كنوز نت - بيروت في 7 أيلول/سبتمبر 2026

مرثية لبلاد لا تستطيع أن تحيا... ولا تعرف كيف تموت
جديد"دار نوفل": نوفيلا "سدف" للكاتب السوري فادي عزّام

 
صدرت حديثاً عن دار نوفل - هاشيت أنطوان، نوفيلا "سدف" للكاتب السوري فادي عزّام، وفيها يأخذنا الكاتب الى برزخ حيث يتخالط الحيّ مع الميت، والذاكرة مع الفراغ، والحياة بعد أن يتصمّغ الزمن، مبتكراَ لغة تسمح للراوي بالعبور الى الضفة الأخرى، هناك حيث يقرر الوعي ان يتشظّى لكي يحتمل الفاجعة. هذه رواية تبدو، للوهلة الأولى، أنها تشتغل بالمعلوم، ليجد من يدخلها نفسه متورطًا في تعلّم «لغة السهاد» كي يستطيع هو أيضاً العبور. هي مرثية وهجاء لبلاد تتفسخ؛ لا تستطيع أن تحيا، ولا تعرف كيف تموت.

وجاء في نبذة الناشر:
يستفيق راسم عبد الغني على جسد مشروخ وذاكرة ممزقة. لا اسم ينقذه من الفراغ، ولا ماضٍ يُلملم تشظيه، هو مجرد رقم خرج لتوّه من معتقلٍ ما فاقدًا ذاكرته. 
ثمة سيدة تعتني به ولكننا لا نعرفها. يحاول جاهدًا التعرف على شخصه السابق فيكتشف انه كان أستاذًا جامعيًا. يعود إلى الكلية فتطرده زميلة بحجة أنه من الخونة. في منزله يحتاج ذات مساء للمازوت فيدق باب جاره اللاجئ. يعطيه الجار مخطوطة غير موقعة سوى من قبل "شهيد سابق". المخطوطة مكتوبة بلغة غريبة عصية على الفهم. إنها "لغة السهاد" التي اخترعها الكاتب فادي عزام. هي لغة آتية من العالم الآخر، يسرد فيها الكاتب ما رآه هناك، ويتحدث فيها الشهداء عن قصصهم. 
في رحلته للبحث عن حقيقته، يكتشف راسم أن استعادة الذاكرة ليست نجاةً بالضرورة فأحيانًا يكون النسيانُ رحمة.

فادي عزّام – روائيّ وصحافيّ من السويداء، جنوب سورية. صدرت له روايات ونصوص تُرجمت إلى عدّة لغات، من أبرزها «سرمدة» و«بيت حُدد» اللتان وصلتا إلى القائمة الطويلة للجائزة العالميّة للرواية العربيّة. يعمل في الكتابة الثقافيّة وإنتاج البرامج والأفلام الوثائقيّة. سدُف هي روايته الثانية عن دار نوفل.


من أجواء نوفيلا "سدف":
سأحاول البوح بسر ما يعتمل داخل فراغ قبري الصغير.
في تلك المعركة التي (استشهدت، نفقت، مت، فقدت بها الحياة...) – كلها تسميات بلا قيمة الآن – يحاول الأحياء إطلاقها علينا، مرة لتكريمنا وجعل أحياء آخرين ينضمون إلينا، ومرة بنزعها عنا، ويسموننا قتلى أو يدمغوننا بتلك العبارة الغريبة: «لاقى مصرعه».
أنا الملاقي مصرعي: أتذكر الآن كيف انفجرت عبوة كبيرة أو قذيفة طائشة، محقت بعضا من جنود الأعداء، كنا قريبين منهم، ونهم بالاشتباك معهم بالسلاح الأبيض. كانت قذيفة لا نعرف مصدرها، سحقتنا معا، أنا وعدوي المتربص بي وبضعة رفاق. حين لملموا الرفات، ومن غير قصد، جلبوا جثة جندي من الأعداء، ووضعوه هنا، بعيدا عني ببضعة أمتار، تحت شاهدة لجندي من عندنا. بينما جثمان جندينا دفن هناك، في مقبرة شهداء (قتلى) الأعداء.
احتجنا إلى الكثير من الوقت لنفك لغز الشهيد (القتيل) العدو. فهو لا يتكلم، بالأحرى لا يتقن لغتنا. ولكن، مع الثبات المستمر، وبحكم الجيرة، بدأنا بتعاطي الحديث معه. ووصلنا إلى نفس النتيجة: إننا متنا شبه مجانا. وكل التكريمات التي حصلنا عليها لا تعدو كونها أشياء بلا قيمة.
اليوم، يحاول قتيلنا – أو شهيد العدو – التأنق، فهو صار يعتاد زيارة أهله الجدد. فعائلة الشهيد المرحل إلى مقبرة الأعداء لا تعرف أن في قبر ابنها جثة جندي ربما يكون قاتله أيضا. 
...
بعد سنوات من هذه الزيارات، جندي العدو المقبور معنا صار واحدا منا. لم نعد نفرقه، ولم نعد نريد الانتقام منه. وهو كذلك، أنا متأكد بأنه كذلك. صار يتمنى فقط أن يعود للحياة، ليخبر الأعداء أن يتوقفوا عن الحرب أيضا.