
كنوز نت - أشرف أبو اليزيد
ساعي بريد اللهفة… ديوان جديد للشاعر نمر سعدي
الشاعر والمترجم المصري الدكتور أشرف أبو اليزيد
يقدّم ديوان “ساعي بريد اللهفة” للشاعر الفلسطيني نمر سعدي تجربة شعرية كثيفة تتقاطع فيها الرؤى الصوفية، واللغة العاطفية المتدفقة، والمرجعيات التراثية العربية والعالمية، في بناء نص شعري يميل إلى التوهج الوجداني أكثر من ميله إلى الهدوء الكلاسيكي أو الانضباط البنائي التقليدي.
الديوان، المكتوب بين عامي 2023 و2025، يبدو كأنه خلاصة مرحلة شعرية ناضجة تستند إلى ذاكرة ثقافية واسعة وتجربة وجدانية متقدة.
منذ العتبة الأولى في “مدخل” الديوان، يضعنا الشاعر أمام تناص مباشر مع أبي تمام، في استدعاء يشي بأن المشروع الشعري هنا واعٍ بتاريخه، ومتصالح مع فكرة الزمن بوصفه حركة بين وصل وهجر واندثار. هذا الاستهلال لا يؤدي وظيفة الزينة التراثية، بل يشكل إطارًا فلسفيًا للكتاب: الزمن ليس خطًا مستقيمًا، بل دوائر من الفقد والاكتمال، وهو ما يتكرر لاحقًا في معظم القصائد.
أحد أبرز سمات الديوان هو الانفتاح الواسع على المرجعيات الصوفية والتاريخية. فاستحضار الحلاج في النص الثاني لا يأتي بوصفه شخصية تاريخية فقط، بل كرمز للغوص في التجربة الروحية القصوى، حيث تتداخل الرغبة بالمعاناة، والحب بالفناء. الحلاج هنا ليس موضوعًا بل حالة شعرية ممتدة، تتجسد في لغة مشحونة بالتحولات:
“للحبق الكحليِّ سماءٌ، للنارِ الخضراءِ أصابعُ”.
هذه الاستعارات تكشف عن نزوع واضح نحو تفكيك الواقع وإعادة تركيبه وفق منطق شعري داخلي.
ويبلغ النص ذروة التداخل بين السيرة الذاتية والميثولوجيا والأدب العالمي في القصيدة الثالثة … يستحضر الشاعر مالك بن الريب، وشكسبير، وطاغور، وأنكيدو، في فضاء واحد، مما يجعل الذات الشاعرة مركزًا كونيًا تتقاطع فيه الثقافات. هذا التراكم المرجعي قد يُقرأ كقوة غنى ثقافي، لكنه في الوقت ذاته يطرح سؤالًا نقديًا حول حدود التوازن بين التناص والإغراق، إذ أحيانًا يبدو النص وكأنه “أرشيف شعري كوني” أكثر منه بناءً مكثفًا لخبرة واحدة.
على مستوى اللغة، يعتمد الديوان على الاستعارة المفرطة والتكثيف الصوري، حيث تتحول المفردات إلى كيانات رمزية: “روحي كالفراشة في شباك النارِ”، “كوني الكمنجة والأقحوانة”، “في عينيَّ بحار من المعلقات”. هذا الأسلوب يخلق حالة من البهاء البصري، لكنه يضع القارئ أيضًا أمام تحدٍ تأويلي، إذ تتوالد الصور بسرعة تفوق أحيانًا قدرة التلقي على التثبيت والتأمل.
ذروة الغنائية العاطفية في الديوان، حين يتحول الحب إلى قوة كونية تذيب الجغرافيا والتاريخ، وتعيد تشكيل العالم من منظور وجداني صرف. هنا يتقاطع الخاص بالعام، وتتحول التجربة العاطفية إلى خطاب كوني يتجاوز الفرد إلى الإنسان.
لدى الشاعر رغبة واضحة في توسيع مفهوم الذات إلى فضاء كوني شامل: “وطناً من قصائد كوني”، “كوني دثاري هوائي وناري”، وهو خطاب يضع الحب في مرتبة الهوية الكونية، حيث تتلاشى الحدود بين الإنسان والعالم.
ويصل التوهج التصويري إلى أقصاه، حيث تتحول العين إلى مكتبة كونية تضم الملاحم والأساطير والكتب المقدسة، في تصور شعري يجعل من الذات مرآة للتراث الإنساني كله. هذا التوسع يرسخ فكرة أن الشاعر لا يكتب عن ذاته فقط، بل يكتب عبرها التاريخ الإنساني المتراكم.
نقديًا، يمكن القول إن ديوان “ساعي بريد اللهفة” يقوم على ثلاث ركائز أساسية: الانفتاح التناصي الواسع مع التراث العربي والعالمي. واللغة الاستعارية الكثيفة التي تميل إلى الانفجار الصوري.وتوسيع الذات إلى أفق كوني يجعل الحب والذاكرة والتاريخ كيانًا واحدًا.
غير أن هذا الثراء قد يواجه ملاحظة نقدية تتعلق أحيانًا بـالفيض اللغوي الذي يهدد بتخفيف التركيز الدلالي، حيث تتزاحم الصور إلى درجة قد تُضعف مركزية الفكرة في بعض المقاطع.
ومع ذلك، يبقى الديوان تجربة شعرية لافتة في المشهد العربي المعاصر، لأنه يصرُّ على إعادة الشعر إلى فضائه الواسع: فضاء الأسطورة، والتصوف، والكونية، واللغة بوصفها طاقة خلق لا مجرد وسيلة تعبير.
يقدم نمر سعدي في هذا الديوان مشروعًا شعريًا قائمًا على اللهفة بوصفها حالة وجود، لا مجرد انفعال عاطفي، وعلى الشعر بوصفه “ساعي بريد” بين الإنسان وذاته العميقة والعالم.
- من الديوان:
يا مالكَ بنِ الريبِ كيفَ يضيئني معناكَ عن بعدٍ
بسرِّ الماءِ في وجعي المكابرِ؟
آهِ.. كيفَ يصلُّ في قلبي نثاركَ أو غبارُ صدى السنينْ؟
النجمةُ الخضراءُ في جسدي وفوقَ يدي تحطُّ القبرَّاتُ
رؤىً.. قصائدَ.. ذكرياتٍ في الدماءِ ترفُّ
أخيلةً تهبُّ من الخريفِ وأغنياتِ الحاصدينْ
قبلَ اكتمالِ قصيدتي سرقَ الشتاءُ أنوثةَ الأشجارِ..
أو سرقَ الغبارُ حدائقَ العشَّاقِ
في أشعارِ طاغورٍ وليلَ الحالمينْ
لا شيءَ عندي.. لستُ أملكُ أيَّ زنبقةٍ يبوحُ بها الجدارُ
ولا قصائدَ كيْ أهشَّ بها على قلقي الخجولِ
ولستُ أملكُ سيرةً ذاتيَّةً / شعريَّةً للنشرِ في ويكيبيديا
حطبٌ فمي.. ورقٌ خريفيٌّ شفاهي فوقَ هاويتينِ..
روحي كالفراشةِ في شباكِ النارِ…
هل قلتُ الذي يكفي لأكتبَ صمتَ قلبي أو عذابَ دمي..
لأكتشفَ المسافةَ بينَ ذاكرتي وصلصالِ الحنينْ؟
صادقتُ أنكيدو وعشبَ الليلِ
عشتُ مع الصعاليكِ الذينَ تناثروا
في الحبِّ والأحلامِ والصحراءِ…
جئتُ من الصدى وخرجتُ من ظلِّ الندى
ومن الزنابقِ واللظى والبردِ
من لغةِ البنفسجِ.. من رخامِ الوردِ
من تمثالِ جولييتَ المصابِ برعشةٍ زرقاءَ
من قمرٍ يربِّي الشهدْ
وكتبتُ سونيتاتِ شكسبيرَ
ذقتُ سفرجلَ الأشواقِ يقطرُ من شفاهِ حبيبةٍ
وسياطَ شمسِ الروحِ
صادقتُ الرمالَ.. رقصتُ مع مطر الهوى المجروحْ
22/05/2026 09:48 pm 16
.jpg)
.jpg)