كنوز نت - بقلم : سلام حمامدة


هل تعود الوحدة العربية؟ بين ضرورات المرحلة وحسابات الأحزاب
  • بقلم : سلام حمامدة
في كل دورة انتخابية تعود إلى الواجهة قضية الوحدة بين الأحزاب العربية، وكأنها السؤال السياسي الأكبر الذي يشغل الشارع العربي في الداخل.
 ومع اقتراب أي استحقاق انتخابي، تتجدد الدعوات إلى إعادة تشكيل إطار وحدوي يضم الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والحركة العربية للتغيير، والتجمع الوطني الديمقراطي، والقائمة العربية الموحدة (الحركة الإسلامية الجنوبية). لكن سرعان ما تصطدم هذه الدعوات بعقبات تكشف أن الطريق إلى الوحدة ليس سهلًا كما يبدو.

لقد أثبتت تجربة القائمة المشتركة أن العمل الوحدوي قادر على تحقيق إنجازات سياسية وانتخابية مهمة، وأن الجمهور العربي يمنح ثقته عندما يشعر بوجود مشروع جامع يتجاوز الانقسامات الحزبية. وفي المقابل، أظهرت تجربة التفكك أن الانقسام ينعكس في كثير من الأحيان على نسبة التصويت، وحجم التمثيل البرلماني، وثقة المواطنين بقياداتهم السياسية.

الاختلافات الفكرية بين الأحزاب ليست جديدة، وهي في حد ذاتها ليست المشكلة. فمن الطبيعي أن تختلف الرؤى بين من يعطي أولوية للنضال البرلماني، ومن يركز على الخطاب الوطني، أو على العمل المدني والاجتماعي. فالاختلاف في البرامج جزء من أي حياة سياسية ديمقراطية، وقد يكون مصدرًا للإثراء إذا أُدير باحترام ومسؤولية.

لكن ما يثير قلق الشارع العربي هو أن بعض الخلافات تجاوزت حدود التنافس السياسي الطبيعي، وتحولت في أحيان كثيرة إلى سجالات إعلامية وتبادل للاتهامات، الأمر الذي أضعف صورة العمل السياسي العربي، ورسخ شعورًا بالإحباط لدى شريحة واسعة من الناخبين.

ولا تبدو الخلافات محصورة في البرامج والرؤى السياسية، بل تمتد أيضًا إلى الحسابات الحزبية الداخلية. فكل حزب يسعى إلى الحفاظ على موقعه السياسي، وعدد المقاعد التي قد يحصل عليها، وحجم تمثيله في الكنيست، وترتيب مرشحيه في أي قائمة مشتركة. وهذه اعتبارات مشروعة في العمل الحزبي، لكنها قد تتحول إلى عقبة عندما تصبح المعيار الأول في المفاوضات.


فغالبًا ما تبرز أسئلة مثل: من يقود القائمة؟ ومن يحصل على المراتب المضمونة؟ وكيف يتم توزيع المقاعد إذا أظهرت استطلاعات الرأي تفوق حزب على آخر؟ وعندما يرى كل طرف أنه يمتلك القوة الجماهيرية الأكبر أو أنه الأحق بقيادة المشروع السياسي، تصبح فرص الاتفاق أكثر تعقيدًا، وقد تتحول المفاوضات إلى صراع على المواقع بدل أن تكون حوارًا حول البرنامج السياسي.

ولعل هذا هو التحدي الحقيقي أمام الأحزاب العربية اليوم. فالجمهور لا ينتظر فقط اتفاقًا على ترتيب الأسماء، بل يريد رؤية سياسية مشتركة تعالج القضايا التي تؤرق حياته اليومية: مكافحة الجريمة والعنف، وأزمة السكن، والتخطيط والبناء، والتعليم، وفرص العمل، والدفاع عن الحقوق المدنية والقومية.

ومن الإنصاف القول إن التفاوض على المقاعد والمواقع ليس أمرًا استثنائيًا، بل هو جزء من أي تحالف سياسي في العالم. إلا أن نجاح أي تجربة وحدوية يقاس بقدرة الشركاء على تقديم المصلحة العامة على الاعتبارات التنظيمية الضيقة، وعلى إدارة الخلاف بالحوار والاحترام، لا بالمناكفات الإعلامية أو الشخصنة.

إن إعادة بناء الثقة بين الأحزاب لا تقل أهمية عن إعادة بناء الثقة بينها وبين جمهورها. فالوحدة لا تعني إلغاء الاختلافات، بل تعني الاتفاق على قواسم مشتركة وآليات واضحة لإدارة الخلافات، بما يضمن استقرار أي تحالف وعدم انهياره عند أول أزمة.

في نهاية المطاف، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تستطيع الأحزاب العربية تجاوز حساباتها الضيقة، والتوصل إلى شراكة سياسية حقيقية تعيد الأمل للناخب العربي، أم أن الخلافات حول القيادة، والمقاعد، والنفوذ ستظل أقوى من الحاجة إلى الوحدة؟

قد تكون الانتخابات المقبلة فرصة جديدة للإجابة عن هذا السؤال، لكن الحكم النهائي لن يصدره قادة الأحزاب، بل الناخب العربي، الذي ينتظر من ممثليه أن يقدموا نموذجًا في المسؤولية والوحدة، وأن يضعوا مصلحة المجتمع فوق أي اعتبار حزبي أو شخصي.

سلام حمامدة