
كنوز نت - بقلم: رانية مرجية
الأرضُ التي تعرفُ اسمي
- بقلم: رانية مرجية
دائمًا يسألونني:
أأنتِ من يافةِ الناصرة؟
أبتسم.
ليس لأنني أجهل الجواب،
بل لأن المدن،
إذا سكنت القلب،
خرجت من الخرائط.
أنا من الرملة.
ولدتُ فيها،
ولا أزال،
كلما فتحت نافذتي،
أشعر أن الصباح
يعرف الطريق إليّ.
فيها وُلد أبي.
وقبله،
كان جدي يعبر أزقتها
بخطواتٍ هادئة،
من غير أن يدري
أن الأرض تحفظ أثر أبنائها
أكثر مما تحفظه الأيام.
كبرتُ،
واكتشفتُ
أن المدينة
لا تُقاس بعدد بيوتها،
ولا بعدد شوارعها،
بل بعدد الذين
تبقى لهم فيها حياة،
حتى بعد أن يغيبوا.
في تراب الرملة
استراح جدي وجدتي.
ثم مضت عمّتاي،
واحدةً بعد الأخرى،
إلى سلام الله.
وبعدهما
احتضنت الأرض أبي.
وكانت أمي
آخر من سلّمتُه
إلى ذلك التراب.
ومنذ ذلك اليوم،
لم تعد الرملة
مدينةً أمشي فيها.
صارت الذاكرة
تمشي بي.
كل شارعٍ
يعرف وجهًا أحببته.
وحين يعلو
جرسُ الكنيسة،
لا أسمعه
يدعو إلى الصلاة فحسب،
بل يوقظ
الأسماء التي سكنت هذا المكان،
ويجمع ما تفرّق من العمر
في نبضةٍ واحدة.
عندها
أدرك
أن الغياب
ليس نقيض الحضور،
بل طريقته الأخرى
في البقاء.
أما يافةُ الناصرة…
فلها في قلبي
محبةٌ لا تزاحم.
مدينةٌ
لم تلدني،
لكنها دخلت حياتي
كما يدخل الضوء
من زجاج كنيسةٍ قديمة؛
هادئًا،
ويترك في الروح
ما لا تقدر الأيام
على إطفائه.
لهذا
لم أشعر يومًا
أن عليّ أن أختار.
فالقلوب،
على خلاف الخرائط،
تتّسع
كلما صدقت المحبة.
واليوم،
إذا سألني أحد:
من أين أنتِ؟
لا أبحث
عن اسم مدينة.
أبحث
عن أول يدٍ أمسكت يدي،
وعن أول وجهٍ
علّمني أن المحبة
هي الاسم الآخر
للانتماء.
أنا من الرملة.
من المدينة
التي شهدت ميلادي،
وشهدت طفولتي،
وشهدت وداعي
لمن أحببت.
ومن الأرض
التي لم تحفظ أجسادهم وحدها،
بل حفظت
ما تركوه في روحي
من محبةٍ
لا يطالها الغياب.
وكلما ناديتُها:
يا رملة…
لا أسمع
صدى صوتي.
أسمع الحياة
تردُّ عليَّ
بأصواتهم.
فأعرف
أن الإنسان
قد يحمل مدينةً في قلبه،
لكن هناك مدنًا
تحمل أبناءها
في قلبها.
وتظل،
حتى بعد أن يرحلوا،
تناديهم
بأسمائهم الأولى.
09/07/2026 05:52 pm 16
.jpg)
.jpg)