حيفا، كما أنهيت اللّقب الثّاني في موضوع "تعليم اللّغات – اختصاص لغة عربيّة" في كلية "أورانيم" الواقعة في قرية "طبعون".
بدأت الكتابة من خلال جريدة الحديث لصاحبها الإعلامي والأديب السيّد فهيم أبو ركن، حيث كتبت المقالات والخواطر والقصص القصيرة، ودوّنت تاريخ شخصيّات هامّة من القرية. وفي السّنين الأخيرة بدأت أكتب الشّعر لي ثلاثة كتب للأطفال: الحلزونة سناء، شوكولاته، وأوراق اللّوز المتساقطة. كما أصدرت كتابا بعنوان "عسفيا قصة وتاريخ" دونت من خلاله تاريخ قرية عسفيا. سيصدر لي ديوان شعر قيد الطبع بعنوان: "انا وهي" أشواق واشواك"
أقمت صفحة تواصل على الفيس بوك تحت عنوان: "المنتدى الثّقافي القطري" هدفه نشر بذور المحبة بين الناس، والدعوة الى السلام الذاتي والسلام بين الشعوب، يكتب فيه شعراء من كلّ الأقطار العربيّة. كما أنّني أحرّر صفحة الثّقافة الأسبوعيّة في جريدة الحديث. ونقوم في فعاليات ثقافية وفنية مختلفة من خلال المنتدى.
   
س: متى بدأت الموهبة الشعرية للشاعرة والكاتبة امال فارس؟

كانت لي محاولات عديدة في الماضي، وابقيتها في جوارير الخزانة لأني خجلت من نشر كتاباتي الشعرية؛ فقد نشأت في بيت محافظ جدا، وفي محيط ومجتمع غير منفتح في هذا المجال. فخفت من ردود الفعل حولي.
لكنني اخرجتها الى النور جميعها في ديواني الاول. بعد ان بدأت اتحرر من خجلي وبعد ان بدأت بنشرها عبر صفحتي على الفيس بوك، فقد لاقت قصائدي الاستحسان عند القراء وتشجعت على الكتابة.
س: هل ترين أن هناك علاقة تضاد بين الشعر الفصيح والشعر العامي؟

كلا، أنا أرى أن الشعر عاميا كان أم فصيحا يعبر عن خلجات النفس وما يعتريها من مشاعر جياشة من حزن وفرح وسعادة وحزن وما إلى ذلك ولا يهم بأي أسلوب تكتب كشاعر.
لكن يبقى هناك اختلاف بين التعبير باللغة الفصيحة التي توجبك التقيد بالوزن والقافية والقواعد والانشاء، بينما التعبير باللغة المحكية يكون اكثر سلاسة ولا تقع بالممنوع عند ممارسته، وهو اقرب الى القلب؛ لان اللغة المحكية هي لغة الأم التي تكتسب في البيت، وهي اللغة التي يتواصل الانسان بواسطتها مع بيئته منذ ولادته وحتى مماته؛ لذا يبقى لها رونقا خاصا وتدخل للقلب بسرعة؛ بينما اللغة الفصيحة تدخل الراس اولا قبل دخولها للقلب.
وانا لا اسمي ذلك علاقة تضاد، إنما هي أوجه اختلاف ناتجة عن طبيعة اللغتين.
 
 س: ﻣﺎ هي أﻫﻢ ﺍﻟﻤﻮﺍﺿﻴﻊ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻬﺘﻤين بها؟

اكتب في شتى المواضيع الشعرية، بدءا بالتغني بالوطن، ثم أكتب لأولادي، لأحفادي، لأمي واختي اللتين رحلتا عني، عن تاريخ وتراث عائلتي، عن أبي، عن مواضيع عامة وقيم اجتماعية مختلفة، عن الانسانية، وعن الحب طبعا. وفي الآونة الاخيرة كتبت قصائد عن الحب لان هذا النوع اكثر ما ينجذب اليه القراء.
كتبت قصائد للأطفال تعالج مواضيع يواجهها الاطفال في صغرهم كالغيرة من الاخ الصغير، ومن الصديق. ثم عن تعامل الكبار مع الصغار وما إلى ذلك.
أما في مجال الكتابة النثرية فقد كتبت القصة القصيرة والمقالات العلمية والادبية والخواطر وقصص الاطفال. ثم دونت ووثقت تاريخ شخصيات دينية محلية هامة كانت لها تأثير على المجتمع وكانت اشبه ببحوث توثيقية.
س: كيف رأيت نظرة المجتمع بالنسبة لكتاباتك ؟

في الحقيقة ان اكثر ما شجعني وشدني للكتابة هو حب القراء لكتاباتي فحين بدأت الكتابة في جريدة الحديث تناولت مواضيع جريئة، وابديت رأيي بها حتى أصبحت لسان حال معظم الناس في مجتمعي، ورأيت الاقبال والاستحسان لما اكتبه وسمعت الاطراء باذني مما شدني للمزيد من النشاط الادبي.
وحين بدأت بكتابة الشعر على صفحتي في الفيس بوك، وجدت اقبالا شديدا على قراءته، فزاد ذلك ايضا من ثقتي بنفسي وأصبحت مدمنة على الكتابة.
 س: ما ﺍﻟﺼﻌﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻮﺍﺟﻬﻚ في ﻄﺮﻳﻖ ﻃﻤﻮحك؟

على الرغم من مسيرة التحدي التي خضتها طيلة حياتي في بيئتي المحافظة، فقد حاربت من اجل إنهاء تعليمي الثانوي، ما زالت هناك عوامل تعيق مسيرتي التقدمية تأتي في اولها التوقعات مني كأم تطبخ وتكنس وتغسل وتنظف المنزل، ثم التوقعات مني كجدّة يحب احفادها قضاء وقتهم عندها ولمّ شمل العائلة. كل ذلك يسير في علاقة عكسية مع رغبتي الشّديدة في التّركيز على الكتابة والابداع، فتحقيق الذات يأتي على حساب البيت أو الصحة؛ خصوصا وأني أعمل مدرسة خمسة أيام في الاسبوع.
ثم كوني امرأة في مجتمع محافظ لا يتسنى لي السّفر الى كل مكان أريده من اجل حضور امسيات ادعى اليها، وهذا ايضا يعد عاملا اساسيا في الحد من امكانيات النجاح.
 
س: ﻣﺎﻧﺼﺎﺋﺤﻚ ﻟﻔﺘﻴﺎﺕ ﻭﺷﺒﺎﺏ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻣﺎ ﺯﺍﻟﻮﺍ ﻋﻠﻰ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻟﻄّﻤﻮﺡ؟

انصح كل شاب وفتاة بعدم التخلي عن طموحاتهم واحلامهم مهما كلفهم الامر طالما، ان ذلك لا يتناقض مع القيم الاجتماعية الاساسية، يأتي في اولها المحافظة على النفس وعدم الانجراف وراء السلبيات والتقليد الاعمى. نصيحتي ايضا عدم التخلي عن المبادئ الخلقية من اجل ارضاء الاخرين من ابناء الجيل الواحد.
س: "الصمت حكمة النبلاء…وشريعة الضعفاء" أي صفة للصمت تحاكي روح الكاتبة و الشاعرة امال ؟

الصمت لا يحاكي روحي ابدا! لا استطيع ان اسكت على الظلم او على الخطأ، لا يمكنني ان اسمع الاخرين ما يحبون سماعه، لا يمكنني أن اصمت طالما اني أستطيع أن اغير شيئا للأحسن في هذا العالم الذي اعيش فيه. سأصمت عندما اترك هذه الدنيا، وسأصمت فقط مع شخص يفهم أن صمتي بمثابة صراخ.
س: هل العيش في كنف الكتابة يمكن أن يسد رمق الجائع لاحتضان أرضه؟

اجل. لا اجد اجمل من الكتابة شيئا، من خلال الكتابة استرجع تاريخ عائلتي: أمي أبي أختي واخي، أستعيد بيتي وكرمي وارضي، أسترجع تراثي. فأجمل ما كتبته كانت قصائدي التي استعدت فيها ذكرياتي مع امي وابي حين كنا نذهب للكرم القريب لنزرعه، حين كنا ندق الحمص، حين كنا نذهب تحت المطر لنزرع شتلات البندورة او لنزرع الفول والكوسا! حين اكتب عنها يأخذني الحنين الى تلك الايام فاشعر بنشوة ومرارة في نفس الوقت.

 س: وهل انت مع مقولة (الإنسان الذي لم يعد لديه وطن تصبح الكتابة مكانا له ليعيش فيه)؟

أتمنى ان لا اكون في هذا المكان ولا اجرب ذلك أبدا لكن اعتقد انه محق لان الكتابة تصبح مهربا له يقيه من الضياع ومن المجهول، يقيه من برد الغربة ومن الم البعاد.
 س: الأمل زهرة حبلى بالرحيق، إلى أي حد تعتقدين أن لك الإرادة الكافية للفوز بهذا المولود؟

إن إرادتي بهذا المولود لا توصف لم اصل الى ما وصلت اليه لولا ايماني بالأمل. فأنا أنتظره بين كل نكبة ونكبة، أنتظره حين يوقعون بي ويحاولون وضع الاشواك في طريقي، انتظره حتى لو طال انتظاري سنوات عديدة! سأفتش عنه بين أكوام القش ولن ادعه يهرب من بين يدي.
س: قال أحد الأدباء “القلق أبرز صفة في كتاب العبقرية”، هل لك رأي في هذا المعتقد؟

إنها تنطبق على شخصيتي تماما فانا قلقة طيلة الوقت، على بيتي ، على أحفادي، على مستقبل طلاب المدرسة، على مستقبل العالم في خضم موجات العنف والتعصب الديني، قلقة على اولادنا من الافراط في تدليلهم! قلقة على مصير الكرة الارضية بسبب انحباس الحرارة في غلافها الذي سيؤدي الى ذوبان جبال الجليد ويحذر من تغطية مساحات شاسعة من السهول المحيطة بالساحل البحري! قلقة على مصير الانسانية من التيارات الدينية المتعصبة التي ستعود بكارثة على العالم!
أنا اقضي ساعات في التأمل في هذا الكون، افكر في النفوس الرديئة في هذا العالم التي تؤثر على البيئة وعلى الطبيعة.
س: ما هي القيم والمبادئ التي تؤمنين بها وتدافعين عنها في كتاباتك بشكل عام؟ وهل للمرأة والسياسية اهتمام في كتاباتك؟

لا انظر للمرأة نظرة مختلفة عن الرجل لهذا لا اتناول حقوقها في كتاباتي. كما لا اتناول السياسة بتاتا فانا وهي خطان متوازيان لا يلتقيان ابدا! السياسة كذب، وانا اكره الكذابين! السياسة مكر وانا اكره الماكرين!

هذا هو مذهبي وديني:

"أَنا لا أَنتمي إِلى تَيّاراتٍ سياسيّةْ
وأرفضُ العقائدِ الوهميَّةْ
فمذْهَبي الصّدقُ، وديني الْعطاءُ
ومَسْلَكي حُبُّ الْإِنْسانيَّة
وقلبي شِراعٌ لكلِّ مسافرٍ
يبحثُ عن وطنِ الْحرّيَّة"
 س: لمن قرأت من الكتاب والأدباء، وهل لديك مؤلفات منشورة او مطبوعة ؟

تشدني الكتب العلمية والفلسفية والاجتماعية، اما كتب الشعر فأقراها للتسلية فقط! اخر الكتب التي قراتها: جمهورية افلاطون، سيرة الامام علي، الامام الغزالي، اقرا كتبا باللغة العبرية ايضا وخصوصا كتب "רובין. ס. שרמה": חוכמת המנהיגות, חוכמת המצוינות, הסוד, הנזיר שמכר את הפרארי שלו....
 
 س: كيف تتمخض كتابة القصيدة الشعرية لديك؟؟ وهل هي من خيالك؟؟ أم أنها تعبر عن حدث خاص مررت به، او مر به بعض معارفك مثلا؟ وكم تأخذ كتابتها معك من الوقت ؟

لا يستطيع الكاتب للشعر ان يكتب الا من خلال تجربة وجدانية حسية عاطفية يمر بها هو، قد تكون هذه التجربة صادرة عن حدث سعيد او حزين، ضاحك أو ساخر، مؤلم او مفرح. الشعر الصادق يخرج من مشاعر صادقة والا لن نستطيع ان ندعوه شعرا! فلا يمكنك ان تكتب عن مأساة الغير الا اذا تماهيت مع صاحب المأساة وشعرت مثله.
انا شخصيا اثناء نومي اقرا القصيدة في راسي فأهب من نومي وأكتبها في الحال حتى لا تضيع حروفها مني، وعندما اقراها استغرب انني من كتبها واحيانا لا اذكر متى كتبتها. فاجري عليها بعض التحسينات واقوم بنشرها. لا اكتب الا اذا انساب مني الكلام لوحده، فهو ينساب في الراس بسلاسة وعذوبة لا توصف. وحينما تنغلق ابوابه امتنع عن الكتابة.
س: ما هو رايك بالمرأة العربية المحلية ؟ ثقافياً واجتماعياً وسياسياً بشكل عام، مقارنة بالمرأة العربية بشكل عام وهل وصلت إلى طموحاتها وأحلامها التي تسعى لتحقيقها، وما هي المعوقات أمامها التي تقف حائلاً وتحول دون تحقيق أهدافها وطموحاتها في الحياة؟

لا نستطيع الاجمال في هذا الموضوع أبدا لان ذلك متعلق بالحضارة البيتية التي نشأت فيها المرأة. فهناك بيوت تعطي الحرية الكاملة للأنثى، فيسمح لها بممارسة حقوقها كاملة وتعطى الحق في تحقيق احلامها وطموحاتها، وهناك بيوت ما زالت تنظر للمرأة كضلع قاصر خلقت من اجل خدمة الرجل والاولاد.
كما اننا عندما نقول المرأة العربية هناك المسلمة وهناك المسيحية وهناك الدرزية وكل منهن لها انماط في التعامل تختلف عن غيرها. لهذا لا يمكنني ان اعطي رايا قاطعا في الامر. بشكل عام المرأة دخلت في شتى ميادين الحياة مثلها مثل الرجل ولا تختلف عنه في شيء فهي عنصر فعال جدا ومؤثر في المنزل خصوصا في دولتنا لأن القانون يمنع تعدد الزوجات ويحمي المرأة من التعنيف الجسدي والنفسي، كما يمنع القتل على خلفية شرف العائلة. كل ذلك حسن من وضع المرأة العربية بشكل ملحوظ.
 
 س: هل من مقالات وقصص وقصائد تعشقينها ودائما تخاطبين نفسك بها?

طلبكم مني صعب جدا لأني سأختار من بين كل ما احببت. انا احب ما اكتب جدا ولا اعرف اذا كان اختياري في محله سأختار على كل حال!
.. اذكري لنا قصة قصيرة للأطفال:

ذكاء الحمار

زعموا أنه في يوم من الأيام طلب ملك الغابة من وزيره الثّعلب أن يتفقّد أحوال إخوانه الّذين يعملون عند الإنسان. فقام الثّعلب من فوره وقرّر أن يدعو الجمل والحصان والحمار ليقف على معاملة الإنسان لهم لأنهم أكثر الحيوانات استغلالا.
حضر الثّلاثة وكانت، علامات الاستغراب على وجوههم من هذه الدّعوة المفاجئة لهم من قبلِ الثّعلب. فتح الثّعلب الجلسة قائلا: يا أخوتي، كلّنا يعلم ظلم الإنسان واستغلاله لنا، حتّى إذا ما نال منّا مراده، رمى بنا بدون شفقة أو رحمة، غير آبهٍ بمصيرنا. لذا طلب مني ملك الغابة أن أتقصّى أخباركم لنرى ما عسانا نفعل - إذا ولا قدّر الله- مُسَّ أحدُكم بسوء!
توجّه الثعلب للجمل وقال: كيف حالك يا أخي؟ هلا أخبرتنا بما يجزيك الإنسان مقابل كدّك وتعبك معه؟ أجاب الجمل وقد أعياه التّعب: ها أنت ترى يا أخي حالتي، فأنا أعمل ليلا ونهارا دون كلل أو ملل، كما أنّني لا أتذمّر أبدا مهما بلغ ثقل الحمل على ظهري، ولا تهمّني المكافأة فأنا معتاد على الشّقاء...!
أجاب الثعلب: لا يروقني ما تصرّح لنا به، ولكن إذا كان هذا اختيارك فليس عندي كلام أقوله لك لأنّك أنت صاحب القرار.
توجه بعدها إلى الحصان وسأله: وأنت يا أخي! هل نصيبك من الشّقاء مع الإنسان كنصيب الجمل؟ فأجاب الحصان: الإنسان يحمّل الرّزم على ظهري، فإذا كانت خفيفة، فإني انطلق بها كسرعة البرق فلا أتذمّر ولا اشتكي؛ أما إذا كان الحمل ثقيلا؛ فإني أصهل... ثمّ أقفز إلى الأعلى حتّى يسقط الحمل عن ظهري، وأنطلق حرّا دون حمل يعيق حرّيّتي... وأجري بسرعة البرق غير آبه بما سيفعله الإنسان.
قال الثعلب: تعجبني جرأتك يا أخي الحصان، وإنني لسعيد كونك تتدبّر أمرك على هذا النّحو!
أخيرا توجّه الثّعلب إلى الحمار سائلا إياه عن وضعه مع الإنسان فقال: وأنت أيها الحمار... هلّا أخبرتنا ما أنت فاعل،علما بأنك تتميّز بالجهل والغباء؟!
أجاب الحمار وقد امتلأ ثقة بنفسه: أما أنا يا صديقي الثّعلب فلا تخف على مصيري؛ لأنني أعرف دواء الإنسان جيّدا. فعندما يضع الحمل على ظهري، أغرز رجليّ اللّتين في المؤخرة في الأرض، وأرفع رأسي عاليا، وأكشّر عن أسناني، ولا أتقدّم خطوة واحدة؛ حتّى لو انهال عليّ بالضّرب، فيعرف أنّني مصمّم على رأيي؛ فيدبّ فيه اليأس وينزل الحملَ في الحال عن ظهري، ثم يحمله بدلا منّي، فيسير متثاقلا، وأنا أسير بقربه بهدوء أرمقه بنظرة خبيثة لا يعرف معناها غيرك يا صديقيَ الثّعلب! فأطلق الثّعلب ضحكة عالية شقّت عباب الفضاء، وقال: لقد أعجزتني يا أخي الحمار!! فقد أثبتّ أنك الأذكى بيننا...!
" من تظنه غبيا، قد يفوقك ذكاء"
واخرى للكبار..

قصّة رجلين لا يعرفان بعضهما...

كان السّيّد صِدْق يتمشى بين أحضان الطّبيعة، ويتأمل بدعة الخالق فيها، والعصافير تطير من غصن إلى غصن تلاحق الفراشات الملوّنة، وإذا به يلمح شخصا قادما من بعيد، قصير القامة، شديد البنية، يتقافز بين الأشجار متطاولا أحيانا ليقطف بعضا من ثمارها... اقترب منه السّيّد صِدْق وحيّاه ببسمة صادقة فرحا برؤيته وظنّ بأنّه سيلاقي المتعة معه.
السّلام عليك يا أخي...!
عليك السلام.
من أنت؟ وماذا جئت تفعل في هذه الأرض؟
أنا السّيد سياسة، أبحث لي عن متعة أسلّي نفسي بها... لم أستقرّ على شيء حتّى الآن. من أنت؟
أنا غريب، اسمي السّيّد صدق.
غريب هذا الاسم إنه قديم جدا. أما زال النّاس يسمّونه حتّى اليوم؟ فانا لم أسمع به منذ أمد طويل.
هناك أسماء ما زلنا نحافظ عليها.
تعال نتمشّى أنا وأنت لنقتل بعضا من الفراغ الّذي يلاحقنا.
هيا بنا...
تابع الرجلان سيرهما، فمرا على عين ماء اجتمع حولها قوم من النّاس كانوا قد وردوها ليملأوا منها جرارهم المثبتة فوق الدّواب. اقترب السّيّد صدق وطلب جرعة من الماء، لكنّه أصيب بالدّهشة مما رآه. فقد كانت العين جافّة خالية من الماء، وبالرّغم من ذلك انهمك القوم في انتشال الماء وملء الجرار. صاح بهم السّيّد صدق: ما بالكم يا قوم؟ ألا ترَوْن أنّ عين الماء قد جفت وخلت منها الحياة؟ إنكم تخرجون الهواء وتملأون الجرار بالسّراب! لكنّ أحدا لم يكترث لما يقوله. صرخ بهم بأعلى صوته: توقفوا...! ماذا جرى لكم؟! لكن دون جدوى.
اقترب منهم السّيّد سياسة قائلا: عافاكم الله أيّها الرجال...! أيمكنكم إعطائي شربة ماء أروي بها عطشي؟ فناوله أحدهم ماءً في وعاء كان قد حمله معه، وتظاهر السّيّد سياسة بالشّرب. ثم أعاد الوعاء شاكرا حامدا، وانهال عليهم بأجمل عبارات المديح واصِفًا كرمَهم بأنّه كرم الطّائيّ، وبأنّ مياه عينهم عذبة كالسّكّر...
جفل السّيّد صدق في مكانه ولم يدرك ولم يستوعب ما يدور حوله... فتركهم وقفل راجعا. لحق به السّيّد سياسة راكضا، وناداه بصوت متقطع أعياه تعب الرّكض بسبب قصر قدميه ووزنه الزائد...التفت السّيّد صدق وصاح به: لن أبادلك الكلام حتّى تشرح لي ما فعلت. قل لي: كيف استطعت أن تخدع هؤلاء القوم وتدّعي وجود الماء في عينهم الجافة؟! لماذا لم ترشدهم إلى الحقيقة؟!
وهل طُلبَ منّي ذلك حتّى أفعل...؟
لكنك رأيت هؤلاء المساكين، بأنّهم عميان البصيرة، ألم تخجل من نفسك وأنت تزيد على جهلهم جهلا...؟!
وأنت، ما شأنك في ذلك؟
ضميري لا يتحمّل أن أتجاهل ما رأيته من هؤلاء القوم، لأنّ واجبي يحتّم علي تحمّل مسؤولية ما يحدث لهم.
وهل طُلِب من ضميرك التّدخّل فيما لا يعنيه...؟ يبدو أنّك أنت الأعمى وليس هم... ألم ترَ سعادتهم في جهلهم الّذي تدّعيه؟ ألم تشعر بعلامات الرّضا على وجوههم...؟ من أنت لتأتي فجأة وتوقظهم من هذه الغفلة...؟!
أنا إنسان مثلك!
لا إنك مختلف...! ألا تدري بأنّ النّاس يتضايقون ممن يجرؤ على إيقاظهم عندما يكونون في سباتهم؟ إن أمثالك غير مرغوب بهم في هذه الأرض...! لقد قلت لك إن اسمك قديم جدا، لا أحد يرغب في سماعه هنا.
 ويحك أيها السّيّد...! هل تلمّح لي أنّ في بلادكم يكرهون اسمي...؟! إذا كان الأمر كذلك اذهب لحال سبيلك، اذهب إلى قومك! وهذا فراقٌ بيني وبينك... فأنا وأنت لا يمكننا أن نتواجد في هذا المكان. سأترك بلادكم دون عودة، ولن أرجع إليها إلّا عندما تشتاقون إلى وجودي بينكم...
افترق الرّجلان وذهب كلّ منهما إلى حال سبيله...

الإبريق

ما زلتُ أذكرُ وأنا صغيرةٌ، أنّني ذهبتُ وأمّي إلى كرمِنا "مرج النّجاص" المليءِ بأشجار المشمشِ الّتي لم نحظَ يومًا بمعرفةِ طعمِ ثمارها؛ فقد كان المارّةُ يأتونَ عليها قبل أن ندركَها، سوى بعضِ الحبَاتِ المخبأةِ بينَ الأوراقِ الّتي نجتْ من قبضتِهم. في هذا الموسمِ كان أبي قد زرعَ الكرمَ بالحمّصِ، وقد نضجَ؛ فذهبنا لكي ندقَّ الحبَّ ونفصلَه عن قشرِه.
قلعنا الحمّصَ ووضعناهُ وسطِ المرجِ وأخذنا نضربُ عليهِ "بالميجنة" و "الشّوبك" بقوّةٍ؛ حتّى تكسّرَ القشرُ وسقطَ منهُ حبُّ الحمّصِ، ثمَّ قامت أمّي بوضعِ الخليطِ في الغربالِ لتذريتهِ، فطارَ القشرُ واستقرَّ الحبُّ تحتَ قدميها لأنّه ثقيلٌ.
كان الطّقسُ حارًا جداً، قالتْ لي أمّي: "روحي عن خالتك سميرة خلّيها تعبّيلنا بريق ميّ"! انتعلتُ "شحويطةَ" أمّي، وكانت تخضُّ بها رجلي الصّغيرةُ! وانطلقتُ مسرعةً. وقفتُ أمامَ البابِ وطرقتُ طرقًا خفيفًا، فظهرتْ امرأةٌ طويلةٌ جميلةٌ جدًّا، يضحكُ لكَ وجهُها دونَ أن تبتسمَ. فقلتُ لها: "أمي بعثتْني عَشان آخُذ مَيْ"!.
انتظرتُ في البابِ، وذهبتْ هي وأحضرتْ لي إبريقًا من الماءِ، مغطًّى بقطعةٍ حياكةٍ مزخرفةٍ قد تكون من صنع يديها. تناولتُ الإبريقَ بيديَّ الاثنتينِ، ونزلتُ مسرعةً على الأدراجِ؛ فتعثّرتُ "بشحويطة" أمّي ووقعتُ؛ فانكسرَ الإبريقُ وسالَ منه الماءُ! أجهشْتُ بالبكاءِ، وقفلتُ راجعةً إليها.
طرقتُ البابَ، وناديتُ بصوتٍ محشرجٍ: "هي خالتي سميرة!" فتحتْ البابَ، وكانتْ دموعي تملأُ وجنتيَّ، فقلتُ باكيةً: "انكسرْ لِبريق"! علتْ وجهَها ابتسامةٌ جميلةٌ وقالتْ: "تبكيشْ يا حبيبتي... ما صار إشي!"
ذهبتْ وأحضرتْ لي إبريقًا آخرَ، تناولتُهُ بيديَّ وهممتُ بالخروجِ، لكنّها استوقفتْني قائلَةً: "استنّي شوَي...!" غابت، وعادت بشيءٍ، ضحكتْ ودفعتْ لي ما بيدِها وقالتْ: "هَذول لِمْلَبّساتْ إلكْ عَشان كسرْتِ لِبريق!"... ضحكتْ هيَ وضحكتُ معها، أمّا أنا فهرولتُ مسرعةً، وفي يديَّ الإبريقُ و"كمشةُ الملبّس" لكنَّ عينيَّ كانتا مصوّبتانِ نحوَ الأرضِ، وسدّدتُ خطايَ بحذرٍ؛ حتّى لا يقعُ الحِمْلُ منّي"!
الكاتبة
امال ابو فارس

وقصيدتين محببات لقلبك.


عِتاب
عودي إِلَيَّ وَآنِسيني
لمَ تَنْوينَ الرَّحيلْ؟!
هناكَ سِرٌّ في عيوني
فَاقْرَئيهِ... وغادِري
إِنْ شِئْتِ
لكِنْ لا تَقولي
أَنَّني ما عُدْتُ أَهواكِ
وَلِقَلْبِها صِرْتُ أسيرْ!
أَتُصَدِّقينَ الواشِيينَ الكاذِبينْ؟!
أَتُصَدَّقينَ أَنَّني
ما عُدْتُ أَشْتاقُ
إِلى لَيْلٍ قَضَيْنا ساهِرينْ،
نَتبادَلُ عَذْبَ الْكَلامِ
وَأَنْتِ فيهِ تُبْدِعينْ؟!
كَمْ سالَ حِبْرُكِ فَوْقَ أَوْراقي
الحَزينَةِ
وَكُنْتِ يَوْمَها تَكْتُبينْ:
أَنّي حَبيبُكِ ليسَ غَيْري
مَن يَسُدُّ فَراغَ شَوْقٍ
كُنْتِ فيهِ تَسْبَحين؟!
أَتُصَدِّقينَ أَنَّني أَنْسى
لَيالينا
 وَأَنْتِ فيها تَغْزِلين
الحُبَّ
في كَفَّيْكِ
شَلّالَ حَنينْ،
وَتُرَتِّلينَ
قَصائِدَ غَزَلِيَّةً
وَبِنارِ حُبّي تَكْتَوين؟!
أَتُصَدِّقينَ أَنَّني
معبودَتي!
صِرْتُ حجارَةَ لا تَلين؟!
إِنّي أذوبُ مَرارَةً
لَوْ غِبْتِ عَنّي
أَوْ غَدَتْ أَيّامِيَ قَفْراءَ
 مِنْ عِطْرِ زُهورٍ
 تَنْثُرينْ!
إِنّي أَموتُ
كُلَّ يَوْمٍ
أَراكِ فيهِ تَبْعُدينْ
عودي إِلَيَّ حبيبَتي!
عودي إِلَيَّ
نُعيدُ أَيّامَ الْحَنينْ
وَانْسَيْ كَلامَ الْحاسِدينْ!
هيّا انْظُريني..
في عيوني!
وَاعْلَمي عِلْمَ الْيَقينْ
أَنّي الْمُتَيَّمُ في هَواكِ
وَلَيْسَ غيركِ
من كَوى قَلْبي
بِنارٍ تُشْعِلينْ!!
 
 
أُحِبُّكَ... أَيُّها الرَّجُلُ!

أُحِبُّكَ... أَيُّها الرَّجُلُ!
وَيَقتُلُني الشَّوقُ، لِرَقْصَتي مَعَكْ
تَحْتَ الْمَطَرْ
بَيْنَ الكُرومِ الْمُبَخَّرَةِ بِعِطْرِ أَنْفاسِكْ
بِكَ ابْتَدأَتْ حَضارَتي وَبِكَ انْتَهَتْ...
تَفوحُ مِنْ جُدْرانِ بَيْتِكَ رائِحَةُ الْحُروفِ
مِنْ مَكْتَبَةٍ عَنْقاءَ تَزْخَرُ بِعِلْمٍ
لا يُجيدُهَ إِلّا أَنْتْ
أَيُّها الرَّجُلُ...!
أَشْتاقُ لَكْ، وَأَنا مَعَكْ فَكَيْفَ بي عِنْدَ الْغِيابْ؟!
أَنْتَ مَنْ عَلَّمَتَني التَّمَرُّدَ عَلى الْحُروفِ
عَلَّمْتَني رَقْصَةَ الْحُرِّيَّةِ
تَحْتَ الْمَطَرْ...
وَغَرَسْتَ في أَنْفاسِيَ نَبْضَ طِفْلَةٍ
تَهْوى الْجَمالَ... تَعْشَقُ الْبَحْرَ
وَعَبَقَ الْياسَمينِ...
في عَيْنَيْكَ أَسْرارُ الْوُجودِ
أَيُّها الرَّجُلُ...!
هُناكَ عَباءَتُكَ... تَتَوَسَّطُ الْجُدرانَ
ما زالَتْ تَحْمِلُ كِبْرياءَكُ، وَعِزَّةَ نَفْسِكَ
مَصَبُّ الْقَهْوَةِ يَأْبى الاعْتِرافَ بِأَنَّهُ
باتَ مُهْمَلًا!
باتَ يَتيمًا...!
أَتُراكَ عَلَّمْتَهُ التَّمَرُّدَ أَيْضًا...؟!
أَتَرَنَّمُ لِعَزْفٍ عَلى مِهْباجِ قَهْوَتِكَ العَرَبِيَّةِ
الشَّقْراءِ...!
تَضوعُ رائِحَةُ الْهالِ نَبيذًا
وَيَبْدَأُ الْعَزْفُ...
تَتَراقَصُ يَدُ الْمِهباجِ، فَتَعْزِفُ أورْكِسْترا الْحَياةِ
أَلْحانًا وَرْدِيَّةً...
مِنْ فُوَّهَةِ بُرْكانِهِ عُزِفَتْ سَمفونِيَّةَ الْمَجْدِ
 لِتُراثٍ عاطِرٍ يَزْخَرُ بِالذِّكْرَياتِ
لِموسيقًى لَنْ تَنْتَهِيَ...
فَأَنْتَ مُعَلَّقٌ هُنا وَهُناكَ
بَيْني وَبَيْني...
لَمْ تَمُتْ أَيُّها الرَّجُلُ!
لَنْ تَموتَ يَا أَبِي...
سَأَحْمِلُكَ مَعي في كُلِّ قَميصٍ جَديدٍ
لِنَرْقُصَ مَعًا رَقْصَةَ الْحُرِّيَّةِ
تَحْتَ الْمَطَرْ...!!
******************************************************************
لولا الخجل – قصيدة بالعامية

لَوْلا الْخَجَل كُنْتْ كْتَبِتْ عَنِّكْ
 قَصيدِةْ غَزَلْ تِحْكي طَعِمْ ثِمِّكْ
 لأَنّو بْقَلْبي طَبْعِ الخَجَل مَدْفونْ
 بِبْعَثْ نَسيمِ الصُّبِح لَيْشِمِّكْ
لولا الخَجَل ما ضَيَّعِتْ عَنّي
 فُرْصِةْ عُمِرْ ضُمِّكْ بَعِدْ ضَمِّهْ
 لكنْ نَصيبي بْهَالدِّني لَنكونْ
 إِنْتِ وأنا وِالْخوفْ مِسْتَنّي
 
إنْتِ وأنا واللّيْلْ سَهْرانينْ
 نِحْكي سَوالِفْ عِشِقْ لِمْجانينْ
 وْلَمّا خيوطِ الصُّبِحْ رَحْ بِتْطِلْ
 بِتْخَبّا جُوّا عيونِكِ الْحِلوينْ
 
لَوْلا الخَجَل لابْعَثْلِكْ الأشواقْ
 معْ نَجِمْ سابِحْ في السَّما بَرّاقْ
 لَيْخَبْرِكْ إِنّي أنا المِشتاقْ
 ضُمِّكْ عَصِدْري وتِكْتِوي بَدمّي
لولا الخَجَل لَبْرَمِتْ حَدِّ الدّارْ
 تَ إلْمَحِكْ سَهْرانْ مِسْتَنّي
 شو بْخاف عيني تكشفْ الأسرارْ
 يِعْرِفْ أخوكِ ويِبِعْدِكْ عَنّي
شو بْخافْ والله بْخافْ كونْ بْعيدْ
 بُعْدِكْ جَفا والبُعِد نار تْقيدْ
 خَلّيكي حَدّي نِشْتِبِكْ بِالْأيدْ
 خَدّي عَخَدِّكْ وتِحْتِمي بْيَمّي
 لولا الخَجَل رَحْ خَبْرِكْ قِصَّة
قِصِّةْ حَنينْ وبِالقلبْ غَصَّةْ
 وْلَتِعِرفي قَدَّيْش مِشتاقينْ
 زنودي لَضَمِّكْ لَوْ بعد مرا

. بما تنهين الحوار :

في الختام اشكركم من كل قلبي على هذا الحوار الجريء والمميز واتمنى لكم النجاح والتألق ، كما اتمنى ان يسود السلام والمحبة بين الناس لأننا كلنا اخوة!