كنوز نت - تقرير/: مبادرة شجر وحجر
مفارقات التخطيط في أم الفحم:
"مربع" جبل أبو فاعور وأم الدب وعين الشعرة وواد الحرامية في مواجهة الأحياء النموذجية
- تقرير/: مبادرة شجر وحجر
في علم التخطيط الحضري الحديث، تُقاس جودة الحياة في أي حي سكني بمفهوم يُعرف بـ "إمكانية الوصول" (Accessibility)؛ حيث يُفترض أن يجد المواطن أبسط احتياجاته اليومية—كالبقالة والمخبز ومحل الخضار—على مسافة مشي قصيرة من منزله دون الحاجة لركوب سيارة. لكن عند إسقاط هذا المفهوم على جغرافية مدينة أم الفحم، تبرز مفارقة تخطيطية واجتماعية صارخة تصنع مقارنة مجحفة بين أحيائها العريقة المكتظة، وبين أحيائها الحديثة.ثقل اقتصادي وتاريخي.. وجفاف خدمي يومي!تأمل معي الكتلة الحضرية الممتدة عبر منطقة جبل أبو فاعور وأحياء أم الدب وعين الشعرة، تجد أمامك منطقة تنبض بحركة يومية كثيفة لامتلاكها بنية تحتية ومؤسساتية وضخامة اقتصادية وتاريخية على مستوى قطري؛ فمنطقة جبل أبو فاعور تحتضن أكبر مصنع ورق في منطقة المثلث تقريباً، إلى جانب روضات الأطفال، ومركز المارشال، ومركز الحذر على الطرق. وفي حي أم الدب، يتواجد أكبر كراج قطري للسيارات يقصده أصحاب المركبات للخدمات من جميع أنحاء البلاد للعمل والتصليح. أما منطقة عين الشعرة، فلوحدها تُعتبر مقصداً سياحياً وثقافياً هاماً لاحتوائها على معالم وآثار تاريخية بارزة في المدينة، فضلاً عن وجود أكثر من خمسة كراجات أخرى ومتنزهات في هذا المربع الحيوي.وينضم إلى هذا المشهد حي واد الحرامية، الذي بات يمثل بحق "الربع الخالي" في المدينة؛ حي سكني بامتياز يغص بالسكان والعائلات، لكنه متروك بلا أدنى مقومات جغرافية الخدمة اليومية.والنتيجة الصادمة؟ خلف هذه الواجهة الحيوية، والمؤسساتية، والاقتصادية، والسكانية الضخمة، يعيش سكان هذه الأحياء الأربعة معضلة تنموية يومية قاسية؛ فالمنطقة بأكملها تعاني من جفاف كامل في أبسط المصالح التجارية الأساسية لمتناول اليد وسد حاجيات السكان اليومية، فلا يوجد فيها مخبز، ولا بقالة خضار وفواكه، ولا ماركت أو دكانة صغيرة للاحتياجات الطارئة.هذا الغياب يتحول إلى معاناة حقيقية عند دمجه بالطبيعة الجغرافية الصعبة للمنطقة؛ فجبل أبو فاعور، وأم الدب، وعين الشعرة، وواد الحرامية تتميز بمنحدراتها القاسية والشاقة. غياب بقالة داخل هذا المربع السكني يفرض على العائلات، والأمهات، وكبار السن استخدام المركبات كوسيلة تنقل حتمية، أو خوض مشقة النزول والصعود في هذه المنحدرات الوعرة لمجرد شراء مستلزمات أساسية بسيطة. لقد تحلت هذه الأحياء علمياً إلى ما يُعرف بـ "الصحراء الخدمية" (Service Desert)؛ مناطق تموج بالصناعة، والمؤسسات، والمعالم التاريخية، والسكان، لكنها تفتقر لروح الحي السكني المكتفي ذاتياً.المفارقة الصادمة: مقارنة مع قطاين الشومر وحي الظهر النموذجيينتتضاعف علامات الاستفهام وتبرز فجوة "العدالة المكانية" (Spatial Justice) حين نضع هذه الأحياء الأربعة في كفة مقارنة مباشرة مع الأحياء الحديثة والنموذجية بالمدينة. خذ على سبيل المثال حي قطاين الشومر؛ ورغم أنه حديث النشوء مقارنة بعراقة تلك الأحياء، إلا أنه حظي بتخطيط وتوزيع تجاري منصف تتوفر فيه المخابز والبقالات والخدمات الأساسية بيسر وسهولة.والأكثر من ذلك، يتجلى التباين التخطيطي بوضوح عند النظر إلى أحياء حديثة جداً مثل حي الظهر؛ الذي بات نموذجاً متكاملاً للرفاهية السكنية والحضرية، حيث يملك الحي جميع الخدمات الحياتية لمتناول يد السكان، بالإضافة إلى المساجد، والنوادي، والمنتجعات الترفيهية التي تخدم جودة حياة قاطنيه بشكل مثالي وبلا عوائق جغرافية أو مشقة تذكر.هذه المقارنة تعكس تبايناً حاداً في توزيع التراخيص والمشاريع الاستثمارية داخل المدينة. فبينما يندفع المستثمرون الصغار نحو الشوارع الرئيسية المتخمة لتكرار المشاريع المستنسخة (سلوك القطيع)، وتُدعم أحياء بمرافق شاملة كالمساجد والمنتجعات، تظل أحياء جبل أبو فاعور، وأم الدب، وعين الشعرة، وواد الحرامية منسية تجارياً ومتروكة دون أدنى تشجيع من البلدية لإنشاء مصالح حيوية صغيرة تخدم السكان محلياً وتخفف عنهم وعورة المنحدرات الجبلية.كيف ننصف هذه الأحياء؟إن إنهاء هذه المفارقة يتطلب التفافاً حقيقياً من بلدية أم الفحم وقسم التنظيم والترخيص فيها، عبر الانتقال من دور "منفّذ الرخص" إلى دور "المخطط الذكي". تحتاج هذه الأحياء المظلومة خدمياً إلى حزمة حوافز بلدية استثنائية، تشمل تسهيل إجراءات الترخيص وإعفاءات من رسوم الأرنونا لأي شاب أو مستثمر من المنطقة يقرر سد هذه الفجوة وافتتاح بقالة أو مخبز أو محل خضار يخدم جيرانه.لا يمكن للمدينة أن تنمو بشكل صحي وعادل بينما تزخر جبالها بأكبر المصانع والكراجات القطرية والمعالم التاريخية، ويسكن أهلها في "ربع خالي" من الخدمات يزحفون في المنحدرات بحثاً عن بقالة، في الوقت الذي تنعم فيه أحياء أخرى بالمنتجعات والنوادي. إن إنصاف هذه الأحياء وتوفير الخدمات الأساسية فيها هو الخطوة الأولى نحو استعادة جودة الحياة الحضرية، وتخفيف الضغط المروري، وإعادة التوازن المفقود بين أحياء أم الفحم.

09/07/2026 05:40 pm 21
.jpg)
.jpg)