كنوز نت - إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن


تأثير الشعر الغربي في قصيدة أنشودة المطر للسياب
  • إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

     إنَّ قصيدة "أنشودة المطر"(1954) للشاعر العراقي بدر شاكر السياب (1926_ 1964) ليست معجزةً شعرية هبطتْ على الشعر العربي بلا مقدمات ولا تمهيد، كما أنَّه لا يجوز اختزالها في قصيدة غربية ارتدتْ ثوبًا عربيًّا، ثم نكتفي باتهام صاحبها بالتقليد. بين هذين الموقفين تقع المسألة النقدية الحقيقية.
     "أنشودة المطر" لا تستمد قيمتها من جمال صورها وحده، بلْ من موقعها في التحوُّل الذي أصابَ شكلَ القصيدة العربية ووظيفتها، وقدرتِها على تحويل المطر من ظاهرة طبيعية مألوفة إلى علامة تتداخل فيها الرغبة والخوف والجوع والموت الأمل. لكن هذه القيمة يجب فحص مصادرها بإنصاف وتوازن، فليس كُلُّ تشابهٍ بينها وبين الشعر الغربي مُجرَّد مُصادَفة، وأيضًا، لَيس كُلُّ تشابهٍ دليلًا على الاقتباس. والنقدُ الذي يكتفي بمدح السياب يُضيِّع جانبًا من الحقيقة، مثلما يُضيِّعها النقدُ الذي يبحث عن شاعر أوروبي وراء كُلِّ صورة في القصيدة. ولا بد من التمييز بين التشابه العام والتأثرِ التاريخي الممكن.
     كان السَّيَّاب على معرفة بالشعر الإنجليزي، ودرسَ نماذج منه، ولم يكن اطِّلاعُه على الشاعر الأمريكي الإنجليزي تي إس إليوت ( 1888_ 1965 ) أمرًا افتراضيًّا. لذلك لا يأتي الحديث عن تأثير إليوت من تشابهٍ عابرٍ بين قصيدتين، وإنما يستند إلى سياق ثقافي وشعري يجعل المقارنةَ بينهما مشروعة وضرورية. والصلةُ بين "أنشودة المطر" و"الأرض الخراب" (1922) تظهر في بعض المستويات الإيقاعية والبنائية، وإنْ كانت طبيعة هذه الصلة وامتدادها قائمة على الاختلاف.
     ليس كُلُّ مَن استخدمَ الرمزَ متأثرًا بإليوت، وليس كُلُّ قصيدة تتناول الخرابَ والجوع والموت امتدادًا لـ "الأرض الخراب". هذه موضوعات عرفها الشعرُ مُنذ زمن بعيد. الدليلُ الأقوى لا يكمن في وجودها منفردة، بلْ في اجتماعها داخل نظام شعري متقارب، وطريقةِ انتقال الشاعر من صورة إلى أُخرى، والعلاقةِ بين المشهدِ الحسي والمشهدِ الحضاري، وكيفيةِ إنتاج المعنى من التناقض بدلًا من شرحه مباشرةً.
     في "الأرض الخراب" لا يُقَدِّم إليوت عالَمًا منهارًا في صورة تقرير سياسي أو اجتماعي، إنَّه يبني الانهيارَ داخل القصيدة نفسها. تتجاور الأصوات، وتتصادم الإشاراتُ الثقافية والدينية، وتظهر الشخصيات كأنها شظايا من حياةٍ فقدتْ قُدرتها على التواصل. وهذا الخرابُ ليس موضوعًا فحسب، إنَّه طريقة في تنظيم النص.
     أمَّا السياب، فَيُحوِّل المطرَ إلى مِحور تتجمع حوله حالات متضادة: العطش والارتواء، الموت والخصب، القهر والرجاء. ويبدأ من تجربة حِسِّية معروفة، ثُمَّ يُوسِّعها لتشمل العراق، والفقر، والحرمان، وانتظار الخلاص. هُنا تبرز نقطة التقاء حقيقية بين الشاعرَيْن، وهي أن الطبيعة ليستْ خلفيةً محايدة، وإنما هي لغة أُخرى للتعبير عن أزمة الإنسان.
     إليوت يجعل القارئ يواجه عالَمًا قاسيًا متشظيًا، يحتاج إلى إعادة تركيب إشاراته كي يقترب من معناه. أمَّا السياب فيمنح المطرَ وظيفةً عاطفية ووطنية أوضح، ويقوده تدريجيًّا نحو أفق الخلاص، إنَّه لا يكتفي بعرض الخراب، بلْ يريد أن يجعل من الماء وعدًا بانتهاء الخراب.
     لقد استفادَ السياب من إمكانات الحداثة الإليوتية، لكنه لم يستثمر جميعَ تعقيداتها بالدرجة نفسها، إذْ مالَ أحيانًا إلى جمع التناقضات داخل رمز مركزي واحد، ثم توجيهها نحو نتيجة وجدانية واضحة.
     في شِعر إليوت، قدْ يبقى التناقض قائمًا بدون مصالحة. أمَّا عند السياب، فإن المطر يستوعب قَدْرًا كبيرًا من التناقضات، ويمنحها اتِّجاهًا وجوديًّا. وهذا يُكسِب القصيدةَ تماسكًا عاطفيًّا، لكنه يُقَلِّل من حِدَّة الصراع الفكري الذي يجعل النص الحديث مقاومًا لأي معنى نهائي.
     ولا يعني ذلك أن السياب أقل شاعرية من إليوت،فالمقارنة بينهما ليستْ مسابقةً في الغموض، لكنها تكشف أن الشاعر العراقي أعادَ ترتيبَ بعض إمكانات الحداثة الغربية بما يتلاءم معَ حاجته إلى قصيدة تستطيع أن تتحدث عن الفرد والوطن معًا، وأن تجعل القارئ يشعر بأن الخلاص مسألة حياة يومية، وليس مجرد قضية فلسفية.
     قدْ يتأثر الشاعرُ بطريقة التفكير الشعري، أوْ يستعير صورةً، أوْ يتبنَّى تقنيةً في بناء النص، أوْ يقترب من قصيدة بِعَينها إلى حد يسمح بالحديث عن تناص محدد. وهذه مستويات مختلفة، ولا يجوز وضعها جميعًا تحت عنوان واحد.
     تتيح المقارنة بين"الأرض الخراب" و"أنشودة المطر" الحديثَ عن ثلاثة مستويات على الأقل:
     1_ مستوى الرؤية: تحويل الأزمة الاجتماعية والحضارية إلى أزمة في حياة الإنسان الداخلية.
     2_ مستوى البناء: الانتقال بين صور ومشاهد تتَّسع دلالتها تدريجيًّا، بدلًا من الاعتماد على حكاية متصلة أو موضوع يشرح نَفْسَه.
     3_ مستوى الإيقاع: جَعْل التكرار والتحولات الصوتية جزءًا من صناعة المعنى، وليس مجرد زينة موسيقية.
     الشعرُ الحديث ليس مِلْكًا لشاعر واحد، ولم تنشأ تقنياته كلها في قصيدة "الأرض الخراب". ينبغي أن نحدد مواضع التقارب، ونقارنها بأصولها المحتملة، ثم نسأل عمَّا فعله السياب بها داخل تجربته الشخصية. ولا شك أن إليوت يُمثِّل مرجعًا مهمًّا لفهم بعض خيارات السياب الفنية، ولكنَّه ليس مفتاحًا وحيدًا لجميع أسرار "أنشودة المطر".
     إذا كان إليوت يتيح لنا فهمَ جانب من البناء الحديث في "أنشودة المطر"، فإن الشاعر الإنجليزي الرومانسي بيرسي بيش شيلي ( 1792_ 1822 ) يفتح بابًا آخر للمقارنة، يتعلق بعلاقة الطبيعة بالتغيير، وقدرةِ الصورة الطبيعية على حمل معنى يتجاوز حدودَها المباشرة.
     في قصيدته الشهيرة " أنشودة إلى الريح الغربية" ( 1820 ) لا تظهر الريحُ حركةً في الجو فقط،إنها قوة تجمع بين التدمير والحفظ، وبين موت الأوراق القديمة وإمكان انبعاث حياة جديدة.
     ويجعل شيلي من تعاقب الفصول مُعادِلًا لتبدُّل الأوضاع، ثم يربط الشعرَ بإمكان إيقاظ العالَم، وتغيير أحواله. وصورُ الطبيعة عنده تَحمل أبعادًا سياسيَّة وتاريخيَّة، لا تقتصر على وصف المشهد الطبيعي.
     ويتَّضح التناقضُ في قصيدة شيلي: الريحُ تدفع الأوراق الميتة نحو مثواها الشتوي، لكنها تَحمل البذورَ أيضًا، فتضع الموتَ والبداية في حركة واحدة، ويرتبط الشتاءُ بإمكان الربيع، فيتحوَّل تغيُّرُ الطقس إلى استعارة للأمل بعد المعاناة.
     في "أنشودة المطر" نجد بنيةً دلالية قريبة من هذا التصوُّر، وإن اختلفت الصورُ والتفاصيل. فالمطرُ لا يأتي بوصفه نعمةً صافية، ولا بوصفه كارثة خالصة، إنَّه الماء الذي تحتاج إليه الأرض، لكنَّه يستدعي كذلك صورَ الفقر والجوع والدموع. ومِن خلال تكرار كلمة "مطر"، يظل النص يتأرجح بين ما هو كائن، وما يتمنَّاه الشاعرُ أن يكون.
     هذا التقاطعُ يستحق الانتباهَ، لأننا لا نتحدث عن تشابه موضوعي سطحي بين شاعرَيْن كَتَبَا عن الطبيعة. نحن أمام تصوُّر مشترك نسبيًّا لوظيفة الصورة الطبيعية، أن تكون وسيلة للتفكير في التحوُّل، وليس مادةً للوصف فقط.
     أوَّل ما يلفت النظرَ هو أن الطبيعة عند الشاعرَيْن ليست منفصلة عن التاريخ. شيلي لا يتعامل معَ الريح بوصفها مشهدًا جميلًا، بلْ يمنحها وظيفة تغييرية، والسيابُ لا يكتفي برسم المطر، بلْ يجعله حاملًا انتظار جَماعي.
     عند شيلي، تتَّصل حركة الطبيعة بفعل شعري صريح. يريد الشاعرُ أن تنتشر كلماته في العالَم كما تنتشر الشرارات، وأن يصبح شِعرُه قوةً توقظ الأرضَ.
     أمَّا عند السياب، فإن الانتقال من الطبيعة إلى الخلاص يجري غالبًا عبر الرمز المتكرر، الذي يربط المشهدَ الحِسِّي بالألم العراقي، ثم يعيد توجيهَ الألم نحو الأمل.
     هذا لا يثبت أن السياب نقلَ من شيلي صورةً بِعَينها، لكنَّه يُوضِّح مجالًا معقولًا للتأثر، وهو الاستفادة من تصوُّر رومانسي يجعل قوى الطبيعة استعارات للتاريخ، ويجعل دَورةَ الموت والبعث أساسًا لتخيُّل التغيير.
     تمنح هذه الثنائيات القصيدةَ طاقةً غنائية قوية، لكنَّها تجعل حركتها الفكرية متوقعة. فما إنْ تتراكم صورُ العطش والموت والظلام حتى يتوقع القارئ أن يأتي المطر بوصفه جوابًا عنها. وحين يتكرر هذا الاتجاه من غير أن تتغيَّر طبيعة الصراع، يصبح الرمزُ مُعَرَّضًا للتحوُّل إلى ضمانة عاطفية، مهما اشتدَّ الخراب، لا بد أن يكون الخلاص ممكنًا.
     شيلي يكتب في سياق رومانسي أوروبي له شروطه التاريخية، والسياب يكتب في سياق عراقي وعربي تتداخل فيه أسئلة الاستعمار والفقر والسُّلطة والحرمان. لذلك لا تكمن قيمة المقارنة في البحث عن نُسخة عربية من قصيدة إنجليزية، بلْ في اختبار ما إذا كان السياب قدْ أعادَ تشكيلَ التصوُّر الرومانسي بما يخدم تجربته الشعرية الخاصَّة.

     تظهر الشاعرة الإنجليزية إديث سيتويل (1887_ 1964) في النقاش النقدي حول" أنشودة المطر" بسبب قصيدتها "لا يزال المطر يهطل" ( 1940 ). وقدْ يبدو التقاربُ بين عنوانَي القصيدتَيْن مغريًا للوهلة الأُولَى، خصوصًا أن النَّصَّيْن يرتبطان بالمطر والأجواءِ القاتمة.
     لكن التشابه في العنوان لا يساوي تطابقًا في التجربة، والمطرُ ليس مِلكية فكرية لشاعر، واستعماله رمزًا للحُزن أو الخلاص لا يكفي وحده لإثبات علاقة تأثير. وفي نفس الوقت، فإنَّ اختلاف المضمون لا ينفي بالضرورة كُلَّ تأثير، إذْ يستطيع شاعرٌ أن يأخذ من نص سابق فكرةً أو إيقاعًا أو طريقةً في تنظيم الصور، ثم يُوظِّفها في سياق مختلف تمامًا. لذلك لا يصح أن نقول إن التأثير مستحيل لمجرد أن سيتويل كتبتْ في أفق ديني، بينما يتَّجه السياب إلى أفق وطني واجتماعي. وفي المقابل، لا يصح أن نؤكد التأثيرَ لمجرد أن المطر حاضر في العنوانَيْن.
     والدليلُ الذي نحتاج إليه يقوم على تحديد مواضع التشابه بين النصين، وهذه العملية تقوم على أربعة أُسُس:
     1_ تكرار صورة مُركَّبة بِعَينها.
     2_ وجود تسلسل متقارب للصور.
     3_ وجود علاقة مميزة بين المطر والمعاناة يصعب تفسيرها بالتشابه العام.
     4_ وجود قرائن موثوقة تدلُّ على معرفة السياب بالنص الإنجليزي، وأنَّه كان مُتاحًا له قبل كتابة قصيدته.
     من دون هذه المقارنة التفصيلية، تظل سيتويل اسمًا يستحق البحث، وليس مصدرًا ثابتًا يجوز أن نبني عليه حُكمًا قاطعًا.
     وهُنا يصبح النقد أكثر صرامة مع السياب وناقديه في الوقت نفسه. فإذا كُنَّا نطالب الشاعرَ بالأصالة، فعلينا أن نطالب الناقدَ بالدليل. لا يجوز اتهام شاعر بالاستيلاء على تجربة غيره، لأن عنوانيهما يتشابهان، كما لا يجوز إسقاط احتمال التأثر لمجرد اختلاف الموضوعَيْن.
     يجب التمييز بين ثلاثة أمور كثيرًا ما تختلط:
     1_ الشعراء الذين ثبتتْ معرفة السياب بأعمالهم.
     2_ الشعراء الذين يرى النقادُ أن بعض تقنياتهم تظهر في شعر السياب.
     3_ الشعراء الذين يمكن إجراء مقارنات مفيدة بينهم وبين السياب من دون أن يعني ذلك وجود تأثير تاريخي مباشر.
     لا أستطيعُ من الناحية العلمية أن أُقَدِّمَ قائمةً تضم جميع شعراء وشاعرات الغرب الذين أثَّروا في "أنشودة المطر"، فهذا دعوى لا تُسندها الدراسات المُتاحة، ولا يمكن إثباتها بمجرد استعراض أسماء الشعراء الغربيين الذين كتبوا عن المطر أو الموت أو الطبيعة. لكن يمكن توسيع مجال القراءة المقارنة من دون اختراع مصادر لا دليل عليها.
     لقدْ نجح السياب في جعل المطر مركزًا تتجمع حوله حركة القصيدة، فهو يربط بين الطبيعة والذاكرة والجوع والرجاء، ويستخدم التكرارَ لتثبيت صورة تتجاوز معناها المباشر.
     في بعض مواضع القصيدة، يبدو التكرار جزءًا من حركة شعورية تتصاعد. وعبارة: مطر، مطر، مطر، لا تؤدِّي وظيفةً إيقاعية فحسب. إنها تحاكي إلحاحَ الظاهرة الطبيعية، وتُحوِّل التكرارَ إلى انتظار، وتمنح القصيدةَ صوتًا يستطيع القارئ استعادته حتى بعد الانتهاء من القراءة. وهُنا تظهر فائدة المقارنة معَ الشعر الغربي الحديث، إنها تساعدنا على فهم كيفية تحرُّر الإيقاع من الوظيفة الزُّخرفية، وكيفيةِ تحوُّل التكرار إلى عنصر في بناء الدلالة.
     والتكرارُ من أقدم وسائل الشعر، وله حضور في الإنشاد العربي، والأهازيجِ والأغاني، والتقاليدِ الدينية والشعبية. وما يهمُّ هو الطريقة التي أعادَ السياب تنظيمَه بها داخل قصيدته.
     ويمكن توجيه نقد أكثر تحديدًا إلى العلاقة بين الإيقاع والمعنى. في المواضع التي يتصاعد فيها التكرار معَ تصاعد الحاجة والانتظار، يكون للصوت مُبرِّر دلالي. أمَّا إذا صار التكرار وسيلةً لتأكيد النبرة ذاتها من دون تحوُّل في الصورة أو الفكرة، فإنَّه يُخاطر بأن يتحوَّل من بناء شعري إلى إلحاح عاطفي.
     والإيقاعُ في "أنشودة المطر" من العناصر التي تمنحها وحدتها، وحتى عندما تتباعد الصور، يظل صوتُ المطر رابطًا بينها، ويجعل القصيدةَ قابلةً للتلقِّي بوصفها تجربة واحدة، وليستْ مجموعة من المقاطع المنفصلة. 
     تتحرك "أنشودة المطر" بين مشاهد الألم وانتظار الحياة. وهذا ما يمنحها أثرَها الإنساني، فهي لا تتعامل معَ الجوع والحرمان بوصفهما موضوعَيْن تجريديين، بلْ تجعلهما جزءًا من انتظار شيء ضروري لاستمرار الحياة. لكن هذا الاتجاه يَحمل مخاطرةً فكرية أيضًا. حين يرمز المطرُ إلى الخلاص، قدْ تبدو الطبيعة كأنها ستتكفَّل بما عَجَزَ البشرُ عن إنجازه. وإذا اتَّسعَ هذا المنطق أكثر مِمَّا ينبغي، فإن الأمل الشعري قدْ يُخفِّف مِن حِدَّة السؤال السياسي: مَن المسؤول عن الخراب؟، وما الذي يمكن أن يُغيِّره الإنسانُ فعلًا؟.
     لا يعني ذلك أن القصيدة مُطالَبة بأن تتحوَّل إلى برنامج سياسي أو بيان أيديولوجي. الشعرُ ليس مُلْزَمًا بتقديم حلول عملية. لكن من حق القارئ أن يسأل عمَّا إذا كان الرمز يكشف أسبابَ المعاناة أمْ يكتفي بمنحها نهاية وجدانية محتملة. وهذه واحدة من أهم نقاط النقد التي يمكن توجيهها إلى السياب.
     قوة القصيدة في تحويل الألم إلى أمل، قدْ تأتي أحيانًا على حساب إبقاء أسباب الألم ومقاومته في مركز الرؤية. وعلى الرغم من ذلك، لا ينبغي المبالغة في هذا الاعتراض. فالمطرُ ليس خلاصًا مُحَقَّقًا في القصيدة، ولا ينتهي النص إلى عالَم خالٍ من التناقض. إنَّه يظلُّ وعدًا ومطلبًا وانتظارًا، وهذه المسافة بين الحاجة والتحقُّق جُزءٌ من أثره.
     إنَّ الشعر العربي لَم يتطور في عُزلة عن الثقافات الأُخرى، كما أن الشعر الأوروبي الحديث تَشَكَّلَ من تفاعلات متعددة معَ التراث الإغريقي والروماني والديني والفلسفي. لذلك لا يكفي أن نعثر على أثر غربي في السياب كي ننتقص من أصالته، مثلما لا يكفي أن نجد في شعره نخيلَ العراق وماءه كي نثبت استقلالَه الكامل عن كُلِّ مؤثِّر.
     في "أنشودة المطر" تتَّضح شخصية السياب في اختياره البيئة العراقية، وربطِ المشهد الطبيعي بالجوع والحرمان، وجَعْلِه المطر علامة تتَّصل بحياة الناس، وليس مصير الفرد وحده. وهذه العناصر تمنح القصيدةَ خصوصيتها، حتى حين يمكن مقارنتها بتقاليد غربية في الرمزِ والبناءِ والإيقاع. لكن لا ينبغي تحويل هذا الحُكم إلى مديح مُطْلق، فإعادةُ تشكيل المؤثرات لا تعني بالضرورة أن الشاعر تجاوزَ كُلَّ ما أخذه، كما أن نجاح بعض الصور الفنية لا يضمن تماسكَ كُلِّ المقاطع.
     يمكن للسياب أن يكون أصيلًا في بعض خياراته، ومَدينًا لتجارب سابقة في خيارات أُخرى، وأن ينجح في تحويل تقنية وافدة إلى لغة خاصة، ثم يتعثر أحيانًا في توحيد رموزه أوْ توجيهها. هذه ليستْ تناقضات ينبغي التخلص منها، بلْ حقائق طبيعية في تجربة أي شاعر.
     " أنشودة المطر" ليست نصًّا خارج التاريخ، ولا عملًا يمكن فهمه بإغلاق أبوابه أمام الشعر الغربي. إنها قصيدة عربية حديثة شاركتْ في تغيير شكل القصيدة العربية، وهي في الوقت نفسه نَص تجب قراءته بعين نقدية، لا تخشى اكتشافَ مصادره، ولا تتردد في مُساءلة حدوده.
     وما يحتاج إليه السياب هو أن نقرؤه بدقة تكفي للتمييز بين ما ورثه من تجارب سابقة، وما أعادَ تشكيلَه، وما أضافه فِعلًا إلى الشعر العربي، ومَا لَم ينجح في تجاوزه.
     إنَّ النقد الواعي لا يسعى إلى هدم الرموز، ولا تحنيطها، بلْ يدرك أنَّ ريادة السياب قائمة على بشريته العميقة وإحساسِه المُرهَف لا عصمته وتقديسه. لقدْ كان السياب صوتًا جريحًا يتَّكئ على إرثه المشرقي، ويستلهم آفاقَ الغرب، فجاءَ شعرُه مزيجًا فريدًا من عبقرية الابتكار، وحَيرةِ البدايات.
     ورحلةُ السياب، ذلك الشاب النحيل الحالم الآتي من الريف المنسي، كانتْ صراعًا وجوديًّا بين روح شاعر مُحاصَر بفقره ومرضه وهموم وطنه، وبين أرواح شعراء عالميين آخَرين وَجَدَ فيهم صدى لأوجاعه وأسئلته العميقة.
     ووجعُ الإنسان واحد، ودموع البشر، مهما اختلفتْ لغاتهم وألوانهم، تتقاطع دائمًا عند محطة الحنين، والبحث عن الدفء، والظمأ العارم إلى الحرية والعدل والحياة الكريمة.
     ومأساةُ السياب ليستْ قَدَرًا بيولوجيًّا فحسب، إنها تكلفة باهظة لوعي استباقي اصطدمَ ببيئة ثقافية واجتماعية عاجزة، وعدائية تجاه التجديد. والانعطافةُ الشعرية الكُبرى التي قادها السياب لَم تكن تمرينًا تقنيًّا باردًا، بلْ كانت استجابة عنيفة لِتَشَظِّي الإنسان الحديث.
     والنقدُ المنصف لا يُمكنه أن يتغاضى عن تناقضات السياب الفكرية والسياسية الحادَّة في مسيرته. فالشاعرُ الذي صرخ بأعلى صَوته للحرية، تَوَرَّطَ أحيانًا في تقلبات أيديولوجية مربكة، وكأن التمزُّق الوجودي الذي عاشه على الصعيد الشخصي قد انسحبَ على خياراته الكُبرى، جاعلًا مِنْه كائنًا مُمَزَّقًا بين التَّوْقِ العارم للتحرر، وبين الانجرافِ نحو الولاءات الضيقة والمصالح الشخصية.
     وقدْ قُتِلَ السياب مَرَّتَيْن: مَرَّة في حياته بالفقر والمرض والتهميش، ومَرَّة بعد مماته بتحويله إلى مادة تدريسية باهتة، وموضوعٍ للتباهي بريادة الحداثة الشعرية العربية، بعيدًا عن جَوهر مشروعه الذي قامَ على الاشتباك معَ الواقع، والرفضِ المُطْلق للزَّيف.