كنوز نت - علي هيبي*


كوّة نور على الشّاعر السّودانيّ الهادي آدم* وقصيدته "أغدًا ألقاك"
  • علي هيبي*
 

"أغداً ألقاك يا خوف فؤادي من غدٍ
يا لشوقي واحتراقي في انتظار الموعد

آه كم أخشى غدي هذا وأرجوه اقترابا
كنت أستدنيه لكن هبته لما أهابا
وأهلّت فرحة القرب به حين استجابا
هكذا أحتمل العمر نعيمًا وعذابا
مهجة حرّة وقلبًا مسّه الشوق فذابا

أنت يا جنّة حبّي واشتياقي وجنوني
أنت يا قبلة روحي وانطلاقي وشجوني
أنتِ يا معبد صمتي وصلاتي وسكوني
أغدًا تشرق أضواؤك في ليل عيوني
آه من فرحة أحلامي ومن خوف ظنوني

كم أناديك وفي لحني حنين ودعاء
آه رجائي أنا كم عذّبني طول الرجاء
أنا لو لا أنت لم أحفل بمن راح وجاء
أنا أحيا لغد آن بأحلام اللقاء
فأت أو لا تأتي أو فافعل بقلبي ما تشاء

هذه الدنيا كتاب أنت فيه الفكرُ
هذه الدنيا ليالٍ أنت فيها العمرُ
هذه الدنيا عيون أنت فيها البصرُ
هذه الدنيا سماء أنت فيها القمرُ
فارْحمِ القلب الذي يصبو إليْك
فغدًا تملكه بين يديْك

وغدًا تأتلف الجنّة أنهارًا وظلّا

وغدًا ننسى فلا نأسى على ماضٍ تولّى
وغدًا نسهو فلا نعرف للغيب محلّا
وغدًا للحاضر الزاهر نحيا ليس إلّا
قد يكون الغيب حلوًا إنّما الحاضر أحلى



*الهادي آدم شاعر سودانيّ شهير، ولد سنة1927 وتوفّي سنة 2006 ، وهو صاحب قصيدة "أغدًا ألقاك"، التي غنّتها أمّ كلثوم.
ولد في مدينة "الهلاليّة" وقد تخرّج من كلّيّة "دار العلوم" في الجامعة المصريّة وحصل على درجة الليسانس في اللغة العربيّة وآدابها، وحصل على دبلوم عال في التربية من جامعة عين شمس، وعمل معلّمًا للغة العربيّة وإداريًّا في وزارة التربية والتعليم في المرحلة الثانويّة في كلّ من المعهد الفنّيّ من مدرسة "حنتوب". ومن ثمّ حصل على الدكتوراه الفخريّة من جامعة "الزعيم الأزهريّ" في السودان.
للهادي آدم شعر وافر وله عدّة دواوين، أشهرها ديوان "كوخ الأشواق"، الذي يعدّه النقّاد من أفضل ما قدّم للأدب وللمكتبة السودانيّة، وكتب في مجالات الإبداع الأدبيّ الأخرى، وأشهر ما كتب في هذا المضمار مسرحيّة باسْم "سعاد". كتب عدّة أشعار منها قصيدة «أغدًا ألقاك" التي غنّتها المطربة أمّ كلثوم. فيما كتب العديد من القصائد، آخرها قصيدة لم تنشر بعد بعنوان "لن يرحل النيل"، يصوّر فيها بريشة الفنّان ذكرياته العزيزة التي عاد يتفقّدها في حيّ "منيل الروضة" الذي سكنه في صباه.
ويعتبر النقّاد في الخرطوم الشاعر الراحل الهادي آدم أنّه ظلّ لعقود في مصافّ الشعراء الكبار، ليس على مستوى السودان، وإنّما على مستوى العالم العربيّ. ورغم انتمائه لجيل سابق للحركة الشعريّة المعاصرة فإنّه يعتبر من الشعراء المحدثين، ويعتبر الهادي آدم أحد رموز الشعر العربيّ في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث يمتاز شعره بالإبداع والقدرة على تصوير الانفعال النفسيّ ببراعة كما في قصيدته الشهيرة "الغد"، كما ورد عنوانها في ديوان "كوخ الأشواق"، وهي نفسها "أغدًا ألقاك" كما كانت عنوانًا للأغنية التي اختارتها للغناء من بين عشرات القصائد رُشّحت لها، وقد اختارها لها الشاعر صالح جودت، والأغنية من ألحان الموسيقار محمّد عبد الوهاب، وقد غنّتها أمّ كلثوم سنة 1969، كما نشر أنّ قصيدة "أغدًا ألقاك" اختارتها سيّدة الغناء العربيّ، أمّّ كلثوم إبّان زيارتها للسودان في عام 1968، لإقامة الحفلات من أجل المجهود الحربيّ بعد النكسة في حرب حزيران سنة 1967.
والهادي آدم من المعلّمين القدامى في السودان في شتّى المراحل الدراسيّة، خاصّة في المرحلة الثانويّة العليا حيث درّس في مدرسة "حنتوب" الثانويّة، ويشهد له النقّاد ودارسو تاريخ الأدب في بلاده، بأنّه من أوائل الذين ساهموا في نهضة الشعر في البلاد، من خلال الجمعيّات الأدبيّة التي كان يشرف عليها في المدارس التي عمل فيها في شتّى بقاع السودان. وللشاعر الكبير مجموعة شعريّة كاملة تضمّ كلّ أعماله الشعريّة، أي دواوينه: "كوخ الأشواق" و"نوافذ العدم" و"عفوًا أيّها المستحيل" وتمّت طباعة هذه المجموعة عن طريق مؤسّسة "الأروقة الثقافيّة.
ومن أشهر أعمال الشاعر مرثيّته في الرئيس العربيّ الراحل جمال عبد الناصر، والتي تعتبر من القصائد الجميلة، وهي بعنوان "أكذا تفارقنا"، يقول في مطلعها:  
"أكذا تفارقنا بغير وداعِ يا قبلة الأبصار والأسماعِ
ماد الوجود وزلزلت أركانه لما نعاك إلى العروبة ناعِ
ماذا عسى شعري وخطبك آخذ بالقلب ماذا يخطّ يراعي
يا صاحب الوجه النبيل وحامل الخطب الجليل وقمّة الإبداعِ"
وليس غريبًا عن الهادي آدم، هذا الشاعر الذي تنوّعت أشعاره في عدد من الموضوعات الذّاتية، الغزلية والمناسبات الوطنية والسياسية. أن يتناول القضايا العربية في عدد القصائد مثل: بغداد، وقصيدة "أغرودة النصر" عن الجزائر، وكذلك حضرت فلسطين واغتصابها في شعر الهادي آدم، وكيف استولى عليها الدخلاء، ولكنّه كان مؤمنًا بأنّ لا بدّ للظلم من أن يزول. وقال فيها: "إذا جاءها عن وعد بلفور غاصب فلله فيها قولة سيقولها"
وتعود قصيدة "أغدًا ألقاك" إلى قصّة شخصيّة تتعلّق بالهادي آدم وحكاية حبّه، وهي كلمات من رحم العشق، فقد كتبها الشاعر السوداني الكبير الهادي آدم، بعدما أن هام في حبّ فتاة مصريّة، عندما كان يدرس في كلّيّة "دار العلوم" في "جامعة القاهرة"، هو وتلك الفتاة. 
كانت تلك الفتاة من الطبقة الأرستقراطيّة وكان والدها رافضًا له، وبعد إلحاح الفتاة على والدها وافق أن يلتقي الشاعر ويراه ومن ثمّ يحكم عليه وحدّد له موعدًا بالغد.
وبعد طول عناء وافق الوالد على هذا اللقاء، وحينما علم الشاعر بهذا اللقاء لم ينم طول الليل، 
ظلّ سهران أمام بيت حبيبته ينتظر هذا الموعد، وفي تلك الليلة قام بتأليف تلك الكلمات الجميلة التي كانت تصف حالته، فهي تجربة حقيقيّة عاش الشاعر معاناتها فحوّلها إلى تجربة شعريّة جميلة، انماثت لها نفسه الرقيقة، فانثالت فيها عواطفه انثيالًا ناعمًا. وقال البعض عنه وعنها: "لقد كتبها بدمه ودموعه أملًا في موافقة والد حبيبته على زواجها منه". ويقال أنّه مات ليلة اللقاء، وذهب الهادي آدم إلى فراشه، ونام منتظرًا الصباح، الذي لم يأتِ عليه، ولم يتسنّ له لقاؤها، وهذه معلومة مشكوك في صحّتها، مع أنّها نشرها طلعت شناعة في جريدة "الدستور" واعتبرها مأساة.  
قصيدة "أغدًا ألقاك" عُرفت واشتهرت كشعر جميل بعد أن غنّتها أمّ كلثوم في سنة 1969، ومنحتها بُعدًاً فنّيًّا في الذيوع، مع أنّ بعض التغييرات في كلمات القصيدة جعلتها تنحو منحًى آخر عن النصّ الأصليّ، لكنّ ذلك التغيير لم يغيّر في أحاسيسها ووجعها الحقيقيّ وصراعاتها النفسيّة التي فجّرت إبداع الشاعر في نظمها، ولذلك من يبغي نقد القصيدة عليه تناول ذلك النصّ الأصليّ، لا الأغنية التي غنّتها أمّ كلثوم، كونها مرتبطة بوجدان الشاعر نبعت من تجربته الشعرية، فالأهمّ هو تجربة الشاعر ووجدانه الفنّيّ والجماليّ الذي أجاده بتصوير الانفعال الذاتيّ داخل سياق القصيدة.
قد يرى البعض في القصيدة أنّها لا تخرج عن أسس القصيدة العموديّة، ولكنّها ليست كذلك بالتأكيد، فهي قصيدة مقطعيّة، كما عرف عند شعراء "المهجر" اللبنانيّين وشعراء مدرسة "أبولو" في مصر، وبالتأكيد كان الهادي آدم يعرفهم، فهم أبناء تلك الفترة، وقد نتبيّن للدّلالة على جدّتها من لغتها الرقيقة ومضمونها المعتمد على تجربة صادقة، فيها طغيان للانفعال والعشق، زيادة على أنّها مقسّمة لمقاطع، ليست ثابتة في عدد السطور، وليست موحّدة القافية، حتّى في كلّ مقطع القافية تتغيّر، ممّا يدلّل على جدّتها شكلًا وتجربة ومضمونًا، وقد يذكّر هذا المبنى بقصيدة "المواكب" لجبران" أو قصيدة "الطلاسم" لإيليّا أبي ماضي، أو قصيدة "الأطلال" لإبراهيم ناجي. ومع أنّ قصيدة "أغدًا ألقاك" ذات وحدة فنّيّة واحدة لأنّها تعبير عن تجربة متماسكة عاشها الشاعر من أوّلها حتّى آخرها، يبقى المقطع فنّيًا أيضًا وحدة فنّيّة من ناحية الشكل والمضمون، والقصيدة مكوّنة من مذهب أو مطلع من سطرين، ما يذكّرنا أيضًا بمبنى الموشّح الأندلسيّ، ومن ثمّ يلي المذهب خمسة مقاطع، ذات عدد سطور تتغيّر وقافية تتغيّر في بعضها، بما ينسجم مع موسيقى القصيدة وأصواتها وأحاسيسها النابضة بحالة نفسيّة تراوح بين الأمل والألم، بين الحقيقة والحلم.            
يقوم المضمون الأساسيّ في القصيدة على الشعور بالخوف والرهبة من الغد ولقاء الحبيبة، ويمتاز هذا الشعور في القصيدة بروعة تصوير الشاعر للصراع النفسيّ، حيث يستهلّ القصيدة بالبيتيْن بإحساس يثور ومن ثمّ يتبعه هدوء يخبو وهكذا، فقد ابتدأ آدم الفكرة بتناقض، فقلق الشاعر من الموعد المؤمّل في لقاء الغد، وفي نفس الوقت شوقه ولهفته للقاء، وقد عبّر عن هذا التناقض النفسيّ بأسلوب الاستفهام فقد وجّه السؤال إلى حبيبته، وفي الوقت ذاته عبّر لنفسه عن التخوّف من اللقاء، فيا لشوقه ويا لاحتراقه في هذا الانتظار المؤلم والممتع في آن واحد. وهنا يكمن الجواب، في التجربة الشعريّة الطويلة التي عايش عواطفها المتناقضة، ولهذا الأسلوب طريقان، فالأول يمثّل الحيرة النفسيّة والثاني هو الصراع الذاتيّ وقد صوَّره الشاعر كما قلنا في سياق ثنائيّة متناقضة واضحة للعيان.
في المقطع الأوّل يداوم الشاعر وهو في صورة العاشق العربيّ التقليديّ على هذه الخشية، فبين خوف من اللقاء وأمل في اقترابه يعيش، ما بين استدنائه وبين الخوف من دنوّه، وها هو الحبيب يستجيب فتهلّ الفرحة، ولكنّ هذا الشعور بالفرح لا يقلّل من الصراع الذي يضطرب فيه، فيترنّح قلبه المتدفّق بالحبّ بين سعادة النعيم وبؤس الجحيم، فيذرف الدموع الحرّة الحارقة ويذوب عشقًا وانتظارًا، وما أصعب الانتظار وما أطيبه في الآن ذاته.   
ويحقّ للشاعر أن يفرح للقاء وأن يهابه، فحبيبته كما وصفها ومدحها في المقطع الثاني تستحقّ منه كلّ هذه التضحية والصراع والعناء، فهي جنّة الروح وصحبتي وجنوني، هي قِبلة الروح في صلاة الحبّ والانطلاق نحو الآفاق ونحو الشجون الحالمة، وهي معبد الصمت، وهو أجمل لغة بين العاشقين حينما يلتقون، وأنت الصلاة الصاخبة في روحي والسكون في أعماق نفسي. ومن ثمّ يتساءل الشاعر معبّرًا عن أمله بفيض الإشراق الذي سيضيء في نفسه غدًا، ويعود للتعبير عن فرحة حلمه وعن خوف ظنّه، فهو في صراع نفسيّ دائم، يعكس نفسًا مضطربةً في هدوء الفرح وفي ثورة الحزن.   
بعكس المقطع السابق الذي أكثر فيه من الخطاب "أنتِ" المكرّرة، فإنّه في هذا المقطع الثالث يكرّر الضمير "أنا" ممّا يعكس ذاته وأحاسيسها، ويبيّن أثر الحبيبة التي يناديها في هذه الذات المعذّبة، فتمتلأ نفسه بلحن قصيدته بالحنين إليها والدعاء بنجاح لقائها، فهي الرجاء والحلّ لطول العذاب الذي طال أن يتحقّق، هذه الحبيبة التي لولاها لما اكترث بأيّ شيْ ولا بأيّ رجاء أن يروح أو يجيء، وكلّ حياته الآن ترتكز على أمل واحد وحلم واحد سيعيشه حقيقة في الغد، ويكفيه أن يعيش الحلم، سواء أتت الحبيبة أو لم تأتِ، فهو يحبّها في كلّ الأحوال ويضع قلبه الولهان بين يديْها لتفعل به ما تريد، في حاليِ الحلم والواقع وحاليِ الغياب والحضور وحاليِ الألم والأمل.     
وفي المقطع الرابع تكتنف الشاعر وحالته العاطفيّة المتوتّرة بين خطاب الذات وخطاب الحبيبة، يكتنفها بعض الهدوء والسكينة، فيبدو وكأنّه أكثر ميلًا إلى الموضوعيّة، في تكراره لِ لعبارة "هذه الدنيا"، ولكنّ الدنيا كتاب أفكاره الحبيبة وليالٍ هي عمره وعيون نور بصره وسماءٌ الحبيبة فيها القمر المنير. وبناء على تلك الموضوعيّة يبدو أنّ الشاعر وبشكل وأسلوب منطقيٍّ يقدّم طلبه بفعل الأمر "فارحم" والرحمة تعني تعاليْ للقاء، فهناك قلب يصبو إليْك وإلى لقائك، وهذا القلب ستملكينه غدًا ليصبح بين يديْك، لتفعلي به ما تشائين، كما قال الشاعر في المقطع السابق.   
في المقطع الأخير يصوّر برومانسيّة عالية الطبيعة وعناصرها، وكيف سيأتلف غدًا في اللقاء بين هذه العناصر، سيكون اللقاء غدًا جنّة تجري أنهارها وظلًّا ظليلًا يرين على الحبيبيْن اللذيْن تاقا طويلًا لهذا اللقاء السرمديّ، في الغد لا عيش في الماضي الأليم، وسنعيش في واقع لا مكان فيه للغيب، سنعيش الحاضر بكلّ لحظاته الزاهرة النابضة بالحياة والدافقة بالحبّ، سنحيا في الحاضر ذاك، ولا شيء إلّا هو، رغم الاحتمال في أن يكون العيش بالغيب حلوًا، لكن بالتأكيد الحاضر الذي سنعيشه غدًا مع الحبيبة سيكون أحلى.        
القصيدة مقطعيّة من 28 بيتًا، مكوّنة من مطلع وخمسة مقاطع، قريبة في مبناها من مبنى الموشّح الأندلسيّ، وقد استخدم فيها الشاعر الكثير من الأساليب الفنّيّة والأنواع البيانيّة والبديعيّة، وكان من الطبيعيّ أن تطغى الطباقات والمقابلات فيها لأنّ الشاعر عاش صراعًا طافحًا بالتناقض والحالات النفسيّة المنطوية على التقلّب والحيرة ما بين واقع وحلم. ومن الأساليب الّتي عكست روح الشاعر وخوفه وإصراره في آن واحد التكرار، الذي تنوّعت أغراضه بين التأكيد والتفصيل والجرس الموسيقيّ. والاستفهام البلاغيّ استخدمه الشاعر للتعبير عن خطابه للذات والآخر ليبيّن صراع مع ذاته، مع ليله، مع حبيبته. ولعلّ التشبيه هو الآخر يبعث في الشاعر حنينًا إلى دنياه التي تشغلها حبيبته أكانت كتابًا يُقرأ أو لياليَ تُسهر أو عيونًا تبصر أو سماء يسطع قمرها.      
وأخيرًا تبقى قصيدة "أغداً ألقاك" ليست مجرّد كلمات وألحان بل هي تجربة إنسانيّة مكتملة تعبّر عن مشاعر الحبّ والشوق، وتظلّ شاهدة على عبقريّة الشاعر الهادي آدم وعظمة الملحّن محمّد عبد الوهاب وإبداع أمّ كلثوم وأدائها الذي لا يُنسى.
                                                                     
*الشّاعر علي هيبي الأمين العامّ للاتّحاد القطريّ للأدباء الفلسطينيّين