
كنوز نت - بقلم: سليم السعدي
صدمةٌ من أجل الحياة لا من أجل الهدم
بقلم: سليم السعدي
"ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب." مقولةٌ اشتهرت على ألسنة الناس، كما تُنسب إلى ابن خلدون أقوالٌ كثيرة في نقد أحوال العرب، سواء صحّت نسبتها إليه أم لم تصح. لكن ما يعنيني ليس صحة النقل بقدر ما يعنيني صدق الواقع الذي نعيشه.
قد يرى البعض في كلماتي قسوة، وألتمس منهم العذر؛ فما قصدت يومًا الإساءة إلى أمتي أو شعبي، وإنما أردت أن أُحدث صدمة توقظ الضمير. فالطبيب قد يضطر إلى كيّ الجرح لينقذ الجسد، والمصلح قد يرفع صوته عندما لا يعود الهمس قادرًا على إيقاظ الغافلين.
إن الأمم لا تنهض إلا إذا امتلكت شجاعة نقد ذاتها، فالذي لا يرى عيبه لا يستطيع إصلاحه، والذي يرفض مواجهة الحقيقة يبقى أسيرًا لأخطائه. والمجاملة في مواضع الخلل ليست رحمة، بل هي مشاركة في استمرار الانحدار.
وفي فلسطين، يعيش شعب يمر بإحدى أعظم المآسي في تاريخه؛ شعب شُرّد من أرضه، وفقد الأمن والاستقرار، ودفع من دمائه وأبنائه ما تعجز الكلمات عن وصفه. وكان المنتظر أن تكون هذه المحنة سببًا في مزيد من التلاحم والتكافل، لكننا نرى في بعض الأحيان من يستغل آلام الناس بالابتزاز أو الفساد أو الاعتداء على حقوقهم، بل ويُوجّه السلاح إلى أبناء شعبه، وكأن الجراح الخارجية لا تكفي.
إن القضية العادلة لا يحميها الظلم، والوطن لا يبنيه الفساد، ولا يمكن لأمة أن تنتصر إذا فقدت بوصلتها الأخلاقية. فالقوة ليست في الشعارات، بل في حفظ الدم، وصيانة الكرامة، وإقامة العدل، ومحاسبة كل من يعتدي على الإنسان، أيًا كان موقعه أو انتماؤه.
إنني لا أكتب لأجل التجريح، ولا لأجل جلد الذات، بل لأجل الإصلاح. فالنقد الصادق ليس خيانة، بل هو أول الطريق إلى النهوض. وما أحوجنا اليوم إلى مراجعة أنفسنا قبل أن نُحمّل الآخرين وحدهم مسؤولية ما نحن فيه.
فإذا كانت كلماتي قد أحدثت صدمة، فليست صدمة للإهانة، وإنما صدمة للشفاء؛ لأن الجسد الذي لا يشعر بألمه لا يبحث عن دوائه، والأمة التي لا تواجه عيوبها بصدق لن تستطيع أن تبني مستقبلًا يليق بتضحيات أبنائها.
أسأل الله أن يردّ لهذه الأمة رشدها، وأن يجمع كلمتها على الحق والعدل، وأن يجعل من المحنة بدايةً لصحوةٍ أخلاقية وإنسانية تعيد للإنسان كرامته، وللوطن وحدته، وللحق مكانته.
03/07/2026 10:43 pm 27
.jpg)
.jpg)