كنوز نت - بقلم: رانية مرجية


عامٌ على رحيل أمي
  • بقلم: رانية مرجية
عامٌ كاملٌ مرّ،
لا بوصفه زمنًا،
بل بوصفه اختبارًا طويلًا لمعنى البقاء.
عامٌ وأنا أتعلم كيف يمكن للغياب
أن يكون أكثر حضورًا
من كل ما تبقّى.
رحلتِ يا أمي،
ومنذ ذلك الحين
لم يعد العالمُ هو ذاته،
ولا صرتُ أنا المرأة نفسها
التي كانت تمشي مطمئنة
لأن هناك قلبًا
يخفق عنها حين تتعب.
الفقد، حين يكون أمًّا،
لا يُختصر في حزن،
ولا يُعالج بالزمن،
بل يعيد تشكيل الإنسان
من الداخل،
يهدم يقيناته القديمة،
ويجبره على بناء نفسه
بيدٍ مرتجفة
وقلبٍ مكشوف.
كنتِ يا أمي
المعنى الذي لا يحتاج إلى تفسير،
والحبّ الذي لم يساوم،
والثبات الوحيد
في عالمٍ تعوّد الخذلان.
بعدكِ،
اكتشفتُ أن القوة التي كنتُ أتباهى بها
لم تكن بطولة شخصية،
بل ظلّكِ الممدود فوق حياتي.
وحين سُحب الظلّ،
اضطررتُ أن أتعلم
كيف أقف تحت الشمس
عاريةً إلا من إيماني.
عامٌ وأنا أراجع المفاهيم الكبرى:
الأمومة ليست علاقة دم فقط،
إنها فلسفة عطاء.
والحب ليس حضورًا دائمًا،
بل قدرة على البقاء
حتى بعد الرحيل.
أدركتُ أن الأم لا تموت،
هي تتحول.
تنتقل من الجسد إلى الذاكرة،
ومن الصوت إلى الصمت،
ومن الدعاء المسموع
إلى حمايةٍ خفيّة
لا تُرى…
لكنها تُنقذ.
أشتاقكِ لا بوصفكِ ذكرى،
بل بوصفكِ حاجة.
أفتقدكِ في لحظات القوة
كما في لحظات الانكسار،
فأنتِ الوحيدة
التي كنتُ أضعف أمامها
دون خجل،
وأقوى معها
دون ادّعاء.
في عامكِ الأول غيابًا
لم يخفّ الوجع،
لكنه صار أكثر وعيًا،
أكثر نضجًا،
أكثر صمتًا.
فالخسارات الكبيرة
لا تصرخ…
هي تغيّر نبرة الروح.
أمي،
ما زلتُ أراكِ
في التفاصيل التي لا ينتبه لها أحد:
في قلقي،
في صلاتي المرتبكة،
في يدي حين أكتب،
وفي قلبي حين يحاول
أن يكون عادلًا في عالمٍ قاسٍ.
علّمتِني، حتى بعد رحيلكِ،
أن الحب الحقيقي
لا ينتهي،
بل يطالبنا
أن نكون أعمق،
أصدق،
وأكثر إنسانية.
رحمكِ الله يا أمي،
وجعل غيابكِ درسًا في المعنى،
وجعلني ابنتكِ
التي لم تكبر على فقدكِ،
لكنها تعلّمت
كيف تحمله بكرامة.