كنوز نت - ضياء محسسن الاسدي


قلوب بيضاء في الزمن الصعب
  • ----------------------------- ضياء محسسن الاسدي
      (( أقتحمت أمرأة ثلاثينية العمر باب دار المقيمين للأطباء بعصبية ونبرة حادة لتضع طفلا رضيعا ملفوف بقطعة من القماش يكاد لا يُرى بان على وجهه الشحوب والضعف مولودا حديثا بين يديي عاملة النظافة المكلفة بدار المقيمين ائلة خذي هذا حفيدك ليس لب به ولا بوالده حاجة وخرجة مسرعة تاركة دهشة وصمت رهيب يغيم على المكان والذي نزل كالصاعقة على الجدة والطبيبة المقيمة التي كانت بجانبها وههي ترقب بنظراتها الدموع التي بدأت تتساقط من عين الجدة ويدها المرتجفة التي كادت أن تُفلت الطفل من يدها توجهت تلقاء الطبيبة وهي حائرة تدور نظراتها حول نفسها والكلمات تجمدت بين شفتيها . 


مدت الطبييبة كفها لإحتضان الرضيع بكل حنان لمت الجدة الطفل مستسلمة بكل هدوء ويأس ليد طالما عرفتها بالطيبة وكرم الخلق والقلب الرؤوف تعرفها لسنين مضت في وسط زملائها من الأطباء صاحبة المواقف الجميلة والحميدة التي زرعتها في كثير من نفوس الآخرين كانت تعد من النوادر ففي زمن طغت عليه قسوة المشاعر وحب المادة والسلطة والجحود والنكران طبيبة تحمل قلبا مزيج من المحبة والحنان للمقربين مشهودا لها بالعلم والمعرفة والأخلاق النادرة يشهد لها القاصي والداني والمواقف الحميدة تكاد لا تفارقها في مسيرتها المهنية وهي جوهرة في وسط ندرت فيه النفائس في زمن تراجعت الأخلاق وتقدم التكبر والأنانية 

وضعت الطفل سريعا في حاضنة الأطفال تسقيه الحليب قطرة قطرة وهواء الأوكسجين شيئا فشيء وقليلا من الدفأ والحنان ساهرة الليل تدعو وتتضرع لله تعالى أن تكون خفارتها هادئة من المرضى لتتفرغ للطفل ارة الأمور كما أرادت إلا أن التعب والأرهاق تسرب إلى جسدها رويدا رويدا وهي تجلس بجوار سريره تحنو عليه بلمس جسده الرقيق النحيف تحس نبضه المتباطأ بأصابعها حتى أصبح جزءا من كيانها تصارع جفونها المثقلة من الوسن أرخت العيون المتعبة قليلا لتستسلم إلى النوم حتى أنبلج ضوء الصباح بشعاعه من النافذة ليلقي عليهما التحية وينير وجه الطفل الذي أعيد بريقه من تحت أنقاض الموت وبراثن الأم القاسية الجحود حينها تسللت صرخة ضعيفة إلى مسامعها نهضة مسرعة خائفة تتفقد الطفل على مهل لتجده على أحسن حال كانت الحياة تدب فيه مرة أخرى أحتضنته إلى صدرها بشوق ولذة بالإنتصار طبعة قبلة على جبيينه .دخلت الجدة مسرعة صالة الأطفال بوجه حزين يرتقب خبرا غير سار حين وقع بصرها على الطفل سقط قلبها بين يديها وهي ترى حفيدها بوجهه المشرق خانتها الدموع والعبرات لتنهمرمن مقلتيها مدت فمها إلى يد الطبيبة لتلثمها قبلة وشكرا لهذا الموقف النبيل حين أعادة الحياة إلى الجدة والرضيع ))