.png)
كنوز نت - حوار: علي الرباعي / شاعر وكاتب من المملكة العربيَّة السعوديَّة
نمر سعدي: الكتابة مهنة موبوءة.. ولا شاعر يحبُّ تفوق الآخر
"الجوائز الأدبية تصنع نجوماً شعريَّة وهميَّة"
"لا أؤمن بالخلافة الشعرية"
"الطبيعة الرعوية المحيطة أثّرت كثيراً في قراءاتي الأولى"
"أشعر وكأنني ما زلت شاعراً مغموراً وغير معروف عربياً"
حوار: علي الرباعي / شاعر وكاتب من المملكة العربيَّة السعوديَّة
لا أُبالغُ إن قلتُ إن الشاعر نمر سعدي شاعر إشراقات بالروح وبالمفردة وبالمعنى، وتشبه علاقته بفلسطين شجرة (الأوكالبتوس) التي تشتمُّ رائحة الماء من بُعد، فتتعقب الندى، وتتجذّر وتخضرّ، لتغدو في الصباحات مسرحاً لسمفونية العصافير، وبالليل ملاذاً لبلابل الحنين والشجن. له حظوة عربية كبيرة، كونه مسكوناً بنصِّه، ومفتوناً باقتناص اللحظات التي يُصغي فيها لصوته، وفي حوارنا شواهد على المقدمة، فإلى نصِّ الحوار..
* من أي قمةٍ أو سفحٍ أو وادٍ انفجرت عيون ومنابع الشعر الفلسطيني ؟
تستمد القصيدة الفلسطينية قوتها وخصوصيتها من منابع غنية تجمع بين المأساة التاريخية، والارتباط بالأرض، والانفتاح على الثقافة الإنسانية الممتدة.
للأرض والهوية (البيئة المحلية) والمفردات الطبيعية حضور دائم في قصائدي كما في سائر الشعر الفلسطيني، أيضا لعناصر الأرض مثل الزيتون، والبرتقال، والزعتر، والصبار. وتلعب الجغرافيا السحرية دورا مهما في شعري. ويأتي تخليد أسماء المدن والقرى (القدس، حيفا، يافا، الجليل) كرموز للهوية. ويبرز التراث الشعبي والفلكلور والأغاني والاتكاء على ألحان الزجل، والموال، والعتابا، والترويدات التراثية والحكايات الشعبية. واستدعاء القصص المأثورة والأمثال لتعزيز الارتباط بالجذور. وتتجلَّى المواسم عبر توظيف طقوس الحصاد ومواسم الفرح لتوثيق الوجود التاريخي.
وتحفل قصيدتي في مواضع كثيرة بالرموز الدينية واستلهام المقدَّس، وقصص الأنبياء والتاريخ العربي والإنساني واستحضار شخصيات تاريخية ورموز التضحية والبطولة. ويبرز استخدام الأسطورة في دمج الأساطير الكنعانية واليونانية (مثل تموز، وعناة، وطائر الفنيق) كرموز للبعث والولادة من جديد. ويتسم الشعر الفلسطيني بالنضال الأممي والإنساني والتأثر بحركات التحرر في فيتنام، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية. وتتجلى الكونية فيه من خلال تحويل القضية من شأن محلي إلى رمز إنساني عالمي للعدالة والحرية. ولا نغفل التثاقف والانفتاح الأدبي على الشعر العربي الحديث والتأثر بحركة التجديد والشعر الحر (بدر شاكر السياب، عبد الوهاب البياتي، نازك الملائكة). والتأثر بالأدب العالمي عبر ترجمة الآداب العالمية والتأثر بشعراء الحرية في العالم مثل (لوركا، بابلو نيرودا، وناظم حكمت)، حيث استطاع محمود درويش نقل القصيدة الفلسطينية إلى أفق عالمي.
* هل من تحقيب زمني لتجربتك الشعرية وللمراحل التي مرَّت بها بحيث يمكن للنقد أن يرى امتدادك التاريخي والجغرافي؟
تتلخص مراحل تجربة الشاعر الفلسطيني نمر سعدي الشعرية في رحلة صعود واعية ونضج فني مستمر، انتقل خلالها من البدايات التجريبية المباشرة إلى آفاق فلسفية ووجودية مركبة. يصف النقاد مسيرتي بأنها "انقلاب جمالي" متواصل، حيث يمثل كل ديوان مرحلة جديدة تتجاوز ما قبلها. يمكن تقسيم مسيرتي الشعرية الممتدة منذ أواخر التسعينيات إلى ثلاث مراحل أساسية:
1- مرحلة البدايات والتأسيس التجريبي (أواخر التسعينيات - 2005) وتميزت بالانطلاق الصحفي إذ بدأت كتاباتي تظهر للنور عبر نشر القصائد وبواكير أعمالي في الصحف المحلية مثل "الاتحاد"، الصادرة في حيفا و"كل العرب"، و"الأخبار" الصادرتين في الناصرة. من أهم ميزات هذه المرحلة التشكل الجمالي والشعري إذ تميزت هذه الفترة بالبحث عن البصمة الشخصية والهوية الشعرية الخاصة وصقل الأدوات الفنية.
وشكل ديواني الأول حدثا شخصيا وشعريا مهما بالنسبة لي فقد توجت هذه المرحلة بإصدار ديواني "عذابات وضاح آخر" عام 2005، والذي شكل خطوة تجريبية أولى في المشهد الشعري.
2- مرحلة اتساع الرؤية والتمكين الفني (2006 - 2020): شهدت هذه المرحلة غزارة إنتاجية وتنوعاً في الطرح عبر إصدار دواوين متتابعة مثل "كأني سواي"، "موسيقى مرئية"، و"يوتوبيا أنثى".
وتميزت هذه المرحلة بثنائية المرأة والوطن إذ اتسعت الرؤية الشعرية وتعمقت الجماليات، حيث تحولت "الأنثى" في نصوصي إلى رمز وقناع يخفي خلفه قضية الوطن وفلسطين. أيضا اشتغلت على الانضباط المعماري الصارم داخل القصيدة التفعيلية. فبرز اهتمامي بالهندسة الداخلية الصارمة للقصيدة، مستخدماً الأوزان الخليلية كشعر التفعيلة جنباً إلى جنب مع مرونة قصيدة النثر.
3-مرحلة النضج الفلسفي والعمق الوجودي وبدايات التأمل (ما بعد 2020) تمثلت هذه المرحلة في دواوين مثل "وصايا العاشق"، و"نساءٌ يرتبن فوضى النهار"، و"ساعي بريد اللهفة"، و"سراب التباريح". ابتعدت في هذه المرحلة تماماً عن التعبير اليومي المباشر، متجهاً نحو الرمزية والميتافيزيقا. وتحولت العاطفة الغرامية واللوعة (التباريح) إلى تساؤلات وجودية تبحث في الغياب والفناء والمعنى. من خلال الانفتاح على المكتبة الكونية والتناص الإنساني. أصبح نصي يتجاوز المحلية إلى الفضاء الإنساني الشامل عبر استدعاء وتوظيف أقنعة تاريخية وأسطورية ورموز عالمية (مثل الحلاج، لوركا، كافكا، ورامبو) للتعبير عن اغتراب الذات. وتشكل فيها مساري بالتحول نحو تكثيف الغموض الفني الواعي، وتقديم لغة وجدانية سائلة تدمج بين مآسي الواقع المعاصر وأصالة التراث، كما ظهر في ديواني "ظلال مضاعفة بالعناقا ت" (2024).
* ما رأيك بمقولة و نظرية الآباء الشعريين ومن هم آباؤك؟
الآباء الشعريون الأبرز الذين قادوني إلى عالم الشعر وتأثرت بتجاربهم هم المتنبي، وأبو تمام، وأحمد شوقي والجواهري وعبد الوهاب البياتي والسياب ومحمود درويش.
أبو الطيب المتنبي "مجرة شعرية هائلة" العبقرية الأولى التي قادتني واجتذبتني إلى كتابة الشعر.
أبو تمام أحد الركائز الكبرى والآباء الملهمين لقصيدتي.
أحمد شوقي الشاعر الأول في عصر النهضة الذي تأثرت به وانفتحت على عبقريته الشعرية.
الجواهري شاعر مذهل ولن يأتي مثله حتى بعد ألف عام.
السياب أيقونتي الشعريَّة وأحد أهم آبي الشعريين ضمن رواد الحداثة الشعرية العربية الذين شكلوا المرجعية الفنية للجيل الجديد من الشعراء العرب، وعبد الوهاب البياتي شاعر متنوع وفذ تأثرت به بشكل مباشر في بداياتي الشعرية، لا سيما في ديوان "عذابات وضاح آخر" (2005) الذي استلهم بناءه وقصائده المقطوعة من ديوان البياتي الأخير "نصوص شرقية".
وأضيف أن الشاعر السعودي الراحل علي الدميني هو "أحد أجمل آبائي الشعريين".
تأثرت بتجربته الشعرية وبصوته النقي منذ قراءتي لشهادته "لستُ وصيَّاً على أحد" عام 2001، ووصفته حينها بأنه من الأفذاذ الذين احتفظت قصائدهم بالجمال الصرف والمجاز الصافي.
محمود درويش شاعر فذ بكل المقاييس ولن يتكرَّر. وأنا أنتمي إليه بصفته الأب الروحي الأبرز لقصيدة الجمال والحب والحنين واللهفة وحب الوطن والقصيدة الفلسطينية الحديثة.
الآباء الشعريون من التراث (الموروث الكلاسيكي) تأثرت منذ صغري بالتراث العربي القديم، واعتبرت رموزه آباءً لثقافتي اللغوية والشعرية
ولا أغفل شعراء المعلقات فقد حيث قرأت الشعر الجاهلي في سن الرابعة عشرة واعتبره أغنى ما أنجز العرب. وقرأت شعراء العصر العباسي وأحببتهم مثل أبو نواس، البحتري، أبو تمام، وبشار بن برد.
وفي قصائدي أقنعة ومؤثرات أخرى إذ تمتد مرجعياتي لتتقاطع مع رموز كلاسيكية وغربية؛ حيث أستعير أحياناً عباءة امرئ القيس والسندباد، بجانب تأثري بقلق شعراء الغرب مثل فرناندو بيسوا، وأرتور رمبو، وبودلير وبناء المقاطع الدرامية عند شكسبير.
* متى استشعرت نواة قصيدتك في داخلك، ومن رعى النبتة لتغدو حقلا؟
في طفولتي، الطبيعة كانت كتابي المفتوح، ديواني الشعري الأوَّل، مزاميري الأرضية والسماوية. قرأت عشرات الدواوين الشعريَّة بين أحضانها مدفوعا بحنين رعوي طفولي. عرفتُ المتنبي وأبا تمَّام في صيف عام 1989. بعض الكتب كنت أصورها وأحمل رزما من الأوراق وأنتبذ جهة ما في البريَّة الخضراء التي تحيط قريتي. أتحدَّث عن بدايات التسعينيَّات. قرأت أحمد شوقي المذهل بهذه الطريقة، طريقة تصوير الدواوين والكتب التي أستعيرها من المكتبات العامة والمدرسية. أرعى الغيم المنخفض وقطيعاً من المعاني والدلالات والمجازات والانزياحات، قارئاً "مصرع كليوبترا" و "مجنون ليلى" و "قمبيز" و "معلَّقة الشنفرى" والشعراء الجاهليِّين والصعاليك والأدب الأموي والعباسي وبعض الأدب الأندلسي والشعر العربي الحديث وبعض روايات جرجي زيدان وسيرة عنترة بن شدَّاد. قصاصات الأوراق كانت تتناثر بين الشيح والسرِّيس وأشجار البطم والعبهر والزعرور والسنديان على امتداد الجبال الخضراء وسهول القمح الذهبيَّة في الجليل الأسفل، حيث يمتدُّ "وادي الشعير" كسماء نائمةٍ على عدَّة كيلو مترات حتى وصوله إلى نهر صفوريَّة في غابة شفاعمرو يحفُّه من الغرب "جبل الخشاش" نسبة لبيوت الصفيح التي كانت تغطِّيه في فترة سابقة .
هل بدأتُ شاعراً رعويَّا؟ أغلبُ الظن أن الطبيعة الرعويَّة المحيطة أثرَّت كثيرا على قراءاتي الأولى. وأتذكَّر أن أَّول قصيدة كتبتها كانت عن الطبيعةِ أو تجليَّاتها في الحبِّ أو المعشوقة أو في تمجيد الحنين واللهفة.
* إصدارك الأول (عذابات وضاح آخر) رأى النور في ٢٠٠٥ ألا ترى أنه سبق وقته؟
قبل هذا الديوان كتبت كثيرا من الدواوين ربما سبعة أو أكثر على مدار عشر سنوات.. ولكني احتفظت بالقليل وأتلفت أغلب قصائد مرحلة ما قبل هذا الديوان لضعفها وتقليديتها. ديوان "نقوش على جناح نورسة زرقاء" وديوان "أزهار أولى" كتبتهما قبل "عذابات وضاح آخر" الذي كان عنوانه من قبل "حدائق سريالية لوضاح اليمن".
* لمن أهديتَ العمل الأول؟
لا اتذكَّر أنني أهديته لأحد.. كإهداء مضمر.. ربما أهديته لنفسي.
كانت مجموعة من القصائد المتشابكة والتي تؤلف قصيدة طويلة كنت متأثرا بكتابتها بالمطوَّلات المرقمَّة، وبديوان الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي "نصوص شرقيَّة"، وببعض دواوين وقصائد الشاعر اللبناني المبدع محمد علي شمس الدين.
أصدرت "عذابات وضَّاح آخر" مع ديوان حمل عنوان "يوتوبيا أنثى" عام 2005 في مطبعة فينوس في الناصرة بطبعة محدودة النسخ –حوالي 350 نسخة لكل ديوان- ومتواضعة الغلاف. كان "يوتوبيا أنثى" أنضج وأعمق وأكثف شعريَّا، فيه اختلاف واضح وتحليق شعري، وتذويب لقراءات متنوعة وتجارب شعرية كثيرة مترجمة وغير مترجمة عربية وأجنبية لا يتسع المجال لذكرها. حتى أنني تأثرت ببعض ومضاته بشعر الهايكو الياباني. "العذابات" لم يكن ديواني الأول، ولا "اليويتوبيا" كان ديواني الثاني. كنت أكتب شعرا كثيرا ولكنه ضعيف بشكل عام منذ بداية التسعينيات، فيما بعد أهملت أكثر شعر الصبا وبدَّدته لأنه لم يكن خاضعا لقواعد النحو والصرف كما يجب، ثمَّة بعض الدواوين والإرهاصات الشعريَّة التي سبقت "عذابات وضَّاح آخر" ولكنها لم تخرج إلى النور، "عذابات وضَّاح آخر" كان عبارة عن تجربة تأثرت فيها إلى حد ما بديوان البيَّاتي الأخير "نصوص شرقيَّة"، كتبته على شكل قصيدة طويلة مكونة من قصائد صغيرة ومقطوعات مرقَّمة على أوزان وبحور شتَّى تحيل إلى طريقة بعض الشعراء الانجليز ومنهم شكسبير، وصف الشاعر الفلسطيني النصراوي الكبير طه محمد علي الديوان في حديث بيننا بعد إهدائي الديوان له بأنه يحمل أنفاس كاتبه وفيه بصمة شخصية مهمَّة جدا، طه لم يكن يجاملني أبدا وقد قالها لي أكثر من مرة. هذا الديوان لفت نظر الشاعر سميح القاسم والكاتب القصصي والروائي سهيل كيوان فكتب عنه وعن ديوان أتى بعده بعنوان "يوتوبيا أنثى" مقالا نقديا في مطلع يوليو عام 2005 في الملحق الثقافي لصحيفة كل العرب الصادرة في الناصرة. بدأت كتابة هذا الديوان في أيار عام 2002 وانتهيت من هذا الديوان في حزيران 2003، ربما يشكِّل نقطة مفصلية في تجربتي ولكنه ليس ديواني الأوَّل على أية حال.. قبله كان بحوزتي ديوان بعنوان "نقوش على جناح نوسة زرقاء" كتبته في عام ألفين أو قبله بقليل. بالإضافة لديوان "أزهار أولى" وهو ما نشرته من قصائد في صحيفة الاتحاد الحيفاويَّة في عام 1999ولمعاناتي في تلك الفترة من صعوبة النشر تأخر صدورههما إلى عام 2009 ضمن ديواني الشعري "كأني سواي" الصادر في حيفا عن دار الوادي للطباعة والنشر. بدعم من وزارة الثقافة ومركز الكتب والمكتبات.
تجدر الإشارة إلى أن ديوان "عذابات وضَّاح آخر" وديوان "يوتوبيا أنثى" صدرا فيما بعد بشكل يليق بهما ضمن كتاب شعري ضم 4 دواوين صغيرة وحمل عنوان "يوتوبيا أنثى" صدر عن دار أوغاريت للنشر والترجمة في رام الله عام 2010 بطبعة منقحَّة وأنيقة بدعم من وزارة الثقافة الفلسطينية ومن الصديق العزيز والكاتب الروائي الفلسطيني المبدع وليد أبو بكر.
* يبدو أنك عقب المجموعة الأولى اعتمدت التقنين، عقب ثلاثة أعوام أصدرت موسيقى مرئية ؛ لماذا كل هذا الانتظار برغم أن عملك كاتب وشاعر؟
* ألا ترى أنك محظوظ على مستوى النشر والانتشار عربيّاً و كذلك العناية بتجربتك نقدياً؟
ربما.. ولكني أشعر وكأنني ما زلت شاعرا مغمورا وغير معروف عربيا وحتى في داخل فلسطين. لست نجما مشعا على المنصات الأدبية ولكن منذ سنوات عديدة تربطني صداقات بشعراء عرب كبار وكتَّاب وروائيين محترفين ومتألقين كعلي الدميني وحسن الزهراني وجمال الغيطاني ومحمد علي شمس الدين وسميح القاسم ونزيه خير وطه محمد علي وحسين مهنا وأحمد حسين وجميل داري وجميل الدويهي وغيرهم.
* إلام تُرجع هذه العناية؟
إلى محبة الشعراء والنقاد العرب الكبار والحقيقيين لتجربتي المتواضعة.. وأنا مدين لهذا الحب بالكثير..
* ماذا عن مشروعك في الكتابة وهل زمَّنته؟
يقوم مشروعي الشعري على المزاوجة الفنية الفريدة والتعددية الجمالية بين ثلاثة أشكال شعرية هي: القصيدة العمودية، شعر التفعيلة، وقصيدة النثر. ويتسم بالانتقال الوجداني من "منفى داخلي" يعكس مأساة الداخل الفلسطيني، متكئاً على "مكتبة كونية" من الرموز الأسطورية والتناص الصوفي والتراثي. ويمكن تزمين وتتبع محطات هذا المشروع الشعري (الذي أثمر حتى الآن أكثر من ثلاثة عشر ديواناً شعرياً) عبر المراحل الزمنية التالية:
1. مرحلة التأسيس والتشكُّل المفصلي (2002 - 2008)البدايات والتأثر بالرواد: بدأت ملامح مشروعه تتبلور بوعي حاد عبر المزاوجة بين الأوزان الخليلية والتفعيلة. ديوان "عذابات وضاح آخر" (2002 - 2003): كُتب بين مايُو 2002 وحزيران 2003. ويُعد نقطة مفصلية تأثر فيها الشاعر بديوان عبد الوهاب البياتي "نصوص شرقية" وكتبه على شكل قصيدة طويلة مرقمة.ديوان "موسيقى مرئية" (2008): صدر عن مؤسسة مجلة "مواقف"، وجاء بالتزامن مع نيله جائزة الشعر التشجيعية (2008) وتكريمه من مؤسسة الأسوار في عكا (2007).
2. مرحلة النضج وتوسيع الأشكال (2009 - 2022)تنوع الدواوين: شهدت هذه المرحلة غزارة إنتاجية كرسّت هويته كشاعر ملم بأسرار اللغة العربية وعميق التصوير.
أبرز الإصدارات: برزت دواوين مثل "يوتوبيا أنثى" و"سراب التباريح" وديوان "بيتٌ لغيمِ النوارس".الملامح الفنية: تعمّق في هذه المرحلة توظيف الرموز التاريخية مثل "امرئ القيس" و"السندباد"، والانحياز لشعر التفعيلة مع تجريب مرن في قصيدة النثر.
3. مرحلة الاكتمال والرؤيا الفلسفية (2023 - 2026)ديوان "ساعي بريد اللهفة" (2023 - 2025): كُتبت قصائده الـ 45 خلال هذه الفترة وصدر لاحقاً.
يُمثل الديوان خلاصة مرحلة شعرية ناضجة تستند إلى ذاكرة ثقافية واسعة وتجربة وجدانية متقدة.فلسفة الزمن والتناص: يبدأ الديوان بمدخل يتناص مع أبي تمام ليطرح إطاراً فلسفياً يعتبر فيه "الزمن" حركة دائرية من الفقد والاكتمال وليس خطاً مستقيماً.
الراهن الشعري (2026): يستمر الشاعر في نشر نصوصه التي تتقاطع فيها الرؤى الصوفية باللغة العاطفية المتدفقة، مع الحفاظ على هندسة داخلية صارمة للقصيدة تتأرجح بين التوهج الوجداني والانضباط البنائي.
* ما رأيك بانحياز الشاعر سياسياً ؛ وكيف ترى تأثير الأدلجة على الفنّ؟
لست شاعرا سياسيا أبدا والسياسة لا تهمني في الكتابة.. كذلك قصيدتي بعيدة عن الأيديولوجيا.
* كيف نجوت من شروط الأدلجة والتسييس؛ أم أنك لم تنجو؟
أنا أكتب خوالج نفسي ولا أخضع لأفكار مسبقة.. قصيدتي هي أنا وأنا هي قصيدتي.
* هل يعد الانتماء لفكرة أو نظريَّة أو حزب امتيازاً للشعراء؟
لا أعتقد.. ربما...
يبقى الصدق الفني هو رأس مال الشاعر.
* ماذا عن الكتابة في ظل شروط المكان؟
هناك أمكنة أرتاح لها وتتفتح فيها قريحتي الشعرية وأستعيد ذاكرتي الجمالية حتى لو كانت وسط الضجيج والزحام.. وأمكنة لا أستطيع الكتابة فيها حتى ولو حرفا واحدا... ولا أعرف السبب.
* من خلَف محمود درويش شعريّاً؟
عندما مات نزار قباني سأل صحفي عريق الشاعر الصديق سميح القاسم في حوار تلفزيوني.. من خليفة نزار قباني؟ أجاب سميح: لا خلافة في الشعر.. أنا خليفة نفسي.. أعجبني قول سميح حينذاك، ومنذ تلك اللحظة وأنا أتبنَّى مقولة سميح.
لا أؤمن بمسألة الخلافة الشعريَّة. أنا شاعر لا أشبه غيري من الشعراء وإن اتهمني آخرون بتقمص نبرة هذا الشاعر أو ذاك. لدينا محمود درويش واحد أسس لمدرسة شعرية عربية وعالمية، مخلفاً وراءه إرثاً ضخماً وتأثيراً امتد عبر أجيال من الشعراء. ورغم عدم وجود "خليفة" واحد متوج، إلا أن مدرسة درويش الشعرية واللغوية أثرت في مسار الشعر العربي الحديث، واستلهم نهجَه العديد من الشعراء البارزين. برأيي ليس هناك شاعر أو كاتب يحبُّ تفوق الآخر وإن أبدى عكس ذلك.. فهذه المهنة موبوءة ومحفوفة بالغيرة والمكائد والدسائس والنميمة والرياء. والأنا المتضخمة عند البعض تظن أن نجاح أي شاعر أو كاتب إبداعيا وانطلاقه في العالم العربي إنما هو تهديد لوجودهم الشعري، بينما الفضاءات واسعة وتتسع للجميع.. وأنا حتى في قريتي الصغيرة في الجليل غير معروف كشاعر إلا عند طبقة المثقفين الذين لا يشكلون سوى واحد أو اثنين بالمئة.
كنت كلما فكرت بمسألة ترك الشعر تدهمني فكرة بماذا سأشغل روحي؟ حتى محاولات البحث عن الحب في هذا الزمن محكومة بالفشل والإخفاق. حتى المرأة تحولت لكائن مادي بارد.. محايد كزهرة اصطناعية.. المتنبي شاعر حكيم وقد صدق في كل ما قاله عن البشر وطباعهم.
* ما أثر التمترس وراء القضية في سبيل تسويق الشعريَّة؟
القيمة الجمالية للشاعر هي ما يبقى في النهاية حتى لو تمترست القصيدة خلف ألف قضية وقناع.
* ما تقييمك للشعر العربي اليوم وما الذي أضافته أو أضفته المسابقات والجوائز عليه وإليه ؟
يشهد الشعر العربي اليوم حالة من الحيوية والتطور المستمر، حيث يتأرجح بين الحفاظ على الأصالة والاندفاع نحو الحداثة، بينما تلعب الجوائز الأدبية دوراً محورياً في توجيهه وتشكيل مشهده.
يتعايش ويتجاور الشعر العمودي، وشعر التفعيلة، وقصيدة النثر جنباً إلى جنب في المشهد الحالي عبر الانفتاح على اليومي وتراجع الخطاب الخطابي الجماعي لصالح الذاتي، واليومي، والتفاصيل الإنسانية البسيطة وعبر الرقمية والانتشار فقد أسهمت منصات التواصل الاجتماعي في خلق جيل جديد من الشعراء، وكسرت احتكار منابر النشر التقليدية، رغم وجود أزمة تلقي ورغم كثرة الإنتاج الشعري، إلا أن هناك فجوة وتراجعاً في الإقبال على دواوين الشعر مقارنة بالرواية.
تمثل الجوائز الأدبية (مثل: جائزة الأمير عبد الله الفيصل، أمير الشعراء، جائزة الشيخ زايد، وغيرها) محركاً أساسياً للمشهد، ولها تأثيرات مزدوجة:
التأثيرات الإيجابية (المكاسب)الدعم المالي: توفر استقراراً مادياً للشعراء يساعدهم على التفرغ للإبداع.
الضوء الإعلامي: تخرج الشاعر من العزلة وتسلط عليه الأضواء والاهتمام النقدي. تنشيط الحركة النقدية: تدفع الجوائز النقاد والمؤسسات إلى قراءة ومراجعة النتاج الشعري المعاصر.
إعادة الاعتبار للشعر: تساهم في إبقاء الشعر حاضراً في الوعي الثقافي العربي أمام طغيان الرواية.
التأثيرات السلبية (المخاوف) الكتابة على مقاس اللجان: يقع بعض الشعراء في فخ تلبية ذائقة لجان التحكيم للفوز، مما يضعف العفوية والتجريب.
النمطية والتكرار: قد تشجع الجوائز على إعادة إنتاج قوالب شعرية معينة (خاصة العمودية والتفعيلة) على حساب قصيدة النثر.
صناعة نجومية وهمية: أحياناً تخدم الجوائز آليات الإعلام أكثر من القيمة الفنية الحقيقية للنص.
* ما مدى قبولك لفكرة ترجمة النصوص الفلسطينية إلى العبريّة؟
فكرة جميلة ورائعة تفتح لأدبنا النوافذ على عوالم جديدة.
* لماذا يزايد بعض الكُتّاب والشعراء بمواقفهم على إخوتهم في الأراضي المُحتلة؟
تمثلت ظاهرة المزايدات بين الكتاب والشعراء الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني في صراع النقاوة الثورية، تفاوت المواقف السياسية، والتنافس على تمثيل صوت الوجدان الجمعي. وترجع جذور التنافس وظاهرة المزايدة إلى ضرورة تحويل النص الأدبي إلى معيار للالتزام الحزبي أو الوطني.
ويبرز تباين الانتماءات في الصراع الخفي أو المعلن بين شعراء الداخل المرتبطين بمرجعيات مختلفة وشعراء الشتات. واتهام بعض المبدعين بالمهادنة أو اللين في الخطاب الشعري نظراً لظروف العيش المباشر في الداخل الفلسطيني.
ومن تجليات المزايدات في المشهد الثقافي نلمح المعيار الأيديولوجي واتهام القصيدة الحديثة أو الرمزية بالابتعاد عن هموم الناس لصالح الشكل الفني أو الجمالي. ويمارس البعض سلطة النقد الحاد في استخدام المنابر الصحفية والأدبية لتسفيه تجارب الزملاء من باقي المبدعين واعتبارها أقل قيمة في مناخ تنافس حاد على أحقية نيل لقب "شاعر الحريَّة والوطن" أو "المتحدث باسم الأرض".
***



14/08/2026 10:03 pm 16
.jpg)
.jpg)