كنوز نت - بقلم: سليم السعدي


المدرسة… حين تتحول المعرفة إلى قيد
  • بقلم: سليم السعدي
ليست المشكلة في العلم، بل في الطريقة التي يُقدَّم بها. فالعلم في جوهره تحرّر، بينما المدرسة – بصيغتها التقليدية – تحوّلت إلى قيد. ما يُفترض أن يكون فضاءً لاكتشاف الذات، أصبح في كثير من الأحيان مصنعًا لإنتاج نسخ متشابهة، تفكر بالطريقة نفسها، وتخاف الخروج عن النص.
منذ الصغر، يُدخَل الطفل إلى منظومة صارمة: مقاعد مصطفّة، مناهج محددة، إجابات “صحيحة” وأخرى “خاطئة”. لا يُسأل: كيف تفكر؟ بل يُسأل: هل حفظت؟ وهنا تبدأ الكارثة. فالإبداع لا يولد من الحفظ، بل من التساؤل، من الشك، من الجرأة على كسر القاعدة.
حين ننظر إلى التاريخ، نجد أن أعظم العقول لم تكن نتاج نظام مدرسي تقليدي. إسحاق نيوتن لم يكتشف الجاذبية لأنه حفظ كتابًا، بل لأنه تساءل عن سقوط تفاحة. وألبرت أينشتاين لم يُحدث ثورة في الفيزياء لأنه التزم بالمنهج، بل لأنه تجرأ على تخيّل ما لا يُرى. هؤلاء لم يكونوا “طلابًا مثاليين” بالمعنى المدرسي، بل كانوا عقولًا حرة.
المدرسة اليوم – في كثير من نماذجها – تُهمّش هذا النوع من التفكير. فهي تُكافئ الطاعة أكثر مما تُكافئ الإبداع، وتُعاقب الاختلاف بدل احتضانه. الطالب الذي يسأل كثيرًا يُزعج، والذي يشكك يُعتبر متمردًا، والذي يحلم يُطلب منه “العودة إلى الواقع”.
لكن أي واقع هذا؟

واقعٌ يُقاس فيه الذكاء بدرجة امتحان؟
واقعٌ تُختزل فيه قيمة الإنسان في رقم؟
إن أخطر ما تفعله المدرسة ليس تلقين المعلومات، بل قتل الدهشة. فالطفل يولد فضوليًا بطبعه، يسأل عن كل شيء، يربط بين الأشياء بطرق غير متوقعة. ثم تأتي المدرسة لتقول له: “لا، ليس هكذا… اتبع الخطوات.” وهنا يبدأ الانطفاء التدريجي.
المناهج المصممة للتدريس ليست بريئة دائمًا؛ فهي في كثير من الأحيان تُبنى لخدمة نظام، لا لتنمية إنسان. تُعطيك معطيات جاهزة، وتطلب منك إعادة إنتاجها كما هي، دون نقد أو إعادة تشكيل. وهكذا يتحول الطالب من خالق للأفكار إلى ناقل لها.
الإبداع ليس ترفًا، بل ضرورة. هو ما يصنع الحضارات، ويُحدث التغيير، ويكسر الجمود. لكن هذا الإبداع يحتاج إلى بيئة تحتضنه، لا إلى نظام يقمعه. يحتاج إلى معلم يُشعل السؤال، لا إلى معلم يفرض الإجابة.
ليس المطلوب هدم المدرسة، بل إعادة تعريفها. أن تتحول من “سجن فكري” إلى مساحة حرة، من “منهج مغلق” إلى تجربة مفتوحة، من “تلقين” إلى “اكتشاف”. أن يصبح الخطأ جزءًا من التعلم، لا وصمة تُخيف الطالب.
في النهاية، المدرسة التي لا تُعلّمك كيف تفكر، بل ماذا تفكر…
ليست مدرسة، بل قيد مُقنّع باسم التعليم.
والسؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه:
هل نريد أجيالًا تحفظ الماضي… أم تصنع المستقبل؟