كنوز نت - الشاعر العَروضي محمود مرعي


إبحار في إبحار الشاعر طارق عون الله- القسم الثَّالث
  • بقلم: الشَّاعر العَروضيّ محمود مرعي
وكما سلكنا في القسمين السَّابقين، نتابع هنا أَيْضًا إبحارنا في إبحار الشَّاعر طارق عون الله. ونثبت النَّصَّ بدءًا ثُمَّ نستنطقه عمَّا في أحشائه:
إبحار في نار التَّجربة
الشَّاعر طارق عون الله
(3)
دعني أجرّد الموضوع أكثر…
أكسر الصورة،
وأتركك عاريًا مع السؤال،
 لا مع المجاز:
أنا لم أحرق طائر الورق..
أنا انتظرته
حتى احترق وحده.
انتظرته أن يفهم
أن الطيران ليس خلاصًا،
وأن اليد التي صنعته
هي نفسها التي تخاف منه.
لم يكن في النار وجع،
الوجع كان في التردّد،
في تلك اللحظةِ 
التي أدركتُ فيها
 أنني صانع الشيء وعدوّه.
كلّ ما نحرقه
كان يريد أن يعيش أكثر منا.
وكلّ ما نتركه يحترق
يفضح عجزنا
عن الاعتراف.
لهذا لم أشعر بالاحتراق،
لأن النار كانت خارج الجسد،
أما الخسارة
فكانت داخله،
باردة،
صامتة،
ولا تُرى .
(يتبع)       


 
في منتصف الغوص قبل بلوغ قعر النَّصِّ حيث يكون ما نتوقَّعه ونرجوه من جواهر ومَرجان ولؤلؤ بلاغيٍّ تصويريٍّ ينقلنا من حيِّز الكلام إلى حيِّز الـمعنى، يأتينا التفات الشَّاعر في خطابه، فبعد السَّرد نجده يلتفت بالخطاب إلى الـمتلقِّي، والالتفات في الشِّعر العربيِّ «ظاهرة أسلوبيَّة تعني الانتقال بالضَّمير أو الفعل من أسلوب إلى آخر داخل النَّصِّ الشِّعريِّ الواحد (مثل التَّحول من التَّكلُّم إلى الغائب، أو من الخطاب إلى التَّكلُّم). ويُعدُّ من أبرز فنون البلاغة العربيَّة، حيث يهدف إلى كسر الرَّتابة، جذب الانتباه، وإشراك المتلقِّي بفاعليَّة في تلقِّي المعنى». [بتصرُّف عن د. إبراهيم الهدهد] 
«دعني أجرّد الموضوع أكثر…
أكسر الصُّورة،

وأتركك عاريًا مع السُّؤال،
 لا مع المجاز:».
هٰذا الكلام البسيط الَّذي يشبه الطَّفرة الفائرة بما يعتمل في صدر الشَّاعر، كأنَّ ما مضى من سرد لم يفِ المعنى عند الشَّاعر وهو مكتنز بالمعاني، فجاءت هٰذِهِ الطَّفرة لتفتح جانبًا آخر في الكلام، عساه يوصل رسالته وتُفهَمُ عنه فيرتاح قليلًا، لأنِّي أرى هٰذِهِ الطَّفرة أشبه بالغضبة لتوصيل المعنى، كأنَّه يخاطب المتلقِّي "إن لم ترى العمق من بابه الـمُشرعِ فهاك بابًا آخر عسى أن ترى منه ما عُمِّيَ عليك من قبلُ"، وكلُّنا نعرف قصَّة المثل (رفع عقيرته)، وله عدَّة معان (السَّاق المقطوعة ورفع الصَّوت) كما ورد في السُّنَّة النَّبويَّة «حيث ذُكر أنَّ الصَّحابيَّ بلال بن رباح- رضي الله عنه- كان إذا شُفي من حُمّٰى المدينة يرفع عقيرته (أي يرفع صوته منشدًا ومترنِّمًا بحبِّ مكَّة)»، وَبِهٰذا المعنى رفع شاعرنا عقيرته، فهي وإن كانت غضبة، إلَّا أنَّ فيها حبًّا للمتلقِّي وطلبًا أن يسمع وينظر ولا يظلَّ هامشيًّا كما أرادت له حضارة العصر الوافدة.
« أنا لم أحرق طائر الورق..
أنا انتظرته
حتّٰى احترق وحده
انتظرته أن يفهم
أنَّ الطَّيران ليس خلاصًا».
هٰذا الاعتراف الواضح لا يعني براءة الشَّاعر ولا حياده، "فقد كان ينتظر الطَّائر حَتّٰى يحترق"، فهو كان على وعي وإدراك بما سيؤول إليه الطَّائر، ورغم ذٰلِكَ انتظره حَتّٰى احترق. ليس ذٰلِكَ فحسب، بل انتظره أن يفهم أنَّ الطَّيران ليس خلاصًا، فربَّما كان ارتفاعه سببًا في سقوطه، وكلَّما زاد الارتفاع زاد ألم السُّقوط.
«وأنَّ اليد الَّتي صنعته
هي نفسها الَّتي تخاف منه».
هٰذِهِ الفقرة أرى لها شبهًا، وهو كرة الثَّلج فوق الجبل، ربَّما كوَّرها طفل في ساعة لعب ودحرجها، وحين تصل أسفل الجبل ستكون كتلة لا يمكن التَّصدِّي لها، فاليد الَّتي كوَّرتها فوق القمَّة ستخاف من مجرد محاولة إيقافها أسفل الجبل.
هٰذِهِ صورة مبسَّطة، لٰكِنْ هناك صورة أكثر مأساويَّة، فبناء الفكرة وإن استغرق وقتًا، فاليد الَّتي كتبت وخطَّت الفكرة، قد تغلبها أيدٍ أخرى بعد إطلاق الفكرة، فتتحوَّل الفكرة من سيف بيد من صنعها إِلىٰ سيف فوق رقبته بفعل فاعل كان يترقَّب إطلاقها ويتربَّص بصانعها. 
« لم يكن في النَّار وجع،
الوجع كان في التَّردُّد،
في تلك اللَّحظةِ 
الَّتي أدركتُ فيها
 أنَّني صانع الشِّيء وعدوُّه».
كانت النَّار بردًا وسلامًا فلا وجع فيها ولا ألم، لأنَّ الوجع كان في التَّردُّد، والتَّردُّد هو الخوف من نتيجة الفعل المستقبليَّة، وأرى الأمر هنا أشبه بقول درويش:
«ويسأل صاحبي: وإذا استجابت للضُّغوط فهل سيسفر موتنا عن دولةٍ... أم خيمـةٍ؟
قلت: انتظر! لا فرق بين الرَّايتين» [مديح الظِّلِّ العالي].
[وإذا استجابت للضُّغوط، أي أمريكا، فهي المقصودة، وسبق ذكرها بالاسم قبل الاقتباس]. وكلا الحالين هنا (دولة أم خيمة) ستكون ما نحصل عليه.  
«في تلك اللَّحظةِ 
الَّتي أدركتُ فيها
 أنَّني صانع الشِّيء وعدوُّه».
هل يتحدَّث الشَّاعر بلسان "الأنا" المفردة أم "الأنا الجمعيَّة"؟ أيْ منَّا صانع الفكرة ومنَّا عدوُّها.
«كلَّ ما نحرقه
كان يريد أن يعيش أكثر منَّا.
وكلَّ ما نتركه يحترق
يفضح عجزنا
عن الاعتراف».
" كلَّ ما نحرقه/ وكلَّ ما نتركه يحترق" هل هما حال واحدة وفعل واحد مع أنَّ الأثر واحد وهو الاحتراق؟ لا ليس حالًا واحدة، فلا دليل عَلىٰ أنَّ الفعل "يحترق" هو فعلنا، فنحن نتركه كأنَّنا متفرِّجون عَلىٰ الحدث، كوننا نتركه يحترق ولا نفعل شيئًا، سوى أن نتفرَّج عليه حال احتراقه.
"ما نحرقه كان يريد أن يعيش أكثر منَّا"، فهل أحرقناه حَتّٰى لا يعيش أكثر منَّا؟ وهل اكتشفنا أنَّ حياته أكثر منَّا مضرَّة لنا، فلذا حرقناه؟ 
" وكلَّ ما نتركه يحترق/يفضح عجزنا/عن الاعتراف"، عجزنا عن الاعتراف بماذا؟ هل هو اعتراف بخيبتنا وعدم قدرتنا عَلىٰ فعل إطفاء النَّار؟ أم بطعن من الخلف؟ أم بقيد لا فكاك منه؟
«لهٰذا لم أشعر بالاحتراق،
لأنَّ النَّار كانت خارج الجسد،
أمَّا الخسارة
فكانت داخله،
باردة،
صامتة،
ولا تُرى».
هٰذِهِ الفقرة متَّصلة معنًى مع البداية والالتفات، وقلنا هناك إنَّ الالتفات في المطلع أشبه بطفرة وصرخة في سمع المتلقِّي كي ينتبه ولا يبقى هامشيًّا كما أرادت له الحضارة الوافدة، وَهٰذا الختام يشرح السَّبب لتلك الصَّرخة الطَّفرة، فالخسارة هنا داخل الجسد، ربَّما الرُّوح، يحسُّ بها الشَّاعر وحده" باردة، صامتة"، إضافة إِلىٰ الجملة الختاميَّة "لا تُرى"، أي لا تُرى من قِبَلِ المتلقِّي، فالشَّاعر وحده يحسُّ ببردها ويستشعر صمتها ويراها، ولذا أراد عبر المطلع نقلها إِلىٰ المتلقِّي عساه يستيقظ فيحسُّ ويستشعر ويرى ما يجري ويحدث.
(يتبع)