كنوز نت - بقلم رانية مرجية


كيف نتقن القتل دون أن تتسخ أيدينا
  • بقلم رانية مرجية
نحن لا نقتل لأننا متوحشون.
نقتل لأننا منظمون.
القتل في مجتمعاتنا ليس فعلًا طارئًا،
بل نتيجة منطقية لنظام أخلاقي متماسك،
نظام يعرف كيف يُقصي دون ضجيج،
وكيف يُنهي الحياة دون أن يُسمّي ما يفعل.
نحن لا نبدأ بالرصاصة.
نبدأ بالترويض.
نروّض السؤال حتى يصمت.
نروّض الاختلاف حتى يختفي.
نروّض الفرد حتى يتعلّم أن النجاة
مرهونة بالتشابه.
وحين يفشل الترويض،
يصبح القتل
حلًا عقلانيًا.
القتل هنا ليس انفجار غضب،
بل قرارًا اجتماعيًا مؤجَّل التنفيذ.
تُمهَّد له الطريق بعناية:
تشويه بطيء،
تلميح أخلاقي،
إشاعة صغيرة،
ثم جملة نهائية:
“مش مريح.”
هذه الجملة وحدها
كافية لإلغاء إنسان.
القاتل في ثقافتنا لا يأتي من الهامش.
يأتي من المركز.
من العائلة.
من الجماعة.
من الإجماع الصامت.
هو لا يشعر بالذنب،
لأنه لم يفعل شيئًا وحده.
كلنا شاركنا:
من صمت،
ومن برّر،
ومن نصح الضحية أن “تخفف”،
ومن خاف أن يقف في الجهة الخطأ.
نحن مجتمع
لا يحتاج إلى سفّاحين،
لأننا نملك آليات أنظف.
نقتل بالسمعة قبل الجسد.
نقتل بالفتوى قبل السكين.
نقتل بالقانون حين يناسبنا،
وبالعرف حين يعجز القانون،
وبالصدفة حين نحتاج مخرجًا لغويًا.
ثم نقف جميعًا
في جنازة مرتّبة،
نُخفض الصوت،
ونرفع أعيننا للسماء،
ونقول:
“قضاء وقدر.”
الله في خطابنا
شريك مثالي:
صامت،
لا يدافع عن نفسه،
ويتحمّل عنا كل شيء.
الضحية، في لحظة موتها،
تُستجوب.
نفتّش حياتها بحثًا عن ذنبٍ يريحنا.
نراجع ملابسها،
أفكارها،
علاقاتها،
نبرة صوتها.
أي شيء…
إلا أن نراجع أنفسنا.
أما القاتل،
فيحصل على فهم.
والفهم عندنا
أرقى درجات البراءة.
“كان مضغوطًا.”
“الظروف أقسى من الكل.”
“كلنا ممكن نغلط.”
نحن لا نبرّئ القاتل،
نُبرّئ النظام الذي أنجبه.
الأكثر رعبًا
أن القتل عندنا
لا يثير الذعر،
بل يثير الارتياح.
ارتياح لأن الخلل أُزيل.
لأن السؤال انتهى.
لأن الهدوء عاد.
أي هدوء هذا
الذي لا يتحقق
إلا بعد إسكات إنسان؟
نحن مجتمع
يخاف من الحياة الحرة
أكثر مما يخاف من الموت.
ولهذا نقتل من يعيش بزيادة:
من يفكر بزيادة،
يحب بزيادة،
يسأل بزيادة.
القتل ليس نقيض الحياة هنا،
بل أداة لإدارتها.
وفي النهاية،
حين يأتي الدور علينا،
لن يُقتلنا أحد بغضب.
سنُقتل بأدب.
بجملة رسمية.
بتبرير جاهز.
وبإجماع مطمئن.
وسنكتشف، متأخرين جدًا،
أن القاتل لم يكن فردًا،
ولا لحظة،
ولا سكينًا…
بل ثقافة كاملة
تعلّمت كيف تحمي نفسها
بإلغاء من يفضحها.