كنوز نت - حمود ولد سليمان | غيم الصحراء 


عن سادن الحرف والمخطوطة الأولى والزمن اليكسومي 
  • حمود ولد سليمان  | غيم الصحراء 

إهداء / 
إلي أمي والصحراء ،وإلى الذي آلي على نفسه أن يحرر الأسري 
من اليكسوميين / حمود ولد سليمان / غيم الصحراء

سادن الحرف /
عمي الطاهر وطار 

لا أحب سوي الرجوع إلي حياتي 
كي تكون نهايتي سردية لبدايتي / 
محمود درويش / لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي / 

1/ 
كان الوقت صباحا ، وكان النهار صافيا وكانت الشمس تشرق علي أعالي الجزائر البيضاء ، علي ساحة موريس أودان تنسدل أشعتها مزورة علي مكتبة إبن خلدون فيتراقص ويلمع زجاجها ومن وراءه تتراءي الكتب تحدق في المارة . كان الحمام يطير في الاعالي .ثم يمضي جهة البحر، والخليقة تسير مسرعة علي اقدامها ودواليبها كأنها في سباق.الجزائر منذ ساعة نهضت من نومها .أصوات السيارات تلتطم في الشارع .وتغيب مدلهمة .داخلة في النفق..تتراكض الأقدام في الزحمة هنا وهناك محاذرة ان تنزلق عن الرصيف أو تزل او تعترض سبيل سيارة مسرعة تريد ان تعبر الزحام ، المصابيح الصفراء لم تنطفئ بعد ما تزال تعكس نورها علي الأسفلت المبلل .، صفارات شرطي المرور تصم الآذان . في الزحمة يتواري كل شيء ، أدخل في ظلال النفق المحاذي للجامعة ، ولاازال أسمع الصفارات قريبا مني وبين الفينة والأخرى تمرقربي دراجات نارية كالبرق .
يا إلهي 
ما الذي يعج بقلب هذه المدينة الكبري؟ ، أخطو وتتعثر خطاي بالمارة ، تلامسني الاكتاف والايدي ،أمسكها وتمسكني كلما اصطدمنا معتذرا " خويا ،السماح " لست أدري ما الذي يعج بقلب هذه المدينة وأني لي أن اعرف سر الناموس الذي يجعل هؤلاء البشر يسرعون .كل في طريقه إلي غاية لايدري هل يدركها أم لا .واني لي أن أعرفها انا الذي لا أعرف طريقي، كنت أسيروأنا أحت عني هواء حيدرة وسط . في قلب الجزائر وفي ارقي شارع فيها ديدوش مراد .ألتفت يمنة ويسرة .في محلات راقية ،انظرفي بذلات أنيقة جميلة ،وعطور باريسية راقية ليست لمثلي ، أمني النفس بها ، واقول الدنيا مني واحلام ، واسرح في البعيد وأعود إلي الحي الجامعي حيدرة وسط أفكر فيما سيكون الفطور، هل سيكون الدجاج ام زيت الزيتون ، وهل سيأتيني رفيقي الأمين الهمال الذي يشاطرني الغرفة الضيقة بأصدقائه فيزعجني . انظر وأغض بصري ،يا إلهي ،حسناوات ديدوش مراد يتغنجن عليهن من كل مزركش وشفاف وقصير وطويل . ابيض واسود واحمر واصفر . عليهن دل الناعم 
،وفيهن ملهي للصديق ومنظر أنيق 
لعين الناظر المتوسم 
أسير وعلي ظهري حقيبتي السوداء أسأل عن الجاحظية . 
خطوات قريبة وتصلها قال لي احد المارة واومأ لي أهبط من هناك . من ديدوش مراد هبطت   
انا الهابط من زمن سحيق من المنكب البرزخي مأخوذا بفتنة السامري وكهنة ااصحراء والحرب التي تدور رحاها بين القبائل المتناحرة علي الاوهام ها أنا أنحدر من الاعالي .ملتصقا بالجدران اتوكأ علي حديد السلالم ،خشية أن ازل ، انظر في ماتحتي وحولي .علي الشرفات ثياب مبعثرة .عجائز تطل من المباني وتلتقي بنظراتي . ترمقني ثم تتواري .والعصافير تزقزق علي شجيرات نبتت في المنحدر، ها انا في شارع رضا حوحو الطائر المهاجر الذي شردته المنافي .وعاش في الظلال ومات في ظروف غامضة ،أمامي سوق شعبي .يعج برائحة الاسماك والمعدنوس والبقول ،أحس الروائح تفغم أنفي ، والذباب يتطاير من حولي ،قريبا مني حوانيت لمصنوعات تقليدية بدات تعرض بضاعتها . 
أمامي علي مبني قديم لافتة منقوشة علي الحديد كتب عليها بخط كبير الجاحظية ،هاهي الجاحظية ،مكان يخيل للمرء أنه بعيد من الجزائر .لاتربطه بها رابطة رغم انه في وسطها ، الجاحظية منزوية في ركن قصي .والشارع الذي تقع عليه ضيق يتفرع عن السوق الشعبي ويتلاقي مع الشارع الكبير حسيبه بن بوعلي . ومن الجهة الاخرى نهج مسلم بو خالفة ،استقبلني الطاهر وطار رحمة الله عليه .وأدخلني في قاعة استقبال الجاحظية ،كان يجلس وحده وحوله كتب ومجلات ، وبدانا في حديث تعارف وكان يحدق في ويبتسم كأنه يعصر ذاكرته ليستحضر موقفا اوصورة مرت عليه ،وهو ينظر في قائلا اين رأيتك هذا الوجه ليس غريبا علي ؟ كانت المرة الاولي التي التقي فيها بالطاهر ،لم أر الطاهر وطار في حياتي من قبل ، مع ذالك أعرفه كاتبا وقد قرأت له في سني الاولي في جامعة انواكشوط روايته اللاز وبعضا من اقاصيصه "دخان من قلبي "
الطاهر وطار او عمي الطاهر كما يسمونه في الجزائر تحببا كان ذالك اليوم يرتدي نظارات صغيرة دائرية وعلي رأسه قبعة .مثل تلك التي يقولون عنها قبعة الشيوعيين ،و كان يلبس كنزة صفراء و سروال رمادي . يبتسم ممسكا بسيجارة وفي فمه وعلي اسنانه آثار التبغ قد رسمت خطوطا صفراء، يبدو طيبا مرحا ، لايكف عن التدخين .و كان يسألني عندكم في موريطانيا سمك كثير من أجود انواع السمك وينطق التاء طاءا كنطق اخوتنا في الجزائر فأجيبه عندنا محيط أطلسي يعج بالخيرات ولكن كثيرا منها يذهب إلي أمم شتي منها الصين واليابان وأخري وبعضها يأكله بعض مسؤولينا ، والبعض الآخر الله اعلم بما يصير إليه .والبقية القليلة الرديئة ترمي للشعب المسكين  
.وكنت أتطلع في ما حوالي وانظر في عبارة مكتوبة بحرف كبير " لا إكراه في الراي " شعار الجاحظية .وخطر لي ان اسأل الطاهر عن شعار الجاحظية هل هو تأثر بالآية الكريمة " لا إكراه في الدين " ثم عدلت عن ذالك ، بقينا ساعة طويلة ونحن نتحدث والطاهر يسألني .ومما سألني عنه سبب تسمية انواكشوط قال لي : 
اوتدري لم اشتقت هذه التسمية ؟ واردف هذه الكلمة بحثت عنها ولم اعثر لها علي معني واحد ، قلت لست ادري انا لست متخصصا في التاريخ ،ولم ابحث في الامر ،سمعت عند الناس انه كانت هناك نياق سارحة علي الشط وسمي المكان بنواكشوط نسبة لذالك وركبت الكلمة نواق والشط وادغمت وصارت نواكشوط وبعضهم يقول لها نياق الشط او نوق الشط والله اعلم 
.ورد الطاهر .أنتم العرب تحرفون كل شيء ،وتعربونه ،ثم تبسم قائلا لا انا اعتقد ان هذه الكلمة امازيغية من كلام الامازيغ . ولم اجادله وظللت انصت له ، ليس غريبا ما يقوله وطار الامازيغ والعرب تمازجوا في ارضي وتصاهروا ولايستبعد أن تكون الكثير من المسميات اصولها امازيغية محرفة او عربية محرفة ، وابتعدنا عن النوق والشط لم ننجرف في نقاشات الهوية التي يكثر فيها الإستعراض والإمتلاء الواهم بالذات ، اخذنا الحديث إلي مدارات ارحب واحب إلي نفسي سألني هل قرأت لي شيىا قلت نعم قرات لك اللاز وبعضا من قصصك وبعضا من كتابك تجربة في العشق ولم اكمله فأردف كيف وجدته قلت له غامضا ولم انسجم معه وتركته .فضحك وقال حسنا 
من هو كاتبك الجزائري 
 قلت : عبد الحميد بن هدوقة فنظر إلي وقال عبد الحميد بن هدوقة ، قلت نعم كاتب ريح الجنوب .وكنت قد تعرفت علي بن هدوقة في سبها وقرأت روايته وهي عندي من الروايات الرائعة .تعجبني في أسلوبها والمكان / القرية الذي تدور فيه أحداثها والذي يشبه كثيرا قريتي ، والذي يجعلني كلما قرأتها أشعر بالحنين ويعود بي الزمن إلي القرية، فقال الطاهر " امليح " .وشرد عني .لست ادري ماذا اصابه أحسست كأنه سرح في عالم آخر بعيد ، وظل يردد مسكين مسكين . وفجاة انتفض كالطائر الذي فتح عنه قفص كان ياسره وغاب عني ثم عاد يقول ماذا تشرب ياعزيزي قهوة ام شاي قلت له شايا وجاءني به ، وظل يمشي ويجي ثم قال تعال هنا اريك الجاحظية وبدأ يشرح لي هذا مقهي الجاحظية كما تري وكان به محضرة للقهوة وتنبعث منه رائحة القهوة .وبه بعض الفناجين ووعاء به شاي اصفر ، ثم أراني مرسم الجاحظية وكانت في وسطه لوحة كبيرة ولوحات طبيعية تزين الجدران واخري زيتية ، وفي الطرف الآخر في الخلف مطبعة الجاحظية  
وكان الطاهر يشرح لي هذه مطبعتنا وهذه مطبوعاتنا مشيرا 
إلي أكوام مكدسة من المجلات التي تصدرها الجاحظية التبيين والقصيدة و منشورات الجاحظية ،كان سعيدا ومزهوا بنفسه وهو يدخن مردفا الجاحظية جمعيتكم جميعا ..مرحبا بك في اي وقت ايها العزيز ،
 وكنت اتفحص منشورات الجاحظية .كتب كثيرة مبعثرة قد علاها الغبار، تناولت احدها ، فأمسكه الطاهر من يدي وقال اتعرف هذا الشاعر قلت لا .وسرح مرة اخري وظل صامتا لدقائق ثم تنهد وحبس دمعة من عينيه ،وظل يغمغم يوسف سبتي يوسف سبتي .وكان الكتاب ديوان شعر / الجحيم والجنون  
 .ولما ههمت بالإنصراف . اخذ وطار اعدادا من مجلة التبين والقصيدة وديوان يوسف سبتي واهداني الجميع وكتب اهداءه علي مجلة القصيدة ،بخط سيء متعرج شبيه بكتابة الأطفال الذين لايزالون يتعلمون الخط .نسيت ذالك النهار ماجئت من أجله وودعت الطاهر ووعدته أن ازوره مرة اخري .ولم اقل له اني جئت لنشر كتيب عنده .نسيت كل شيء في غمرة اللقاء . 
توالت زياراتي بعد ذالك إلي للجاحظية وأصبحت أمر عليها كلما جئت للجامعة ،فألقي وطار جالسا في مكتبه أو امامها ،وأخبرت الطاهر ان لدي كتيبا .ارغب بنشره عنده واعطيته مخطوطته .ووعدني بقراءتها وان يبدي لي ملاحظاته حولها ،كان ذالك اول عهدي بالكتابة الادبية. وكنت أبحث عن ناشر خبير بامور النشر، استطيع ان اطبع عنده كتابي دون تكلفة كبيرة اذ ليس لدي المال لذالك ، وكنت قد اقتطعت مبلغا من منحتي الدراسية لطباعة كتيبي .وكانت دور النشر لا تطبع مجانا إلا للمشهورين وفي الاغلب ألأعم يتحمل الكاتب تكاليف نشر كتابه ، وكانت الجزاىر في تلك الفترة تعج بدور نشر كثيرة جيدة .دار الحكمة .
منشورات بغدادي،وبرزخ ورابطة الإختلاف واتحاد الكتاب الجزائريين وغيرها من دور النشر ، وكان المناخ الثقافي في الجزائر قد بدأ يتعافي ويتحسن وان كان لايزال يعاني من بقايا العشرية السوداء . وأيام الإرهاب التي خنقت الثقافة وغيبت صوتها وقتلت وشردت وهجرت المبدعين . وكانت هناك جمعيات ثقافية ابرزها حضورا وتأثيرا رابطة الجاحظية ويراسها الطاهر وطار والإختلاف وصاحبها بشير مفتي ورابطة الإبداع وصاحبها الطاهر يحياوي .
هتفت للطاهر وطار وسألته فقال لي ان أمر عليه في الجاحظية ولما جئته اخبرني بانه قرا كتابي ، وانهم يوافقون علي نشره علي نفقتي .وألححت عليه كثيرا ان يقدم لي ملاحظاته علي كتابي ،وكنت كتبت علي مخطوطتي رواية .ودخلنا في نقاش حول الكتاب قال لي الطاهر كتابك أقرب إلي القصة من الرواية 
واردف هناك خلاف إشكالي كبير في التجنيس الادبي خصوصا الرواية .كثيرون يكتبون نصوصا يخالونها روايات وهي قصص وبعضها شيء آخر .وكنت كلما طلبت منه أن يبدي لي ملاحظاته النقدية ،يقول لي اقرأ الروايات وستعرفها .لم يكن مبني النص هاجسي الاول ، كان المعني هو الذي يشغلني ،وقد سألني وطار عن مضمون نصي فقلت له إنه تجربة وأغلب ظني أنه لم
يفهمه .
، كان الطاهر بالنسية لي سادن الحرف الذي يخيل لي انه 
 علي يديه يمكن لي ان لازمت صحبته ان اتعلم منه كثيرا .كنت أري شيخ الجاحظية الذي .راكم تجاربا كثيرة ، وكتب روايات وقصصا كثيرة وعمل طويلا في الصحافة وقدم إسهامات ثقافية كبيرة ويعتبر رائد الرواية العربية في الجزاىر بشهادة نقاد ومؤرخي الادب ، أبا روحيا 
، كان وطار بالنسبة لي فتحا أدبيا وكنت سعيدا بصحبته. مثل انكيدو مع كلكامش .كنت اراه ناسك الأدب الجزائري 
الذي اعتزل الخلائق في صومعته .في شارع رضا حوحو في الجاحظية ، ليتفرغ للأدب وحده .
الطاهر وطار كان معلمي الذي تعلمت منه قليلا ،وكان القليل الذي تعلمته منه مهما والاجمل من كل ذالك انه فتح لي صدره الرحب وساعدني في اخراج كتابي الي النور بمبلغ رمزي ،   
في تلك الفترة تعرفت علي الطاهر شخصا ونصا .كنت اواظب علي شراء الجرائد الجزائرية وكان يهمني منها الصفحات الثقافية بالاساس وكان الطاهر وطار يداوم علي الكتابة في جريدة الخبر وينشر روايته الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء وكنت اقرا له احيانا في هذه الجراىد . وكان الوقت صيفا والطاهر في مصيف شنوة معتكفا يكتب كتابه .
من المواقف الطريفة التي أذكرها للطاهر وطار 
أنه كان يمازحني ويقول لي يا صاحب السفينة فأقول له السفينة ليست لي ، لمساكين يعملون في البحر، (استئناسا بقصة نبي الله موسي وصاحبه )،فيقول لي أأردت أن تعيبها 
أخرقتها لتغرق أهلها ! فأقول له نعم .فيضحك ضحكة عالية كالرعد 
من الأشياء التي افضي لي بها الطاهر وطاروهو يضحك قال لي الادب مليء بالخداع والأدباء كثير منهم
مخادعون وكاذبون . كلما تقدم بك الزمن ستعرف اكثر 
.مع الزمن ستكتشف اشياء أخرى لم تنتبه لها ،وفي تعليق 
 له علي بعض الكنابات الأدبية في الجزائر قال لي الطاهر أن فيها سرقات وكان يري ان في حياة معظم الادباء سرقات ادبية قل من يسلم منها .وهذه السرقات قد تنكشف كما يقول كلما قام نباش فتاش / غرابا يبحث في الأرض / 
انتدبه الله لهذه المهمة .كان يري أن احفاد كلكامش أغلبهم سارقون محترفون ،يسرقون العناوين والفكر والمضمون والشكل 
 .الطاهر وطار من حديثه يبدو يشعر بالحيف من المؤسسة الادبية الجزائرية ومن بعض المثقفين الفرانكفونين وكتاب العربية ويري أنهم حاربوه في ابداعه وحياته، وكان ذالك نوعا ما يصقل صورته عندي ويجعلني أشعر بالتعاطف والتضامن معه .كان بالنسبة لي يمثل حالة مثالية من حالات الأديب الحقيقي الذي أدركته حرفة الادب والذي تحترق أصابعه دفاعا عن الادب والثقافة . كان مثالا حيا علي معاناة الكاتب ، كلما جئته اراه يكابد الأيام وهو يذرع مكتبه ويدخل في حالة ذهنية لايعرفها إلا المبدعون .كأنه يعيش ساعة الخلود النادرة ، وقد ادلهم و بدأ يحس أن الزمن يجري ،وأن ساعة الرحيل قد اقتربت  
اعجبني اعتزاز الطاهر بالتراث العربي الإسلامي واستغربت ذالك كثيرا وكنت اقول في نفسي كيف لشيوعي ان يعتز بالتراث العربي الإسلامي ؟! ويولع بمالك بن نويرة ! ويظل ،يسأل سدنة التاريخ عن سيرته مع خالد بن الوليد رضي الله عنه . ويستهويه التراث الصوفي ويغرف من معينه .  
صيف 2002/ قضيت العطلة الصيفيه في الحي الجامعي 
حيدرة وسط وحدي ، لم يبق في الحي الا قليلا من الافارقة واليمنين والعراقيين ،وكنت لا اغادر الحي إلا إذا احسست بالجوع واردت ان آكل في االخارج او أن اجلب طعامي معي الي الحي ، اقضي معظم النهار ما بين بن عكنون وديدوش مراد ومكتبات الابيار وأحيانا كثيرة اذهب إلي الطلبة الموريتانين في البليدة . واعود للغرفة رقم 9 في الجناح 11 في حيدرة 
لا انيس لي إلا مذياع جلبته من موريتانيا استمع فيه للببيسي او الإذاعة الثقافية الجزائرية وكانت هذه الإذاعة صديقي الجميل ولا انس صوت الإعلامي المتميز منصف بوزفور عند الافطار في رمضان وهو يقدم قراءاته الصوفية الجميلة .عدي ذالك ليس لي من شغل إلا كتبي او جرائد جزائرية وخاصة الشروق والمساء والخبر والجريدة التي دأبت علي شرائها كل يوم . وكان ما يهمني في هذه الجرائد اخبار الثقافة وسلسلة الجرائم والتحقيقات البولبسية .احيانا كثيرة كنت اتسكع بين مكتبات ديدوش مراد ابحث عن كتب لا اعرفها .واقضي معظم الوقت امشي واجيء بينها . وفي الليل اتسلل إلي القاعة الكبيرة بجانب مقهي الحي ، اتفرج مع الطلاب علي فيلم من أفلام mbc2، وامتص السجائرفي نشوة وسط التعليقات والهرج والمرج .وعندما يكون الفيلم المعروض عن الثورة الجزائرية المجيدة وحرب التحريرأغرق في الهتافات والتصفيقات الحارة .
وأهتف من قلبي مشاطرا الجموع الهادرة تحيا الجزائر 
واعود ألي غرفتي لأنام ، روتين قاتل عشته في تاك الفترة وادمنت علي التدخين وشرب الشاي ليل نهار إلي حد يفوق الخيال. والحقيقة انني كنت منطويا علي نفسي واشعر بالوحدة 
والتيه والضياع .ولم اكن سعيدا .أشعر اني محاصرا وكنت كذالك .والحمد لله كنت عندما ينقبض صدري ألما اقرا القرآن الكريم او اذهب إلي مسجد الحي فأصلي . فأشعر بالغبطة والسعادة 

الحياة الطلابية في الاحياء الجامعية عالم عجيب من الثقافات والمتناقضات والغرائب ، في حيدرة كانت تقطن أمم شتي ،كان يسكن معي في نفس الجناح الصيني شيفان وكان غريب الاطوار وكان يسكن معه صيني آخر وكانا يأكلان القطط،ومن الطرائف التي لا انساها أنني كنت رائحا من الجامعة وعند مدخل الحي الجامعي اعترض سبيلي صبية من الحي القصديري الفقير المجاور للإقامة الجامعية وكانوا يهتفون : وين الشناوة 
ولما سألتهم مستفسرا عن ماذا يريدون؟ قالوا لي: قل للصيني إيجينا ، وأخذ كبيرهم يفتح الكيس وكانت فيه دزينة من القطط وتعجبت وسألته ماذا تفعلون بهذه القطط.قال لي نبيعها للصيني وسعر الواحد 100دينار ثم قال إنهم يحبونها وياكلونها وضحكت وانا اقول جن جنون الصينين ،يأكلون حتي القطط واستغربت ذالك وماهي إلاايام قلائل حني طالعت الخبر مكتوبا في إحدي الصحف تحت عنوان عريض الصينيون يأكلون القطط .وفي تفاصيله ان قطط العاصمة تكاد تختفي بسبب الصينين ،الذين دأبوا علي أكلها وشاع الخبر. حتي تحققت منه 
ورأيته بأم عيني، ذات مرة شممت شواءا عند شيفان ولما طرقت بابه اذا به يشوي قطا ويسلخ آخر 
في حيدرة تعرفت علي طلاب من مخنلف البلدان، افارقة وعربا اذكر منهم من السينغال سيسه ومن مالي ممادو ومن غينيا جابي ومن تنزانيا صاولو ومن الصحراء الغربية الصديق عمي محمد سالم ومن تشاد الشاعر عطية جويد جار النبي ومن العراق ياسين وعباس وخضير، وكان خضير يدرس الأدب الفرنسي ومن خلاله تعرفت لأول مرة علي وتريات الشاعر الكبير مظفر النواب رحمة الله عليه ،
في منتصف 2003 صدر كتابي " تجمعنا سفينة واحدة " في طبعة محدودة 700 نسخة عن الجاحظية ,وطلب مني الطاهر وطار رحمة الله عليه ان نقيم حوله حلقة نقاش في الجاحظية .وللاسف لم يحدث ذالك .
 
المخطوطة الاولي/ 
تجمعنا سفينة واحدة 


" ليس لدي ما أقوله الآن إلا هذا ،لقد رفضت مالم تستطع روحك الطفولية ان تسلم به ،وفي هذا عزائي ،لقد عشت كالبرق الذي لمع مرة وانطفأ والبروق تقدحها السماء والسماء خالدة وفي هذا عزائي وعزائي أيضا أن ضمير الأطفال في الإنسان هو كالجنين في البذرة وايا كان ما سنلقاه في الدنيا فستبقي الحقيقة إلي أبد الآبدين ،ما ظل الناس يولدون ويموتون " 
جنكيز ايتماتوف / السفينة البيضاء/

تجمعنا سفينة واحدة
كانت ترياقا لي واعطتني شعورا بالقوة ،وبصيصا من الامل الجميل .دفعتني الي الامام .صرت اعيش استيهامات خيال الكاتب المبدع ، واري نفسي في زمرة الكتاب .حتي ان جبران خليل جبران الذي فتنت به في طفولتي لم يعد بالنسبة لي اكبر مني صرت ندا له ، ونجيب محفوظ هو الاخر لم يعد كذالك وميخائيل نعيمة والمتنبي وحكيم معرة النعمان والطاهر وطار نفسه لم يعد احد اكبر مني .
تجمعنا سفينة واحدة / كانت بالنسبة لي تمثل سعادة الإنتماء 
للادب ، الأكياس الثقيلة التي حملت بعضها في غمرة فرحي من الجاحظية مرورا بتافورة إلي ديدوش مراد علي ظهري منحتني سعادة لاتوصف .وكنت اباهي بها .
لم تكن السفينة إلا قصة ضمير معذب .لادخل لصاحبه في عاهته وصاحب هذا الضمير المعذب بطل القصة .يعيش صراعا مع العالم .يحاول ان يركع القدر 
لست ادري ان كنت اول من طرق هذه الفكرة ، ولست ادري أن كنت كتبت قصة اورواية او حكاية اوسردية أوفلسفة او شيىا آخر .كان يهمني ان اكتب ما اريد 
وكانت الفكرة في العمل هي الأساسية عندي ولم اهتم للقالب الذي وضعتها فيه ،لم آخذ نفسي بتلك الشروط التي يلزم بها بعض الكتاب انفسهم ويسمونها قواعد وفنيات السرد ويميزون بينها وبين غيرها ، من أجناس الأدب .لم تكن تعنيني ، ذالك لأني لا أكتب لأحد ولا أضع في الحسبان أهمية رضي النقاد او سخطهم .مع ذالك لو اني تريثت قليلا لكان أحسن لي ولكان كنابي ربما لقي رواجا اكبر .ولو انه طبع طبعة جيدة لكان خيرا لي 
 اليوم وقد مضت عقود علي السفينة .استطيع ان أقول إن معني السفينة لايزال حيا في ذهني ويمكنني ان اعيد صياغته بطريقة جديدة مختلفة .السفينة رغم طبعتها العادية وكثرة الأخطاء اللغوية فيها وتكرار بعض الجمل والمفردات في نصها .بالنسبة لي تمثل شهادة ميلادي الادبية ،جنيت من سفينتي مبلغا ضئيلا لايسمن ولايغني من جوع ، لا يتجاوز عشرون اوثلاثون ألف أوقية موريتانية . وانا سعيد بذالك 
 

الزمن اليكسومي / 
أصحاب الوقت الذين لا يهدأون 

علي ألق الجرح تحاصرك الصحراء 

جاءت السفينة  
في الزمن اليكسومي . وفي أشد فصوله ضراوة وشراسة وخبثا .عندما كتبتها كان كهنة الصحراء يعدون مخططاتهم للإجهاز علي .
جاءت السفينة في الزمن اليكسومي والزمن اليكسومي لعنة الله عليه لايهدا .ولايمل من المطاردة .طاردني في ليبيا وفي الجزائر .
السفينة جاءت في فترة جميلة سعيدة لم اعرف لها طعما ولم اعشها .كنت في شبابي وتكالب علي اليكسوميون حسدا وفتكوا بي فتكا شديدا  
كانت أعين الرقباء تترصدني كل حين . 
الزمن اليكسومي ، شل قدراتي كثيرا وجعلني لاافكر إلا في الخلاص منه ، في الوقت الذي كان اصحابي يفرحون ويمرحون ، كنت كالطائر المهيض الجناحين ، قابعا في حيدرة وسط في غرفة ضيقة في حي جامعي ، يعج بالانفاس .ويفتقر للهواء النقي ، منطويا علي نفسي ، كنت اخرج الي بن عكنون واتنزه في حديقتها واحيانا كثيرة أذهب إلي البليدة ، هذه المدينة الجميلة التي لا انسي حقولها وتلالها وسهولها وجمال ثلوجها 
علي أعالي" الشريعة" ، البليدة جنة الله وفردوسه الخالد الذي لم أر في حياتي اجمل منه. والذي لن انساه وكيف انسي تلك السماء الممطرة وذالك الغيم الهائم علي اعالي "الشريعة" الخلابة .والحقول الخضراء والورود الجميلة 
البليدة .كنت اجد فيها خلاصي وملاذي وراحتي وسعادتي .أهرب إليها كل حين كلما اختنقت من ضجيج الجزائر وصخبها. كنت الوذ بها . ويهرول إليها حنيني ويعدو قلبي إليها ،من بين مدن العالم جميعا يخيل لي أنه ليس بينها اجمل من هذه المدينة ،
 سهل امتيجة و الشريعة وبوفاريك ووادي العلائق و اولاد ايعيش وقهوة وزيتونة وباب الجزائر وباب السبت وباب الرحبة امكنة عزيزة علي  
اجمل الاوقات واسعدها .عندما اكون متجها إلي هذ ه المدينة ، وانا اتملي ذالك الجمال وأسرح في الحقول .عند مشارف بوفاريك .
و أسأل نفسي عن الشعراء والأدباء الذين مروا من هناك
هل كانوا هاربين مثلي من الضجيج ، هل كانوا لائذين بهذا الجمال. وهل كانوا يجدون السعادة التي تغمرني عندما أجيء البليدة ، ذات مرة وكنت ذاهبا إلي البليدة في الحافلة دار حديث بيني وبين مسافر ولما كنا عند صومعةبوفاريك قال لي في هذه الصومعة سجن الرئيس الموريتاني المختار ولد داداه واقام هنا شهورا ، قلت في نفسي البليدة مهد الجمال 
 وليس غريبا ان يفد إليها المختار او غيره 
 لست ادري هل فعلا اقام المختار في صومعة بوفاريك ام لا ؟ 
 من الصدف بعد ذالك انني تعرفت علي اندريه جيد وكتابه الجميل قوت الارض او القوت الجديد ، وأذا باندريه جيد مثلي متيما بعشق البليدة  
في تلك الفترة كنت اقرا كثيرا ، قرات لكتاب مختلفين لم اعد اذكرهم كلهم ، منهم ابراهيم الكوني ،واندريه جيد والشابي واحمد امين وآخرون نسيتهم . 
كانت القراءة بالنسبة لي تعزية وسلوي . وقد جمعت 
كتبا كثيرة اشتريتها من مكتبات الابيار وديدوش مراد 
والبليدة و كدستها في غرفتي الضيقة .وكنت في كل فترة ارسل بعضها مع الطلاب الي الوطن . وكنت اباهي بها ،كنت مهووسا بشراء الكتب وجمعها .مثل دونكيشوت اتخيل انني بامتلاكي لتلك الكتب وقفت علي القمة وكسبت المجد . 
مع ذالك لم أقرأ إلا بعض هذه الكتب .وكنت امني نفسي ان اقرأها كلها .غير اني لم يمهلني اليكسوميون لقراءتها منعوني ولم يدعوني .